خفية الضوء 🌼
خفية الضوء 🌼

@sarab_sr

38 تغريدة 12 قراءة Aug 16, 2022
كانت روحه تترقب الشتاء ..
يقلب حين يبسط الليل ظلامه صفحات التقويم الذي رُصد فيه آوان الشتاء ..
يتنفس الصعداء كلما اقترب الموعد ..
وكأنه في هذا الفصل المفعم بالحياة سيجد ضالته التي فقدها ..
يقلل طبقات ثيابه حتى يشعر بالبرودة التي تهز أعماقه كلما فقد إدراكه بالواقع لتعيده حيث ينتمي ..
يغرق في ذاته كثيرًا ..
يتأمل وجهه بالمرايا التي تعكس تفاصيل جسده ..
وجنتاه التي تتربص فيه الدماء لتكسوها الحمره ..
على طاولته الرخامية ينشر أوراقه ..
أقلامه التي يتوسطها الرصاص على الدوام ..
ممحاة تتأكل ليلة بعد أخرى وربما لو كان لها صوت لسمع الكثيرون نحيبها ..
موقده الذي يهتم به بخلاف بقية الأشياء في بيته الخالي إلا من الأساسيات كسرير يرفع جسده عن الأرض ..
وطاولته الممتدة بثلاث جهات وكرسيه الممزقة أطرافه ..
وأحواض تحتضن أشجار عاشت معه لثلاث سنوات ..
وبقية لو أراد أن يحصيها لأحصاها على عجالة ..
تخفف كثيرًا مما يملك وكأنه أراد أن يمنح روحه فرصة التخلي ليفرد أجنحة روحه وتحلق به من جديد لكن ليس بذات العالم المكتظ؛ إنما عالم ينتمي إليه بحق ..
طرقات ناعمة على الباب تمزق وحدة وحدته وصمته ..
يجر خطواته دون أن يرد على الطارق ..
فتصبح خطواته وصوت الطرقات كخطين متوازيين لا يلتقيان إلا عند صوت المفتاح الذي يديره بيده التي تشوهت ذات يوم ..
يفتح الباب على مصراعيه وجسده الهزيل كجذع شجرة تخلت عنها أغصانها بالاكراه بسبب أيدي الطامعين ..
يبتسم بوجه ساعي البريد ويوقع دون أن ينطق بكلمة؛ حتى ظن الساعي الذي اعتاد على رؤيته بهذه الهيئة أنه أبكم ..
لأنه يغمض عينيه تعبيرًا عن الشكر ..
يغادره الساعي بتلويحة وابتسامة ..
يعود للداخل ..
يديه تحتضن رسائل عدة ..
فواتير لا تنتهي من الوفود إليه مطلع كل شهر ..
رسالة أخته التي تزاحم بقية رسائله كل ثلاثة أشهر ..
وخطابات صديقه الذي يدون مغامراته بإيجاز ويرسلها منذ عشر سنوات مرة كل عام ..
وظرف رسالة اعتاد على وجوده وتمييزه نظرًا للونه المختلف عن أي ظرف يتلقاه ..
وكأن المُرسل المجهول أراد أن يتفرد لعله يلقى اهتمامًا لا سيما وأنه لم يستجب حتى اللحظة لأي مما قرأه رغم مرور تسعة أشهر ..
وهذا يجعلها تسعة رسائل بظرف ذو لون مميز ..
يقرأ ويقرأ ويقرأ وحسب ..
وضع ابريقه على موقد النار ..
فرقصت حبيبات السكر لأقل من دقيقة حتى تلاشت فأطفاء الموقد ليضع أوراق الشاي الجافة على الماء ويتركها لدقائق معدودة تمكنه من فتح نافذته .. وسحب كرسيه ..
ثم اضاءه مصباح الزاوية ..
ومسند قدميه ..
وطاولته الصغيرة التي تحمل ابريق وكوب شفاف ..
يعود لإبريقه يحمله بهدوء ..
ولو كان إنسانًا لنال شرف المراعاة بعناية فائقة ..
يسند ظهره ..
يفتح الأظرف تباعًا ..
رسالة أخته:
أهلًا غسان .. أرجو أن تكون بخير وعافية ..
أشتاقك بحق ..
ومرت أيام هذا الشهر وذكرياتنا معًا تتلاطم كموج عجز أن يهدأ ..
سيكون لقائي بك قريبًا . أحبك جدًا 💛
اعتلت شفتيه ابتسامة من هذا الايجاز الذي عبرت فيه أخته عن شعورها فهذا ينبئ بحضورها بداية الشهر تقريبًا..
ففي كل مرة تكون رسالتها على هذا النحو؛ يتفاجئ بطرقات أناملها النحيلة وما أن يفتح الباب حتى تعانقه وهي توبخه من فرط اشتياقها إليه ..لتمتلئ زوايا البيت بعد ذلك بحركاتها وضحكاتها.
يقرأ ما كتب على الظرف:
إلى السيد غسان الفاضل ..
فيفتح الرسالة الثانية بعد ارتشافه الشاي ..
مرحبًا سيد غسان ..
في الوقت الذي تصل إليه الرسالة نتمنى أنك بخير ..
قد طال انتظارنا للمستند الأخير من عملك، ونتطلع لقراءته في أقرب وقت.
مع وافر التقدير لك
وثمة ومضة كُتبت بخط صغير:
نشتاقك.
يطوي الرسالة بعد تنهيدة زفرها دون إرادة منه؛ كأنها تحررت حين وجدت طريق الهجرة الأبدية خارج أقفاص صدره ..
التفت لكومة الأوراق غير المرتبة سوى بالترقيم الذي يضعه بعد أن يضع النقطة الأخيرة في الصفحة ..
تأملها لدقائق ثم ابتسم بلامبالاة ..
نسيم بارد تجرأ على النزوح من نافذته ..
تبدل شعوره حين تعرف جسده على هذا النسيم ففؤاده عاشق له جدًا ..
ابتسم ابتسامة من يتلذذ بتناول طبق محلى يُحبه بشدة ولا يستطيع مقاومته ..
أمسك كوب الشاي الذي أوشك على الدفء ..
رشفات صغيرة ..
واغماض عينيه تحمله لعالم بعيد ..
ولأن الهدوء أحكم قبضته ..
ميز صوت عقارب الساعة ..
شعر باللفحات الباردة تُقبل وجهه ..
وأصوات العابرين يسمعها ولا يميز ما يقولونه ..
فتح عينيه وكان البدر ماثل أمامه بتوهجه ..
والغيم حوله يوشك على عناقه ..
والنجمة القريبة تكاد تُحجب لثوان معدودة حتى يغادرها الغيم ثم تعود ببريقها آسرة ..
صوت برق ورعد ..
ورائحة التربة تفوح بعد احتضان قطرات المطر المتتابعة لها ..
مد يده ليضع الكوب على طاولته ليرتطم بزاويتها فينسكب ما بقي فيه على الظرف المميز ..
يسحبه بخفة وسرعة ..
يمسح الشاي بطرفة أكمامه ..
لكن السبق للشاي في التغلغل إذ بدأ الحبر في الفيضان بعد انهيار سدوده على السطور ..
فتح الظرف وسحب الورقة الداخلية ..
سطور تمازجت..
كلمات بالكاد واضحة..
ثم أكملها بوقت آخر بإذن الله ..
#إيقاع_جنوني لتقييدها
رتبها لي @rattibha
لونين من الحبر على غير العادة ..
وخط مختلف عما سبق تمكن من تمييزه في الوهلة الأولى ..
وحتى لا يفسد الشاي بقية السطور .. استخدم منديلًا من القطن يضغط على الرسالة برفق..
ثم رفعها بأطراف أصابعه باتجاه النافذة ليمارس الهواء البارد سلطته في مجابهة دفء الشاي ببرودته لعلها تجف سريعًا..
ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى أصبحت كورقة خريف جافة ..
واتضحت بعض السطور وقد كتب فيها:
قد تكون لاحظت اختلاف الخط؛وما ذاك إلا بسبب حادث خسرت فيه قدرتي على الكتابة هذا الشهر لك، ولك أن تتخيل روح تعيش من أجل الكتابة تفقد قدرته على المضي قُدمـ .. وقبل أن تنتهي الكلمة أصبحت بقعة..
أفسدت تتمة الحديث كما تفسد مياه السد بعد انهياره كل زرع قد أتى موسم حصاده ..
سطر أخر حمل عتابًا :
ألم تكفك ثمان رسائل مزدحمة بالأحاديث لتثير فضولك وترد برسالة ..؟!
أي روح قابعة خلف أضلعك البارزة ..؟!
متعجرف .. مغرور .. فاقد للحياة على أقل ......
وبقعة أخرى أكبر من سابقتها تحجب
بقية الحديث ..
لم يكمل الرسالة إذ ظل يتأمل الحبر كيف امتزج مع الشاي ليجعل الرسالة كلوحة رسمتها روح فنان يعاني من الوحدة ..
وهكذا شعور غسان وهو يتأمل ..
سأل نفسه بصوت يسمعه :
أهكذا تتصور شكل الوحدة ..؟!
أتراها فاتنة جدًا بهذه المنحنيات العشوائية..؟!
أم أنك تهرب حتى اللحظة منك ..؟!
توقف عند هذه الاسئلة حتى لا يرى كثيره الخفي بهيئته الحقيقة ..
ورأى في زاوية الرسالة العنوان البريدي لاستقبال الرسائل منه واضحًا كنور الشمس ..
فلم يُعد الرسالة للظرف كما فعل فيما قبلها؛ إنما حمل دبوسًا وصنع ثقبًا صغيرًا على الرسالة وعلقها مع بقية الملاحظات التي يدونها عادة ..
هطول المطر لم يتوقف ..
بل ازداد وهذا ما جعله يتقدم نحو نافذته ويغلقها حتى لا تفسد القطرات أوراقه القريبة من نافذته أو كتبه التي يرصفها بشكل عشوائي لكنه يحفظ عن ظهر قلب مكان كل كتاب يريده لو دار في نفسه رغبةً في تقليب صفحاته ..
رأى من خلف النافذة أجساد تتسابق خطواتها هربًا من بلل المطر ..
ومظلات شفافة وأخرى ملونة تحجب القطرات من العبث بأصحابها ..
صغار وكبار .. متأنقين ومتسولين ..
من ينظر إليهم سيرتبهم حسب طبقتهم الاجتماعية؛ ومع إيمانه
أن هذه النظرة قاصرة في الحكم على الأخرين حتى يسمع ثرثرتهم إلا أنها تشير نسبيًا إلى حياتهم ..
فكم من ثرثار تعرى فكره أمامه رغم ثروته الطائلة ..
وكم من قليل حديث حين تفوه كانت ثروة فكره تفوق أمواله بمراحل ..
نطق بصوت يسمعه من جديد:
والله إن مثل هذا الغنى هو المستحق للغبطة ..
أمسك بستائره السوداء الشفافة وسحبها من أطرافها حتى موضع قدميه التي تقف في منتصف النافذة ..
فغشى الظلام شيئًا من حجرته وعاد لسريره .. راميًا بثقل رأسه وجسده إلى العالم الذي لا يراه سواه ..
فغط بسبات عميق بعد صولات وجولات دون شعور ..
حرارة الشمس ..
ورائحة الخبز التي تتسلل مع الهواء كلصوص يدخلون جميع البيوت بخفة داعبت أرنبة أنفه حتى أيقظته ..
فتح عينيه والساعة المعلقة على الجدار تشير عقاربها للساعة الثامنة والنصف صباحًا ..
وعلى وشك أن يتأخر على موعده الذي ظل ينتظره منذ أسابيع ..
نهض من سريره على عجالة ..
رشق الماء على وجهه بضع مرات حتى تلاشت من محياه بقايا النوم ..
وابتل حلقه بالماء بعد أن شرب كأس ونصف ..
وحتى يكون مستعدًا بما يكفي للخروج مضى من وقته عشر دقائق ..
خرج من بيته .. وخطواته السريعة كانت كفيلة بتقليل مدة تجاوزه درجات السلالم عن المعتاد ..
لم يجد حارس العمارة ..
ليلقي عليه تحيته المعهودة ويسمع منه:
صباح الخير غسان .. بنبرة حازمة لا لطف فيها ..
- اذ لابد أنه خرج مصطحبًا ابنه لمدرسته البعيدة ..
أشعة الشمس الدافئة ..
وقطرات المطر التي وضعت بصمتها وما تزال أثارها لكل العابرين على الطرقات تحثهم على الابتسام ..
همسات يسمعها ..
وهتافات ..
وابتسامات الشفاة تكتسي الوجوه ..
لأي حد يمكن اعتبار المطر معجزة عظمى أثارها واضحة وجلية على من خلقوا من طين ..؟!
فيض من الأفكار تدور في فلك رأسه ولا يعلم عنها سواه ..
لهذا في كثير من المرات يظنه البعض مجنونًا ..
إذ يبتسم ولا أحد معه..
وحينًا تتمرد كلمات فيسمعها عابر مر جواره..
ومع ذلك لا يكترث لكل ما يسمعه من الأفواه ..
يبقى ثابتًا في خطوته .. شامخًا أمام نفسه ..
فهذا هو مذ أدرك أنه بما يحمله وما يفعله..
عند الإشارة واقفًا ينتظر اعلان مروره بتوقف السيارات..
وجواره عجوز تحمل كيسًا تفوح منه رائحة طعام شهي..
ورجل يحمل حقيبته ولباسه مرتب..
وأخر معه دراجة..
وفي الجهة الأخرى أمامه امرأة تحمل طفل صغير ..
وصبي يحمل منديلًا لبيعه ..
وفتاة تحمل حقيبة وترتدي نظارة وكأن العالم بطيئ في حركته بالنسبة إليها وهذا من فرط قلقها الذي تظهره حركات جسدها ونظرتها لساعتها عدة مرات ..
قلق مفرط يعتريها ويتمكن منها ..
هذا العالم يمضي على وتيرة مادية في مقام عال فتؤرق من فقد ذاته وأصبح يجاري الجموع الذين فقدوا هويتهم وقدرتهم على المضي بما يمكنهم ..
قلق شائع .. واضطرابات كمظاهرات لا تغيب طويلًا ..
وما ذلك إلا بدايات لتأكل الطمأنينة في أعماقهم وسيادة لعدم الاقتناع بما يملكون ..
ثم أكمل في وقت آخر بإذن الله ..🌼🍃
#إيقاع_جنوني
رتب لي @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...