عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

63 تغريدة 88 قراءة Apr 12, 2023
لا يقرأ أحد ديوان العباس بن الأحنف إلا ويتساءل عن هويّة معشوقته "فوز"، ولقد بقي الأمر لغزًا مستغلقًا، وها أنا مطلعكم على هويّتها بإذن الله =
وأشهر من تصدّى للمعضلة د. عاتكة الخزرجي محقّقة الديوان، كتبت مقالتين في الرسالة تزعم أنّ فوزا عُليّة بنت المهدي! رحمها الله ما أبين خطأها! =
والأمر لا يتطلب جهدًا لتفنيد قولها، فأول ما أوقعها في الخطأ قصيدة للعباس بائيةٌ يذكر فيها "يوم الجنازة"، وما جرى له مع امرأة هاشميّة =
فاستنتجت الدكتورة أنّ فوزا هاشميّة قرشيّة، مع أنّ العباس يقول في البيت التالي: فلو علمتْ فوز بما كان بيننا * لقد كان منها بعض ما كنت أرهبُ =
فليت شعري ما هذه الفوز التي تغار من فوز! اضطُرّت الدكتورة إلى ضروب من ألعاب الخفّة كي تجعل فوزا والهاشميّة شخصا واحدا، ثمّ إنّ الديوان =
يخبرنا أنّ فوزا نشأت في جِوار أهل العباس بين السيب وشطّ عثمان (الكوفة والبصرة)، بينما نشأت عُليّة في قصر أبيها في بغداد؛ فهذه ثانية. =
أما الثالثة، والدامغة، فالأبيات التي يقول فيها إنّ عمَّ فوزٍ وأخاها يتهددانه. كقوله: أيام يرصدني أخوكِ بسيفه * والسيف يمنعني وتمنعه يدي =
فبالله عليكم: هل يتهدد الخليفتان الهادي والرشيد صعلوكًا مثل العباس ثم يتبجّح بذلك في شعره؟ لا والله، بل سيفرّ من العراق لا يلوي على أثر. =
ماذا الآن؟ هل الطريق مقطوعة بيننا وبين فوز؟ لنقرأ الديوان، ولنتلمس طريقنا في الظلام، ولنستخدم منطقنا وما خبرناه من طبائع ذلك العصر. =
ما الذي يخبرنا الديوان عن فوز؟ هي نزارية، من مُضر أو إياد أو أنمار. فلقد قال العباس: أدنى قرابتنا إليها أننا * شخصان يجمعنا إليه نزارُ =
ولا نعلم شيئًا بعد ذلك، فلا شيء يقترح هاشميّتها، ولا قرشيّتها، ولا من أيّ القبائل هي. نشأت هذه الفوز في جوار أهل العباس بين الكوفة والبصرة =
قال العباس: كأنْ لم تكن فوزٌ لأهلِكَ جارةً * بأكناف "شطٍّ" أو بمذنب "سيبِ" ، وكانت نشأتها مترفة، مُنعّمة، يدلّ على ذلك وصف العباس لها: =
جُويريةٌ كلينِ المُخْ * خِ إن حرّكته ذابا * لها لُعبٌ مصفّفة * تلقبّهن ألقابا * تنادي كلّما رِيعت * من الغِرّة يا بابا ! وكان العباس =
يتعشقها، ويخالطها، وفي شعره ما يدل على أنّ مجلسًا جمعهما فيه طربٌ ونرجسٌ وبَهار، وكان يتذلل لأدنى أهليها شأنًا كي يحظى بالنظر إليها =
وكان إذا ضمهما مجلس لا يرفع طرفه حزما وحياطة وإخفاء لهواه، حتى إذا حيل بينهما أخذ يتكلّف الحيل ليراها، فدخل مرة عليها في خِمار وزيّ امرأة. =
تفاقم الأمر حتى تهدّده عمّها وأخوها (أين أبوها؟) لكنه لم يرتدع. ثم سافرت فوز مع أهلها إلى بغداد، فآلم ذلك العباس، وأجمع أمره كي يلحق بها. =
استقرّت فوز في "عسكر المهدي" شرق دجلة، أو ما سيعرف لاحقًا بالرُصافة: ألا إنّما أفنى الدموع تلفّتي * إلى الجانبِ الشرقيِّ من عسكر المهدي =
وسرعان ما اهتدى العباس إلى قصرها، وبدأ يتعرّض لها ويقف في ساحة الحيّ، فتشرف له فوز من السطح كأنّها الشمس إذا طلعت، في رازقيّ ومئزر أصفرين =
يقول العباس: ألا أشرقت فوز من القصر فانظرِ * إلى من حباك الودَّ غير مكدّرِ * ولمّا رأت ألا وصول إلى الهوى * تراءت من السطح الرفيع المحجّرِ =
وقفتُ لها في ساحة الحيّ ساعةً * أشير إليها بالرداء المُعصفَرِ * نظرتُ إلى ما لم تر العين مثله * إلى قمر في رازقيٍّ ومئزرِ ، ويقول أيضًا: =
لمّا بدت فرأيتها في صُفرةٍ * كَلِفَ الفؤادُ بكل شيء أصفرِ ، وقصائد السطح هذه من أجمل شعره. وفي "يوم الجنازة" ؛ خرج العباس يتعرّض لفوز =
لكنها فاتته ورأى الهاشمية: يوم الجنازة لو شهدتُ تمتّعت * عيني بها ولقلّما تتمتعُ * خرجتْ ولم أشعر بذاك فليتني * كنت الجنازة وهي فيمن يتبعُ =
وكان العباس يمنّي نفسه الزواج بها، حَلُم مرة أنّ فوزا تعاطيه إكليل ريحان فوق فرسه، ففسّر ذلك أنه يتزوجها. وكان يذكر ذلك في جلسات سُكره =
إذا اجتمع في الكرخ مع سعيد بن عثمان وابن بشر وعبد الله وخلف وحُميد وداوود، فلما باح ببعض سرّه، أغضب ذلك فوزًا، فاضطُرّ إلى هجر السُكر. =
تعذّرت رؤية فوز مع الوقت، ولجأ العاشقان إلى التراسل، فمرة تشفع جواري الخيزران للعباس عند فوز فيرققن قلبها، وتهبه لبانها ومسواكها تذكارًا =
ومرة ترسل فوز لُعبتها شفيعةً لها، فيشكو العباس إلى اللعبة وينام جانبها. لم تخلُ هذه المراسلة من منغصّات، فقد تغيّرت الجارية وخان العبد =
بعد أن كانا يَسفُران بين العاشقين. سألت "يُمن" العباس شيئا، فلمّا لم يعطها اتهمته عند مولاتها أنه راودها عن نفسها، ووشى العبد "عيسى" بهما =
ولا ندري متى بالضبط، لكنّ فوزًا تزوجت رجلا موسرا قد يكون من رجالات الدولة. بدأ نساؤها يعذلنها ويحذرنها الافتضاح، ولمّا لم يفلح كل هذا =
أُرسلت فوز إلى الحجاز كي تكون بعيدةً وتنسى، وقيل لها إنّ العباس مات: نَعاني إلى فوزٍ أناسٌ يسرّهم * لعمر أبيها أن أموتَ فأُقصدا =
هناك قصيدة بائية ظريفة يشكو العباس فيها ألم الفراق وجوى البعد، ثمّ يطلب من زوار البيت الحرام أن يمروا يثربَ ويأتوه بزجاجةٍ من ريق فوز. =
لم يعدم العاشقان وسيلةً يتراسلان بها رغم بعد الشقّة، والتقيا في الحج مرة على الأقل، وبعد سنوات طوال، رجعت فوز، بعد أن انطفأ الحب في قلبها =
قال العباس حين سمع بعودتها: أيا سيّدة الناسِ * لقد قطّعت أنفاسي * ويا ديباجة الحسنِ * ويا رمشنة الآسِ * ألا قد قدمت فوز * فقرّت عين عبّاسِ =
وإنّه لمن المحزن أن تقف على فرحة العباس في المقطوعة السابقة، ثمّ تتخيل خيبته حين اكتشف تغيّر فوز، أنضجت هذه التجربة شعره فكتب أروع قصائده. =
يقول العباس: تجافى مرفقاي عن الوسادِ * كأنّ به منابت للقتادِ * فلو أنّ الرقاد يباع بيعا * لأغليت الرقاد على العبادِ ، وكتب رائيته الشهيرة: =
يا موقد النار بالهنديّ والغارِ * هيّجت لي حزنا يا موقد النارِ ، وهي أحب قصائده إلى قلبي، ولو ضاع ديوانه وسئلت أي قسم يبقى لقلت قافية الراء =
ذهبت توسلات العباس أدراج الرياح، وجاء عمّ فوزٍ يتهدده كي يكفَّ عن ذكرها، وانصاع شاعرنا أخيرا، وأظنه بدأ يشبّبُ ب"ظلوم" في هذه المرحلة. =
هذا ما يخبرنا إياه الديوان، ويخبرنا أيضًا أنّ "فوزًا" اسم مستعار، فمن يا ترى هذه "الفوز"؟ من هذه الثريّة، المنعمّة، المحاطة بالوصيفات؟ =
مَن هذه الفتاة التي نشأت بين الكوفة والبصرة، وقضت الشقّ الأكبر من حياتها في "عسكر المهدي" في بغداد، تخلل ذلك بضع سنوات في مدينة الرسول؟ =
هل سمّاها التراث لنا أو أشار إليها؟ هناك رواية يتيمة، مهمّة، تجاهلتها عاتكة الخزرجي، وأخذها شوقي ضيف على وجهها دون أن يرى ما وراءها. =
يورد أبو الفرج في أغانيه (ج١٧/ ٦٧) ما مفاده أنّ فوزا كانت جارية لمحمد بن منصور بن زياد الملقّب "فتى العسكر"، وأنت لا بدّ تفهم لماذا تجاهلت =
الدكتورة عاتكة هذه الرواية، ففوز الأرستقراطية المنعّمة التي يصفها ديوان العباس لا يمكن أن تكون محض جارية. تتساءل عاتكة في مقالتها عن فوز: =
أليس من الغريب أن نرى العباس يحيا في حاضرة أنأى ما تكون عن التعصب ثم يتخذ لهواه كل هذه الحيطة، ويستر اسم المحبوبة وراء اسم مستعار؟ =
تستنكر الدكتورة هذه الحيطة، ثم تخلص إلى أنّ فوزا هي عُليّة ابنة الخليفة، وأنّ هذا هو ما أحوج العباس إلى اسم مستعار. غفر الله لكِ يا دكتورة =
غفر الله لكِ، ما كان أحوجكِ إلى فهم طبائع ذلك العصر! لو نظرتي غير بعيدٍ من حيث يسكن العباس لوجدتي الجواب. فهذا جاره ومعاصره ابن أبي عيينة =
عشق ابنة عمّه السَرِيّة فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد، فاستخدم اسم جاريتها "دنيا" كنايةً عنها، فعل ذلك حفظًا لها وصيانةً لقدرها الجليل. =
إذن، كانوا يتحرّجون في بدايات العصر العباسي من تسمية المرأة الشريفة والتشبيب بها مباشرة، فيلجأون إلى التكنية عنها باسم إحدى جواريها =
فإذا أخذنا بهذا، وقلنا إنّ العباس صنع مثل ابن أبي عُيينة، وعلمنا أنّ الجارية فوزا انتهت في دار محمد بن منصور بن زياد - عندها ينكشف اللغز. =
نعم! إنّها زوجة محمد بن منصور، هي من أحبها العباس في البصرة فكنّى بجاريتها فوز عنها، وعندما تزوجت وانتقلت إلى دار زوجها، انتقلت معها فوز. =
ومحمد بن منصور هذا هو ممدوح أشجع وأبي هفّان، يخبرنا المبرّد أنّ والده منصورا من البخارية الذين نقلهم عبيد الله بن زياد من بخارى إلى البصرة =
لكننا نُفاجأ بقصيدة لمسلم بن الوليد، يمدح بها محمد بن منصور، وينسبه إلى هاشم: حلّوا برابية العلا وتفرّعوا * من هاشمٍ فرعًا أشمَّ موطّدِ =
فهل هو هاشميّ بالولاء أم هاشميّ صليبة؟ لا أدري! لكنّ الأبَ منصور بن زياد سرعان ما اتصل سببُه بيحيى بن خالد والد البرامكة، فكبر شأنه ونبه. =
أما الابن محمد بن منصور (زوج فوز!)، فلقد ارتقى محلًّا أعلى، أصبح ينوب عن الفضل بن يحيى البرمكي، ويتولّى الخراج بكامله، أصبح قبلةً للشعراء =
وكان هارون الرشيد يحبّه، ويدّخره للمهمات الصعبة، ويطلق عليه: "فتى العسكر" نسبةً إلى "عسكر المهدي" ، فإذا تذكرنا أنّ فوزا سكنت تلك المحلّة =
-كما جاء في شعر العباس- ازددنا استئناسًا بحدسنا. ثمّ يأتي "يوم الجنازة" الذي ذكرته أول التغريدات وها أنا أرجع إليه؛ قلنا إنّ عاتكة الخزرجي =
تكلّفت شططًا كي تجعل فوزًا والهاشميّة امرأةً واحدة. لنقرأ القصيدة من جديد، بعد أن وقر في قلوبنا زواج فوز من فتى العسكر، فلعلّنا نفهم الآن. =
خرجت فوز ضمن نسوة زوجها الهاشميّات يتراءين جنازة الميت. وقصد العباس ركبهنّ كي يحظى برؤية فوزه، ففاتته، ورأى قريبة زوجها الهاشمية بدلا عنها =
تمضي السنون، وتُنفى فوز إلى الحجاز، وتكون الهاشميّة ضمن من أوغر صدر فوز وحكى عن الجنازة، فلمّا رجعت فوز "وبدت منها أشياء لم يكن يرقبها" =
أراد العباس أن يغيظها بذكر الهاشميّة، ويزرع الشقاق بينهما ليخفت تأثير الهاشميّة عليها، لكنه سرعان ما استدرك وقال: إنّ كل حرّة فداء لفوز. =
هل ذهبت بي خيالاتي بعيدا؟ ربما! فالأمر لا يعدو أن يكون حدسًا، لكني سعيت جهدي كي يكون حدسا عليمًا. فإذا علمنا أن من طبائع ذلك العصر =
التكنية بالجارية عن سيدتها، ثم علمنا أن فوزا الجارية كانت في بيت محمد بن منصور، ثم قرأنا أن ابن منصور أشهر فتية "عسكر المهدي"، وأنّ العباس =
كان يترصد فوزا هناك، ثمّ جاء كل ما في الديوان ليؤكد أنها من طبقة عالية تليق بزوجة صاحب الخراج، بعد كل هذا يمكن أن نقول إن فوزا كزوجة لمحمد =
ابن منصور أفضل حدس يمكن أن نصل إليه. والآن، افتحوا ديوان العباس بن الأحنف -بعد أن امتلأتم بكل هذه المعاني- واقرؤه من جديد. أما أنا =
فسأصلي ركعتين، وأستغفر ربي، وأعتذر للعباس. لقد بقيت عظام فوز ترقد بسلام أكثر من ألف سنة، وأظن أنّها حُرّكت أخيرًا!

جاري تحميل الاقتراحات...