د/ وليد بليهش العمري 🌐
د/ وليد بليهش العمري 🌐

@WaleedBleyhesh

14 تغريدة 48 قراءة Jan 11, 2020
بدأت عتبات النص (الغلاف والمقدمات والحواشي وكل ما ليس من النص ويحيط به) تأخذ حظها من الاهتمام في دراسات الترجمة لما لها من تأثير بالغ في "تأطير النص" وتوجيه فهمه، إذ هي علامات تدل على الاستحواذ على النص من أشخاص غير مؤلفه الأصل، وهذا يصبح أكثر خطرا في الترجمة المؤلف عنها!
والحواشي أكثر هذه العتبات تأثيرا في تجربة القارئ، فهي أقربها مصاحبة لفعل القراءة؛ ترشد القارئ وتوجه فهمه، وتجلي المعنى المراد، وربما تفرض الوصاية على استنباطاته، وفهمه.
لذا وجب التنبيه عليها وحصها بالحديث دون غيرها على ما له من أهمية!
هي ذات أهمية قصوى بالنسبة للقرآن الكريم إذ هو نص محوري يحدد معالم الهوية (من أنا) عند القول و (من هم) عند القراءة؛ يشكّل معالم الحياة بتفاصيلها، ومن هنا يكتسب حساسيته، وتأتي أهمية التحشية لترجمته. لأي غرض أتى استخدامها، هل ثمة منهج محدد الملامح لذلك، أين أثبتت وفي أي موضع أغفلت؟
ويجب التنبيه على أن فعل قراءة الترجمة يختلف كثيرا عن فعل قراءة النص الأصل، فقراء الترجمة يختلفون من حيث إدارك المعنى لغة وثقافة، وكذا يأتي كثير منهم محملا بعديد المفاهيم التي قد تكون مشوشة ومغلوطة، وأخرى مشبعة بواقع علمي ومعرفي جديد كليا، وهنا يتدخل المترجم ويورد حواشيه.
ومترجمو القرآن الكريم يقفون هنا بين مكثر ومقل على طرفي نقيض كل بحسب منهجه وتحقيقا لغاليته؛ فمنهم من لا يكاد يحشي كترجمة صحيح انترناشونال من جهة، و منهم من يوغل في التحشية وإيراد صنوف العتبات النصيى The Study Quran من جهة أخرى.
ومما يؤخذ على بعض الترجمات المتوافرة والمتداولة بكثرة خلوها من التحشيات إذ هي تترك القارئ النص دونه دون محاولة لتوجه قراءته ودون مراعاة لحاجاته المعرفية، أو الاتفات (من طرف خفي) لتصحيح المفاهيم المغلوطه لديه، مما يقد يسهم دون عمد في ترسيخها، وفيما يلي تفصيل ذلك...
تأتي أهمية الحواشي من دورها الفاعل في جلب السياق واستحضاره في النص، فالقرآن الكريم نزل في بيئة عربية بلسان عربي، وقد راعى لغة العرب وثقافتهم التي كانت سائدة إذ ذاك، وفي كل هذا إشارات فهمها أهل اللغة والثقافة، وغيرهم غُفل عنها ما لم توضح لهم من خلال التحشية والتسييق.
والأمر الآخر أن سياق الاستقبال متحور غير ثابت بتغير الأزمان وأهلها وبيئتهم وواقعهم ومستحدثاتهم، وأفكارهم ونظرتهم للعالم. فالعالم قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر اختلف عنه بعده كثيرا من حيث استقبال الإسلام والقرآن وما يمثلانه ويدعوان إليه، وإغفال هذا في لغة كالإنكليزية يحبط العمل!
كما أن النص القرآني ذاته لا يشبهه نص آخر، ولذا نجد اختلافا في تفسيره وفهم معانية موراميه وتوجيه قراءته، فمنه محكم ومتشابه، ومجمل ومفصل، وخاص وعام، وناسخ ومنسوخ، ومنه ما يفسر بعضه بعضا، وما تفسره السنة، وكل هذا له تأثير في فهم الآية، ومما يستوجة الإيضاح والإبانة.
كما أن للحواشي أهميها في إزالة الإيهام بمساواة الترجمة للأصل منوهي فرصة: لإبراز الفاقد في المعنى، ومحاولة التعويض عن شيء منه (كالنكت البلاغية للأساليب: الالتفات، واستخدام الفعل الماضي للحديث عن الحاضر)، وإيراد المعاني المختلفة لما يحمل أكثر من معنى.
وكذا إبراز اللطائف القرآنية التي من شأنها أن تعزز الإيمان به، وترغب في تدبره. وإبراء المتن مما يتوجب وجوده في الحاشية، والوفاء بتوقعات القراء الجدد، وتجدد وعيهم، وتليبة حاجتهم التوجيهية والتربوية،والنفسية. وبخاصة عند خلو الساحة لديهم من مصادر موثوقة، يمكن الرجوع إليها!
واختصارا تكتسب الحواشي أهميتها من ضرورة ضبط التوجه التأويلي للقراء الجدد، وتوضيح ما يُبهم بالضرورة ويشكل عليهم، ما من شأنه أنه يثري القراءة ويسهلها! إلا أنا خطورتها لا تقل بحال عن أهميتها.
فالحواشي من العتبات بخاصة كما ذكرنا علامات تدل على امتلاك النص ومطية لتسخيره وتوجيهه نحو قراءة قد تخالف القراءة المقصودة أصلا وبخاصة في غياب الأصل وإبداله بترجمة مأوّله متأثرة بقدر فهم المترجم للأصل وتحيزاته تجاهه!
ولا نغفل خطورتها في عسف النص والحد من فرص تدبره واستنباط معانية!
ولذا وجب ضبطها بضابط ضرورة عدم تحميلها ما لا تطيق وضبط التوثيق وربط القارئ بالتراث، والإشارة إلى تعدد القراءات وأن هذه قراءة لشخص أو آخر، إبراءً لذمة المترجم (الموقع عن رب العالمين)، إبانة لمنهجه وتوجهه، وكذا يجدر عدم التوسع وذكر كل ما يٌعرف فمن العلم ما يكتم ولا يذكر!!

جاري تحميل الاقتراحات...