[١] من الشاعر؟ إنّه امرؤ يخفي عذاباتٍ مبرّحةً في صدره، لكنّ شفتيه مطبقتان بحيث تمرّ التنهيداتُ والصرخاتُ عبرهما كما لو أنها موسيقًى عذبة. إنّ حاله كأولئك الأشقياء الذين عُذّبوا داخل ثور فالاريس، تشويهم النار ببطء =
لكنّ صرخاتهم لا تصل أذن الطاغية إلا بعد تحوّلها موسيقى تشجيه بدل أن تفزعه. يجتمع الناس حول الشاعر ويقولون: غنِّ ثانية، أو بمعنى آخر: عسى آلامًا جديدة تلحق بك، وعسى شفتاك تبقيان مطبقتين إلى الأبد، ذلك لأنّ صرخاتك تقلق مضجعنا، أما موسيقاك فتزيدنا حبورًا.
يتقدّم النقاد قائلين: انتبه، يجب أن تتقيّد بالجماليات. وسيبدو الناقد كالشاعر تمامًا، حاشا العذابَ في قلبه، والموسيقى فوق ثغره. لذا، أفضّل أن أكون راعي خنازير في "أماجر" يفهمني خنازيرها على أن أكون شاعرًا يسئ الناس فهمه.
[٢] لكم يدهشني الناس! يملكون حريّاتٍ لا يستخدمونها، ويلحّون خلف تلك التي لا يملكون؛ يملكون حرية التفكير، ويطالبون بحرية التعبير!
[٣] إضافةً إلى صداقاتي المتعددة، هناك نجيّ حميم هو كآبتي. وسط غمرة سعادتي، أو شغلي، تومئ نحوي، وتأخذني جانبًا، رغم أنّ قدميّ لا تبرحان مكانهما. إنّها الأكثر وفاءً بين كل من عرفتُ من محظيّات، فلا عجب إن بادلتها الحب.
[٤] من المربك أن تقرأ كيف عالج الإنجليز طبيعة الضحك المتناقضة. كتب د. هارلي: [عندما يضحك الطفل أول مرة، يكون ذلك على هيئة صيحة طارئه نخزها الوجع، أو ألمٍ يُكبح فجأة ويتكرر في فتراتٍ متتالية ومتقطّعة] ربّاه! ماذا لو أنّ كل شيء عبارة عن سوء فهم؟ ماذا لو أنّ الضحك في الحقيقة بكاء؟
[٥] أقول عن الحزن ما يقوله الإنجليزي عن منزله: الحزن هو قلعتي. ما أكثر الذين ينظرون إلى الحزن كشيء من رياش الحياة.
[٦] أشعرُ كلاعب شطرنج حُصر وهتف به خصمه: هذا البيدق لا يمكن تحريكه.
[٧] يشكو الناس أن العالم مُبتذل، والأمور لا تسير مطاوعةً كما في الروايات. أما أنا، فأتمنى الآباء الغليظي القلب، والعمالقة الشديدي الأيد، والأميرات المسحورات ينتظرن من ينقذهن. أين كل هذا مقارنة بالأشكال الليلية الباردة والشاحبة والدبقة التي أتصارع معها وأعطيها حياةً كل ليلة؟
[٨] ملاحظاتي الحياتية خاطئة وتعوزها الدقة. لا بدّ أنّ روحًا شريرة وضعت زوج عدساتٍ فوق أنفي، إحداها تكبّر للغاية، والأخرى تصغّر بنفس القدر!
[٩] الوقت يمضي، والحياة تتدفق، هكذا يقولون! لكني أرى خلاف ذلك: الوقت يراوح مكانه، وأنا أيضا، خططي ترتد نحوي، وعندما أبصق، يرتطم في وجهي.
[١٠] ذرِ الآخرين يقولون إنّ الأوقات شريرة، أما أنا فأشكو بؤسها. أفكار الناس هشّة، ونحيلة، كشرائط حرير، وهم مثيرون للشفقة كفتياتٍ يصنعن تلك الشرائط. الأفكار التي يضمرونها أتعس من أن تُدعى مذنبةً، ومن الممكن تسميتها كذلك لو أنها خطرت في بال دودة. =
رغباتهم باردة، وعواطفهم دائخة، يقومون بواجبهم كأرواح مستأجرة، لكنهم كاليهود يزيّفون القروش معتقدين أنهم يغشون الله. أفٍ لهم! لذا أرجع إلى العهد القديم وشكسبير، حيث أجد كائنات بشرية تكره، وتحب، وتقتل، وتلعن نسل أعدائها جيلا بعد جيل؛ إنهم -ببساطة- يُذنبون.
[١١] يندفع الناس خلف اللذة بسرعة تجعلهم يجتازونها دون أن يشعروا بها. إنهم كالقزم الذي في الخرافة يحرس أميرةً في قلعة، ثم يأخذ قيلولةً، ويستيقظ، فإذا بالأميرة هربت. ينتعل على عجل حذاءه ذا السبعة فراسخ؛ ويأخذ خطوة، فإذا هو جاوزها وفاتها بمراحل.
[١٢] روحي ثقيلة، لا توجد فكرةٌ يمكن أن تحملها أبعد، ولا جناح يخفق بها نحو الأثير. إذا تحرّكتْ، بالكاد تزحف على الأرض، وإن طارت، تنخفض كالطيور عندما تفجأها عاصفة. وفوق ذلك، يجثم جوٌ من القلق والكآبة والعجز منذرًا بحدوث زلزال.
[١٣] اشتعلت نار في كواليس مسرح، وهرع المهرج محذرًا جمهور النظارة؛ اعتقدوا أنها نكتة فصفّقوا، أعاد الكرّة، فازداد تصفيقهم حرارة. وهكذا -على ما أعتقد- ستكون نهاية العالم: تصفيق جماعي من جميع النوكى الذين يحسبون الأمر مزحة.
[١٤] تمتدّ حياتي ليلةً أبديّة؛ لذا عندما أموت، يمكنني أن أهتف مع أخيل: لقد أُديتي، آهٍ يا نوبتي الليلية!
[١٥] تشعُّ الشمس ساطعةً فوق مخدعي، والشرفة مفتوحة في غرفة مجاورة. كل شيء صامت عبر الشارع. إنّه الأحد عصرًا. أستخلص بوضوح غناء قبّرة تصدح من فناء مجاور، حيث تعيش فتاة صبوحة. ومن زقاق بعيد، يصلني صوت رجل يصرخ: ربيان للبيع. =
الهواء دافئ، والمدينة -رغم الدفء- تكاد تكون مهجورة. عندها أتذكر صباي وحبي الأول، عندما كنت أتضوّع حنينًا، أما الآن فلا أحنّ إلا إلى حنيني الأول. ما هو الصبا؟ حلم. ما هو الحب؟ محتوى ذلك الحلم.
[١٦] حصل شيء مذهل. صُعد بي إلى سماءٍ سابعة، ورأيت جميع آلهة الأولمب، وكنوع من التعويض، قيل إن بإمكاني أن أطلب أمنية. هتف عطارد: ماذا تتمنى؟ الشباب؟ أم الجمال؟ أم القوة؟ أم الحياة المديدة؟ أم أجمل الفتيات؟ أم أحد كنوز خزانتنا؟ اختر ما تريد، شيئًا واحدًا فقط. =
ارتبكتُ لحظة، ثم خاطبتُ الآلهة: أختار أن يكون الضحك إلى جانبي دومًا. لم يقولوا شيئا، وإنما انفجروا يضحكون. وهكذا، استنتجت أن أمنيتي حُققت، وقررت أن الآلهة يحسنون التعبير عن أنفسهم بذوق عالٍ، فمن غير الملائم أن يجيبوا وقتها بوقار: طلبك مجاب يا فلان.
جاري تحميل الاقتراحات...