د. محمد اليوسف
د. محمد اليوسف

@Alyousef8

8 تغريدة 12 قراءة Mar 17, 2024
زارني ذات مرة رجل تعدى الخمسين من عمره، وبصحبته زوجته وابنته. اتضح أنه يعاني من الاكتئاب، وأن الأعراض بدأت معه منذ أن تم تشخيص حالته بورم سرطاني. ما لفت نظري وأدهشني هو ما ذكرته زوجته وابنته أيضاً باندهاش وهو أنه مؤذن مسجد، واعتاد طوال حوالي ٣٠ عاماً على الصلاة حاضراً في المسجد ١
لكنه بعد تشخيصه بمرض السرطان من الدرجة المتقدمة، وقبل حتى أن يصاب بأي من أعراض الاكتئاب حيث كان وقتها في أوج صحته وعز نشاطه، ودخل للمستشفى لاجراء فحوصات سنوية روتينية تبين من خلالها اصابته بالمرض، وعندها لم يعد يذهب للمسجد ولم يعد حتى يؤدي فروض الصلاة في البيت ٢
طبعاً الزوجة والأبناء خاصةً البنت الكبرى سائهم ذلك، واستنكروا فعله وعندما ضغطوا عليه بعدها بنحو ثلاثة أسابيع أخبرهم بأنه مصاب بسرطان. وطلب من زوجته أن تصطحبه الى مكة لأداء العمرة وللدعاء لنفسه بالشفاء من المرض. كان هذا قبل ثلاثة أشهر من بداية أعراض الاكتئاب عليه ٣
وبحكم عملي وتخصصي بدأت أتأمل في سلوك هذا الانسان، لأن الطبيعة البشرية ودراسة أنماط سلوكها هو شغفي ومحور أبحاثي ودراستي. هذا رجل قضى معظم ان لم نقل كل عمره في المساجد، وعندما أزِفت ساعة رحيله أو لنقل هكذا يبدو من خبر الأطباء توقف عن ممارسته تلك فجأة وبعد أكثر من ٣٠ عاماً متواصلة ٤
رحت أتأمل أكثر في حالة هذا الرجل فقلت في نفسي اذا كان يصلي للاستعداد للموت، وهذا هو المفترض فلماذا اذاً ترك الصلاة عندما أحس باقتراب وقوع ذلك أو خاف منه. يفترض أن يحدث العكس فيزداد حرصاً على صلاته أو يقضي أوقات أطول في المسجد ... الخ لكن هذا ليس ما حدث ٥
رحت أسهب في تصوراتي عن ما سمعته من قصته فاذا بسفره الى مكة والحاحه في الدعاء هو تعبير عن الخوف من الموت وهو خوف مشروع وأصيل،الكل يعاني منه بمستويات متفاوتة.لكن هناك فرق نفسياً بين تقبّل فكرة الموت والخوف منه وهما لا يتعارضان، كوبين الخوف من الموت لدرجة الانكار وهو ما يحدث الصدمة٦
هذا الرجل في القصة كأنما أصيب بصدمة لأنه اعتقد أن الموت بعيد عنه، وحتى ان أدرك أنه سيموت على مستوى العقل لكن حسه ووجدانه كان على ما يبدو يستبعد وينكر هذا فنزل الخبر عليه كالصاعقة. صلاته لم تكن سوى نمط سلوكي يومي وعادة خالية من الخشوع والروحانية - على ما يبدو - فتركها ككل عاداته ٧
كانت والدتي -حفظها الله- تردد كثيراً هذه العبارة :
" صلاة عادة ، وصلاة عبادة ، وصلاة تقود للنار قيادة " والمقصود بالأخيرة صلاة الرياء والسمعة التي لا يقصد بها الا الاستعراض أمام الآخرين.
من تأملاتي في #العيادة_النفسية وتقبل الله من الجميع صيامهم وقيامهم وصلواتهم.
- تمت -

جاري تحميل الاقتراحات...