د. عبدالله الحمادي
د. عبدالله الحمادي

@a_alhemadi

88 تغريدة 508 قراءة May 16, 2020
1- لا يزال القول بجريان ربا البيوع في الأوراق النقدية محل إشكال عند بعض الباحثين، ووردتني رسائل متعلقة بذلك؛ بعضها أسئلة، وبعضها مناقشة.
فرأيت أن أشارك في تجلية هذه المسألة؛ بما أرجو أن يكون كاشفا لما يثار حولها من إشكالات.
2- وربما تجاوز بعضهم التحرير العلمي إلى التشنيع على القائلين بذلك، والحط من أقدارهم، واتهامهم بتهم لا تليق!
وهذا التصرف -مع مخالفته للأدب الواجب- يعكس الضعف العلمي لصاحبه، وعدم تمييزه بين ما يحتمل الخلاف، وما لا يحتمله.
3- بدايةً: يحسن التنبيه على أن ربا الديون يجري في الأوراق النقدية بلا خلاف، كما يجري فيما عداها، فيحرم الزيادة على الدين الثابت في الذمة؛ إذا كانت الزيادة مشروطة على المدين، أو جرى العرف بها.
وإنما وقع الخلاف في حكم جريان ربا البيوع في الأرواق النقدية.
4- ولا يخلو أن يكون جريان ربا الفضل في الذهب والفضة حكما معللا، أو غير معلل:
فأما القول بأنه حكم غير معلل؛ فيشكل عليه:
أن الأصل في أحكام المعاملات التعليل، ثم إن الشارع الحكيم لا يمكن أن يحرم تصرفا، ويبيح تصرفا آخر مثله في المفسدة!
5- بقي أن يقال: بأن هذا الحكم معلل.
وهذا هو الصحيح؛ وهو الذي عليه عامة أهل العلم قديما وحديثا.
وينحصر النظر حينئذٍ في تحديد العلة التي لأجلها جرى ربا الفضل في الذهب والفضة، ثم النظر في تحقق تلك العلة في الأوراق النقدية.
أي: النظر في تخريج المناط، وتحقيقه.
6- ولبيان صحة هذا القول، وضعف ما يخالفه؛ سأقدم بمقدمة موجزة، تمهيدًا لفقه المسألة.
7- مرت النقود بمراحل تاريخية مذكورة في الكتب المتخصصة، من مقايضة (تبادل السلع) إلى نقود سلعية (كالغنم والشاي والسكر وغيرها).
ثم نقود معدنية متنوعة، ثم نقود ذهبية وفضية خالصة، ثم أضيف إليها المغشوش، ثم أضيف إليها الفلوس النحاسية، ثم النقود الورقية.
8- بُعث نبينا عليه الصلاة والسلام وكان النقد
الذي يتعامل به الناس: الذهب والفضة، فأقر التعامل بهما
وبين الأحكام الشرعية المتعلقة بهما.
ومن المهم هنا أن ندرك؛ أن بيانه لتلك الأحكام لا يعني انحصار النقد في الذهب والفضة، ورفض اعتبار نقدية غيرهما، فإن هذا لا تدل عليه النصوص.
9- فإن النقد غير مقصود لذاته، كما بين ذلك علماء الشريعة والاقتصاد، بل هو وسيلة للحصول على السلع والمنافع والخدمات، ومقياس لتحديد قيمتها.
والمؤثر في اعتبار النقد:
جريان العرف بالتعامل به، وإقراره وسيطا للتبادل، ومقياسا لقيم السلع والمنافع.
10- وقد بين الفقيه الحنفي أبو بكر الجصاص أن كون الذهب والفضة أثمانا إنما كان باصطلاح الناس عليه.
وذكر أبو العباس ابن تيميَّة الدرهم والدينار في الأسماء التي لم يحدَّها الشرع، بل يُرجَع فيها إلى العادة والاصطلاح.
11- وذكر ابن تيميَّة أيضًا:
أن الدرهم والدينار ليسا مقصودين في أنفسهما، بل هما وسيلة إلى التعامل بهما؛ فهما ثمنان.
ثم قال: (والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرضٌ؛ لا بمادتها ولا بصورتها؛ يحصل بها المقصود كيفما كانت).
12- كان الناس يتعاملون بالذهب والفضة الخالصين
ثم دخل الغش فيهما؛ فخُلطا بالنحاس، وكان مقدار الغش يسيرا، ثم زاد حتى غلب عليهما.
وبين كثيرٌ من الفقهاء أنه ولو غلب الغشُّ فيهما؛ فإن لهما حكم الذهب والفضة الخالصين.
13- ولما كان للنقدين الخالصين قيمةٌ عالية؛ وثَمَّ أشياء رخيصة يحتاج إليها الناس؛ ضُربت الفلوس النحاسية، ليتعامل الناس بها في مثل هذه السلع.
14- ويحسن التنبيه على أن الفلوس مع رواجها في بعض البلدان؛ إلا أنها كانت نقدًا مساعدا، ووسيلة لشراء الأشياء الرخيصة، ولم تكن هي النقد الأصلي.
15- قال ابن تيميَّة: (أما الفلوس فلا يجزئ إخراجها عن النقدين على الصحيح) ثم علل بقوله: (لأنها ولو كانت نافقة فليست في المعاملة كالدراهم في العادة...).
يعني أنها لم تبلغ مبلغ النقدين في كونها ثمنا في اصطلاح الناس عادة.
سأكمل لاحقا بمشيئة الله..
15- ثم ابتكرت الأوراق النقدية، وكان أول ابتكار لها في الصين؛ في القرن العاشر الميلادي، وكانت مغطاة بمعدني الذهب والفضة بالكامل.
ثم تطورت إلى أن أصبحت مغطاة جزئيا، ثم أُصدرت في القرن الثاني عشر الميلادي أوراق نقدية غير مغطاة، ذكر شيئا من ذلك ابن بطوطة في رحلته.
16- ولم تنتشر التجربة الصينية في ذلك الوقت، حتى كان القرن17الميلادي، فنشأت الأوراق النقدية، ومرت بمراحل أيضًا.
فكانت سندا يثبت أن لحاملها دينا في ذمة البنك المصدر، ثم نائبة عن الذهب...، وهكذا إلى أن فُكَّ ارتباطها بالغطاء الذهبي، فأصبحت النقود تصدر من غير تقيُّد بالغطاء الذهبي.
17- ومع فك الارتباط بين إصدار الأوراق النقدية والرصيد الذهبي؛ إلا أن هذا الرصيد في الدولة هو من جملة الغطاء للأوراق النقدية.
إضافة إلى العملات الأجنبية القوية، وغيرهما من الاعتبارات.
18- ثم تطور الأمر؛ فأصبح التعامل بالأوراق النقدية إلزاميا
فلم تعد الأوراق النقدية رائجةً رواج الذهب فحسب!
بل أصبحت الوسيطَ الوحيد للتبادل، وتقويم السلع، والوفاء بالالتزامات!
19- واستُبعد الذهب عن كونه نقدا ووسيطا للتبادل
بل إن القانون يعاقب على اتخاذه نقدا.
ومنذ ظهور تلك الأوراق -على اختلاف مراحلها- والفقهاء يجتهدون في تحديد حكمها، ومن أسباب اختلافهم: اختلاف واقع تلك الأوراق في كل مرحلة.
20- وسنتجاوز التفصيل في المراحل التي اندثرت؛ من كون الأوراق سندا بدين، أو نائبة عن الذهب، وننتقل إلى البحث في حكمها بعد إلزام الدول بها، وكونها النقد الوحيد الذي يتعامل به الناس اليوم.
حتى ينحصر الكلام في هذه الصورة التي عليها واقع الناس.
21- واختلاف الفقهاء في حكم الأوراق النقدية اختلاف طبيعي، يقع في أي نازلة، إذ تكون مشكلةً في بداية أمرها، ويكتنفها شيء من الغموض.
وسأبدأ بذكر ما أراه صوابا، مبينا دليله، ومجيبا عن الإشكالات الواردة عليه، ثم أذكر العلل الأخرى، ثم أقوال المعاصرين في حكم الأوراق النقدية.
@oAm8HDTqQTRMuuQ آمين وإياكم
ولعل مما زاد الإشكال:
مبالغته في التشنيع على القول بجريان الربا فيها، ووصف القائلين به بأوصاف لا تليق، وتحديه لهم..
هذا الأسلوب ربما أوقع في نفس المستمع الثقة بكلامه.
22- سبق أن القول الصحيح هو:
أن الأوراق النقدية نقد مستقل، حكمها حكم الذهب والفضة، وهي أجناس متعددة بحسب تعدد جهات إصدارها.
هذا الذي عليه عامة الفقهاء المعاصرين، والمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية، وهو الذي يعضده الدليل.
23- والدليل هو: القياس الصحيح على الذهب والفضة
والعلة الجامعة بينهما: غلبة الثمنية، أو جنس الأثمان، أو جوهريتها غالبا، وهي ترجع إلى معنى واحد.
وهذه العلة هي المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها ابن تيمية وابن القيم.
24- لأن (التعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يُتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يُقصد الانتفاع بعينها...)، كما قال ابن تيميَّة رحمه الله.
25- ولأنه يجوز إجماعا إسلامُ أحد النقدين في الموزونات، ولو كانت علة جريان الربا فيهما كونهما موزونين لما صح السَّلَم بهما.
26- ويترتب على هذا القول:
1/ جريان ربا الفضل في مبادلة كل جنس بجنسه، وعدم جريانه عند اختلاف الجنس.
2/ وجوب زكاة تلك الأوراق إذا بلغت نصابا، ولو لم تُعَدَّ للتجارة.
3/ جواز جعلها رأس مالٍ في السَّلَم، لأنها أثمان.
4/ جواز جعلها رأس مال في المضاربة.
27- فإن قيل: يشكل على التعليل بهذه العلة:
أنه يلزم منها عدم جريان الربا في الذهب والفضة إذا لم يكونا ثمنين، مع أن جريان الربا فيهما ثابت بالنص!
28- والجواب: أن في هذا الإشكال نظرا
لأن العلة ليست مطلق الثمنية
وإنما غلبة الثمنية، أو جنس الأثمان غالبا
والأواني والحلي والتِّبر هي من ذلك الجنس، وإن لم تكن ثمنا.
ذكر هذا الجواب بعض فقهاء المالكية كأبي الحسن الرجراجي
وبعض فقهاء الشافعية كأبي الحسن الماوردي، وأبي القاسم الرافعي.
29- فإن قيل:
سلَّمنا لكم بأن هذه هي العلة الصحيحة، لكن القائلين بها يرونها علة قاصرة، أو كما يعبر بعض الأصوليين: واقفة، فهي علة غير متعدية، فلا تقتضي إلحاق الأوراق النقدية بالذهب والفضة.
30- والجواب:
نعم، هم يقولون بذلك، لكنهم قالوا بذلك لعدم وجود فرع تتحقق فيه تلك العلة في زمانهم!
وليس المعنى: أنها لا تُعَدى إلى فرعٍ ولو تحققت فيه العلة!
31- فإن قيل:
هذه دعوى! من أين لكم إثباتها؟
فإن هذا لو ثبت لكان قاضيا على الإشكال، ومُزيلا للبس.
فالجواب: نصَّ على ذلك جمعٌ من فقهاء المذاهب القائلين بأن العلة هي الثمنية، وهي عندهم علة قاصرة، فمن ذلك:
32- قول الماوردي:
(فإن قيل: فالواقفة غير متعدية فيجعل الحكم معلقا بالنص دون المعنى؛ كأعداد الركعات لما لم تكن متعدية المعنى لم يستنبط لها معنى لعدم الفائدة=
33- فالجواب:
أن الواقفة مفيدة، والذي يستفاد بها أمران:
أحدهما: العلم بأن حكمها مقصور عليها وأنها لا تتعدى إلى غيرها؛ وهذه فائدة.
والثاني: أنه ربما حَدَثَ ما يشاركه في المعنى؛ فيتعدَّى حكمُه إليه) أ.هـ.
34- وذكر نحو هذا المعنى أيضا:
الشيرازي في اللمع، وأبو الوليد الباجي المالكي، وأبو الحسن الرجراجي المالكي، والنووي في المجموع، وأبو الخطاب الحنبلي؛ ونقله عنه ابن مفلح في الفروع.
35- ولما ذكر العمراني في "البيان" علة النقدين، وأنها الثمنية، وهي قاصرة لا تتعدى، قال: (وقد أومأ في "الفروع" إلى وجهٍ آخر: أنه يحرم الربا في الفلوس التي هي ثمن الأشياء وقيم المتلفات في بعض البلاد، وليس بشيء؛ لأن ذلك نادر!).
36- فقول العمراني: (لأن ذلك نادر)؛ أي: كونها ثمنا للأشياء، وقيما للمتلفات
ويفهم من هذا أنها إذا صارت ثمنا غالبا صح القياس
فهو لم يعترض على تعدية العلة إلى الفلوس، بل على تحقق العلة فيها.
37- وسبق قول ابن تيمية:
(أما الفلوس فلا يجزئ إخراجها عن النقدين على الصحيح)، ثم علل بقوله: (لأنها ولو كانت نافقة فليست في المعاملة كالدراهم في العادة...).
وهذا يفيد أنها إذا كانت في المعاملة مثل الدراهم والدنانير؛ أعطيت حكمهما.
ولا يزال للحديث بقية..
والإشكال الأخير دقيق، يورده بعض الباحثين الشرعيين
لذا رأيت من المناسب النقل فيه عن الفقهاء، لينجلي الأمر، ويزول الإشكال إن شاء الله.
38- ولا يخفى أن النقود الورقية تجاوزت المعنى الموجود في الذهب والفضة، إذ أصبحت هي الوسيط الوحيد للتبادل..
بل إن الذهب والفضة إنما يقوَّمان اليوم بالأوراق النقدية!
فتحقق في النقود الورقية علةُ الثمنية وزيادة
فهي لم تصبح أثمانا غالبا، بل أصبحت الثمن الوحيد الملزَم به.
39- وبهذا يزول الإشكال الذي أثاره بعض فقهائنا المعاصرين
ممن رأى عدم جريان ربا الفضل في الأوراق النقدية، استنادا إلى كون العلة -وهي الثمنية- علة قاصرة!
وبالمقابل أجرى فيها ربا النسيئة، وأوجب زكاتها احتياطا! باعتبارها من جملة الأموال الداخلة في قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة..).
40- والداخلة في حديث: «تؤخذ من أموالهم»
وفي هذا القول نظر ظاهر!
فإن هذه الأوراق ليست من الأجناس الزكوية المنصوص عليها؛ حتى نوجب الزكاة في عينها!
41- ولا وجه لإيجاب الزكاة في الأوراق النقدية إلا في حالين:
-أن نلحقها بالنقدين الذهب والفضة
- أو تكون من عروض التجارة.
أما كونها عروض تجارة فهذا مخالفٌ لواقعها
وأما إلحاقها بالنقدين فإنما يكون إذا أعطيناها حكمَهما.
42- فإما أن يُطْرَد القول بـ:
- إعطاء الأوراق النقدية حكمَ الذهب والفضة في جريان الربا بنوعيه، ووجوب الزكاة.
- أو بنفي ذلك كله عنها.
وأما التفريق بين الحكمين مع اتحاد مأخذهما فلا وجه له!
43- ويحسن التنبيه على أنه لو كان مراد
الفقهاء بكون العلة قاصرةً؛ أنه لا يقاس عليها بحال، ولو تحقق المعنى؛ لما قالوا إن العلة هي الثمنية!
بل كان ينبغي أن يقولوا: العلة كونهما ذهبا وفضة! وهذا لم يقولوا به.
وإنما عبر بهذا بعض الاقتصاديين المعاصرين، ممن لم يفهم الفرق بين التعبيرين!
44- وقد نص جمع من الأصوليين على الفرق بين التعليل بالعلة القاصرة والتعليل بالمحل، والتعليل بالاسم.
45- ولعل الإمام مالكا هو أقدم من أشار
إلى كون النقد مبنيا على العرف، وأن ما تعارف الناس على كونه نقدا، وجعلوه وسيطا للتبادل؛ فهو نقد.
فقد قال ابن القاسم رحمه الله: (قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق!)
46- ثم قال: (ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود؛ حتى تكون لها سَكَّة وعينٌ لكَرِهْتُها أن تُباع بالذهب والورق نَظِرةً).
وهذه كلمة عظيمة، تدل على فقهه، وفهمه الدقيق لطبيعة النقود.
47- وما قاله الإمام مالك هو قول أهل المدينة
من أمثال يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبدالرحمن
فقد قالا: (إنها صارت سَكَّة مثل سكة الدنانير والدراهم!).
ونقله بعض فقهاء أهل المدينة عن شيوخ أهل المدينة كلهم.
48- وبهذا ينتهي القسم الأول من التغريدات
في بيان صحة القول بجريان الربا في الأوراق النقدية
وهو الذي عليه عامة الفقهاء المعاصرين، والمجامع الفقهية، والهيئات الشرعية.
49- فإن قيل: حصرتم النظر في العلة التي ترجحونها
فهلا ذكرتم العلل الأخرى التي ذكرها الفقهاء لجريان الربا في الذهب والفضة؟
والجواب:
باستقراء كلام الفقهاء يتبين أنهم اختلفوا في تحديد العلة على ثلاثة أقوال في الجملة:
50- وقبل أن أذكر تلك العلل يحسن التنبيه على أمر؛ وهو:
أن بعض الباحثين ربما رأى رجحان علة من العلل؛ دون فحصٍ لما يترتب على القول بها من أحكام.
ولذا أعتقد أن من المهم تمييز الآثار المترتبة على كل علة.
51- العلة الأولى: الوزن مع اتحاد الجنس.
أي: أن ربا الفضل إنما جرى في الذهب والفضة لكونهما موزونين من جنسٍ واحد، فإذا بيع موزونٌ بموزون من جنسه وجب التقابض والتساوي، وإذا كانا موزونين من جنسين مختلفين وجب التقابض فقط.
52- العلة الثانية: مطلق الثمنية.
أي: أن ربا الفضل إنما جرى في الذهب والفضة لكونهما ثمنين، فكل ما كان ثمنا فيجري فيه الربا؛ ولو لم يكن ثمنا غالبا.
53- العلة الثالثة: غلبة الثمنية.
أي: أن ربا الفضل إنما جرى في الذهب والفضة لكونها ثمنين غالبا، فكل ما كان ثمنا غالبا فيجري فيه الربا، وأما إذا كان ثمنا ولكنه ليس هو الثمن الغالب فلا يجري فيه الربا.
54- أما التعليل بالوزن فمن أقوى أدلته:
حديث: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء» أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، فنهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مع التساوي في المقدار، ولا يعلم المقدار فيهما إلا بوزنهما، فيكون الوزن علة الحكم.
55- ويشكل على التعليل بالوزن أمور؛ أهمها:
أنه لو كان الوزن علة الحكم هنا لما صح السَّلَم
بالدنانير والدراهم، والإجماع منعقدٌ على الجواز!
ولذا احتاج القائلون بهذه العلة إلى القول بأن
جواز السَّلَم بهما مستثنى من الأصل.
56- وأما التعليل بمطلق الثمنية؛ فهو رواية ضعيفة في مذهب المالكية، وقول لبعض الحنابلة، ودليلهم: أن المعنى المناسب لجريان ربا الفضل في الذهب والفضة هو كونهما ثمنين، فكذلك يجري ربا الفضل في كل ما يعده الناس ثمنا.
57- ويشكل على التعليل بمطلق الثمنية:
أن التعليل بها غير ظاهر المناسبة، إذ الأثمان تتفاوت في رتبتها، وفي غلبة استعمالها، والذهب والفضة ليسا كأيِّ ثمن، فكيف يلحق بهما في الحكم ما كان في أدنى درجات الثمنية!
فهذه العلة مرجوحة
ويصح أن يقال عنها بأنها أعم من المعلول.
58- وأما التعليل بغلبة الثمنية فمن أدلته:
أن غلبة الثمنية هو الوصف المناسب لجريان الربا في الذهب والفضة
فكل ما غلب عليه وصف الثمنية فيجري فيه ربا الفضل.
وهذه العلة أضيق من العلة السابقة، وأقرب في المناسبة من التعليل بمطلق الثمنية.
وسبق الجواب عما أورد على التعليل بها من إشكال.
59- ويحسن هنا التنبيه على فائدة تتعلق بعزو الأقوال:
فإن عامة الباحثين والفقهاء المعاصرين، والقرارات الشرعية
تنسب التعليل بــ «مطلق الثمنية» إلى أحمد في روايةٍ
وإلى ابن تيميَّة وابن القيم..
وهذا غلط ظاهر!
ومن العجيب تتابع الباحثين على هذا العزو!
٦٠- وأظن سبب الخطأ في النسبة؛ متابعتهم لما كتبه الشيخ عبدالله بن منيع حفظه الله في رسالته (الورق النقدي)؛ فإنه ذكر هذا العزو، وهو بحث متقدم، كتبه عام1971م.
وإنما قال الإمام أحمد في روايةٍ عنه بأن العلة الثمنية، ويريد بها غلبة الثمنية، كما يفيده كلام فقهاء المذهب.
٦١- وكذلك ابن تيمية، فإنه وإن أطلق القول بالثمنية فإنما يريد غلبة الثمنية، لأنه لما ذكر هذا القول عزاه إلى جمهور الفقهاء، وعزاه مرة إلى المالكية والشافعية.
وهم إنما يقولون بغلبة الثمنية، لا بمطلق الثمنية.
ومثله ابن القيم في أعلام الموقعين.
٦٢- بقي النظر في أقوال المعاصرين في حكم الأوراق النقدية:
هل هي بمنزلة السلع والعروض؟
أم سندات بديون؟
أم ملحقة بالفلوس؟
أم متفرعة عن الذهب والفضة؟
أم نقد مستقل؟
سأذكر هذه الأقوال باختصار، مع دليلها، وما يترتب على كل قول.
فإن بعض الباحثين ربما غفل عن آثار القول، وما يترتب عليه.
63- قيل: إن الأوراق النقدية بمنزلة السلع والعروض، لأمور:
1. ليست ذهبا ولا فضة، ولا في حكمهما، فهي ليست نقودا في ذاتها، وإنما اكتسبت هذه الصفة من غيرها.
2. لا يتحقق فيها علة جريان الربا في الذهب والفضة، وهي: الوزن؛ كما هو مذهب الحنفية والحنابلة.
64- =
3. والأصل في المعاملات الحل والإباحة؛ ما لم يرد دليل يدل على المنع، ولا دليل على منع ربا الفضل والنسيئة في الأوراق النقدية.
4. في هذا القول توسعة على الناس، ونفي للحرج.
65- ويترتب على هذا القول آثار؛ منها:
1.عدم جريان ربا الفضل في صرف الأوراق النقدية، ولا في شراء الذهب والفضة بها.
2.عدم جريان ربا النسيئة في صرف بعضها ببعض إلى أجل.
3.لو كانت بمنزلة العروض؛ فبماذا يمكن أن نقوِّم السلع والمنافع والخدمات!
4.عدم وجوب الزكاة فيها ما لم تُعَدَّ للتجارة
66- =
5. عدم جواز جعلها رأس مال في المضاربة عند جمهور الفقهاء.
6. عدم جواز جعلها رأس مال في السَّلَم؛ عند من يشترط في رأس مال السَّلَم أن يكون من أحد النقدين.
67- وقيل: هي سندات بديون
لأن حقيقتها صكوكٌ تُثبت مديونية البنك تجاه حاملها
وهذا صحيح في بعض مراحل الأوراق النقدية، فقد كانت مغطاة بالذهب، وكان يكتب عليها: (يدفع لحاملها عند الطلب...).
ولذا كان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي يقول: (من قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك).
68- ويترتب على هذا القول:
1.عدم جواز شراء الذهب والفضة بهما ولو يدا بيد، لأن هذه الأوراق سندات بديون، فينتفي التقابض المشروط حينئذ.
2.عدم جواز جعلها رأس مال في السلم، لأن الفقهاء متفقون على اشتراط قبض رأس المال في مجلس العقد.
69- فإذا اعتبرنا الأوراق النقدية سنداتٍ بدين فيكون جَعْلها رأس مال في السَّلَم من بيع الدين بالدين، وهو محرم.
70- وقيل: هي ملحقة بالفلوس
لأن الثمنية طارئةٌ عليها كحال الفلوس، فإن الفلوس سلعة، وليست ذهبا ولا فضة.
لكن القائلين بأنها ملحقة بالفلوس اختلفوا في تكييفها:
فمنهم من اعتبر الفلوس عروضا، وهذا يرجع إلى القول الأول، وسبق بيانه.
71- ومنهم من اعتبرها أثمانا، ثبتت ثمنيتها بالاصطلاح، فكذا الأوراق النقدية، وهؤلاء ألحقوا هذه الأوراق بالنقدين في وجوب الزكاة، وجريان ربا النسيئة، وصحة جعلها رأس مال في السلم، والمضاربة.
ولم يلحقوها بالنقدين في جريان ربا الفضل، فأجازوا التفاضل بينها إذا كانت يدا بيد.
72- ويشكل على هذا القول أمران:
1. الأوراق النقدية وإن شاركت الفلوس في الثمنية؛ إلا أن بينهما فرقا ظاهرا، فإن الأوراق النقدية تتمتع بقوة إبراء، وأصبحت النقد الوحيد الذي يتعامل به الناس، ويستعملونه وسيطا للتبادل، ومقياسا لقيم السلع بما فيها الذهب والفضة.
73- فإن الذهب والفضة اليوم إنما يقوَّمان بهذه الأوراق!
وليست كالفلوس التي كانت نقدا مساعدا مع الذهب والفضة.
2.ثم إنه لم يعهد التفريق بين ربا الفضل وربا النسيئة في الجنس الواحد، فكيف يقال بالتفريق بينهما هنا؛ مع اتحاد الجنس!
74- وقيل: هي نائبة عن الذهب والفضة، فتكون في حكم ما نابت عنه، فما كان منها مقدَّرا بالذهب فله حكمه، وما كان مقدَّرا بالفضة فله حكمها.
لأنه ليس للأوراق النقدية قيمة في نفسها، وإنما تستمد قوتها من أمرين:
- سنِّ الدولة لها، والغطاء الذي غطيت به.
75- وبناء على هذين الأمرين يكون للأوراق النقدية حكم ما نابت عنه من ذهب أو فضة.
76- ويترتب على هذا القول:
1. جريان ربا الفضل والنسيئة في الأوراق النقدية؛ مع مراعاة أصل الورق النقدي، فما كان منها نائبا عن الذهب فهو جنس، وما كان منها نائبا عن الفضة فهو جنس آخر.
77- =
2- وجوب زكاتها، ويقدَّر النصاب بحسب أصلها، فما كان أصله الذهب فيقدر نصابه بنصاب الذهب، وما كان أصله الفضة فيقدر نصابه بنصاب الفضة.
3. صحة جعلها رأس مال في السَّلَم.
4. صحة جعلها رأس مال في المضاربة.
78- ويشكل على هذا التكييف:
1. أن الفضة لا تستعمل اليوم غطاء لأي عملة في العالم، لا كليا ولا جزئيا.
2. ولو فرضنا أن الفضة تستعمل غطاء؛ فماذا سيكون الحكم لو كان الغطاء ذهبا وفضة!
79- =
3. أن قبض الأوراق النقدية لايعد قبضا حكميا لرصيدها
لأن رصيدها لا يمكن أخذه بحال، إذ لا يُسمح اليوم باستعمال الذهب والفضة نقودا.
وإنما هي رصيد لدى البنوك المركزية، وتعد مصدرا من مصادر التغطية.
وبناء على ذلك لا يصلح النظر إلى الغطاء في تكييف هذه الأوراق.
80- وبما سبق:
يتبين ما يرد على التكييفات المذكورة من إيرادات مشكلة
وأن القول الصحيح السالم من الإشكالات هو:
أن للأوراق النقدية حكمَ الذهب والفضة؛ لاشتراكها في علة الحكم.
تمت بحمد الله.
@707Mosa1 @CKGEa0Vv71aM2Qk بارك الله فيكم
أكملتها في ثمانين تغريدة
لعلكم تنظرون فيما يتبع التغريدة رقم ١٥
@707Mosa1 آمين وإياكم
شاع هذا الخطأ في كتابات المعاصرين
بعضها رسائل أكاديمية، وقرارات هيئات شرعية...
وبينت سبب الخطأ في هذه التغريدات.
@707Mosa1 آمين وإياك
@kawaiiboy4 صحيح أن الذهب من المعادن الثابتة نسبيا
لكن هذا لا يعني ثبوته على الدوام، فضلا عن ارتفاع قيمته.
@ka_batli تجد بقية التغريدات عقب التغريدة رقم ١٥

جاري تحميل الاقتراحات...