عبدالله الجمعة
عبدالله الجمعة

@AAlJumah

11 تغريدة 8 قراءة May 09, 2020
يزور ولي العهد هذه الأيام "وول ستريت" في نيويورك، والذي يعتبر أهم المراكز المالية، ومقراً لأكبر أسواق الأسهم في العالم! وقصة هذا الشارع والأحياء المحيطة به لطيفة مثيرة ومرتبطة بالعرب المهاجرين، و"سوريا الصغيرة" التي ازدهرت هناك يوماً !
فعندما استوطن الهولنديون في القرن السابع عشر المنطقة التي تقع جنوب نيويورك اليوم، أسسوا بلدة أسموها "أمستردام الجديدة"، بنوا شمالها سوراً خشبياً يحميهم من هجمات السكان الأصليين والمستعمرين الإنجليز. سمّوه ب"دي والسترات" أي شارع السور-"وول ستريت" بالإنجليزية.
ميناء البلدة الطبيعي أغرى الإنجليز بالهجوم، هزموا الهولنديين، أخضعوها لصالحهم. أسموا غنيمتهم "يورك الجديدة"-نيويورك!
ازدهرت المنطقة، تجار العبيد اختلطوا بسماسرة الشركات التي كانت تتاجر بخيرات القارة الجديدة. في يوم ربيعي في آواخر القرن الثامن عشر، اجتمع السماسرة تحت شجرة معمِّرة. قرروا تنظيم عملهم، حدّدوا نسب التعامل ومواثيق التجارة. أسسوا بورصة نيويورك !
كانت "اتفاقية الشجرة" نواة أكبر أسواق المال في العالم، جلبت المستثمرين والتجار، أسسوا الأعمال وأقاموا المكاتب. تاجروا بأسهم الشركات وسندات الحكومة.
سجّلت المنطقة اسمها في صحائف التاريخ، تنصيب أول رؤساء أمريكا، تقرير الحقوق الأساسية، ثورات وثروات. استضافت موجات من المهاجرين الجدد، يهود وأوروبيون وعرب، كانت نيويورك بوابة خلاصِهم!
طلائع المهاجرين العرب، من سوريا الكبرى، وصلت أمريكا أواخر القرن التاسع عشر. هربوا، مسلمين ومسيحيين، من البؤس والفقر الذي جلبه الاحتلال التركي للبلاد العربية. استقر نصفهم في نيويورك، حطّوا فيها أحلامهم قبل متاعهم.
بنوا المساجد وكنائس المارون، زرعوا بذور الزعتر وشتلات الشرق. تحاملوا على غربتهم بمهاراتهم التجارية الشامية، عملوا ب"الكِشاشة" ومهن الصرافة، امتهنت نساؤهم حياكة الدانتيل وأعمال المطاحن
أصابوا ثروة. عظمت تجارتهم. في شارع واشنطن بمحاذاة "وول ستريت" أسسوا "سوريا الصغيرة"، بمطاعمها العربية ومقاهيها ودواوينها الثقافية، امتدت حتى المنطقة التي بني عليها في زمن لاحق "مركز التجارة العالمي"
تسكّع في أزقّتها جبران خليل جبران. فيها كتب أمين الريحاني أجمل رواياته. نشطت فيها الثقافة العربية، صحف ومجلات تنطق بلسان الأجداد في الوطن الجديد!
تعاقبت السنون. امتزج العرب، خاصة مسيحيو لبنان، في النسيج الأمريكي حتى بهتت هويتهم. زحف عِملاق "وول ستريت"، أفران فطائر الزعتر استحالت بنوكاً، تقازم مقر مجلة "الهدى" أمام ناطحات الإسمنت! عجيج بائعي العرقسوس خبت أمام هدير الحافلات الحديثة. مرة أخرى، هاجر العرب!

جاري تحميل الاقتراحات...