فاستنتجت الدكتورة أنّ فوزا هاشميّة قرشيّة، مع أنّ العباس يقول في البيت التالي: فلو علمتْ فوز بما كان بيننا * لقد كان منها بعض ما كنت أرهبُ =
فليت شعري ما هذه الفوز التي تغار من فوز! اضطُرّت الدكتورة إلى ضروب من ألعاب الخفّة كي تجعل فوزا والهاشميّة شخصا واحدا، ثمّ إنّ الديوان =
يخبرنا أنّ فوزا نشأت في جِوار أهل العباس بين السيب وشطّ عثمان (الكوفة والبصرة)، بينما نشأت عُليّة في قصر أبيها في بغداد؛ فهذه ثانية. =
أما الثالثة، والدامغة، فالأبيات التي يقول فيها إنّ عمَّ فوزٍ وأخاها يتهددانه. كقوله: أيام يرصدني أخوكِ بسيفه * والسيف يمنعني وتمنعه يدي =
فبالله عليكم: هل يتهدد الخليفتان الهادي والرشيد صعلوكًا مثل العباس ثم يتبجّح بذلك في شعره؟ لا والله، بل سيفرّ من العراق لا يلوي على أثر. =
ماذا الآن؟ هل الطريق مقطوعة بيننا وبين فوز؟ لنقرأ الديوان، ولنتلمس طريقنا في الظلام، ولنستخدم منطقنا وما خبرناه من طبائع ذلك العصر. =
ما الذي يخبرنا الديوان عن فوز؟ هي نزارية، من مُضر أو إياد أو أنمار. فلقد قال العباس: أدنى قرابتنا إليها أننا * شخصان يجمعنا إليه نزارُ =
ولا نعلم شيئًا بعد ذلك، فلا شيء يقترح هاشميّتها، ولا قرشيّتها، ولا من أيّ القبائل هي. نشأت هذه الفوز في جوار أهل العباس بين الكوفة والبصرة =
قال العباس: كأنْ لم تكن فوزٌ لأهلِكَ جارةً * بأكناف "شطٍّ" أو بمذنب "سيبِ" ، وكانت نشأتها مترفة، مُنعّمة، يدلّ على ذلك وصف العباس لها: =
جُويريةٌ كلينِ المُخْ * خِ إن حرّكته ذابا * لها لُعبٌ مصفّفة * تلقبّهن ألقابا * تنادي كلّما رِيعت * من الغِرّة يا بابا ! وكان العباس =
يتعشقها، ويخالطها، وفي شعره ما يدل على أنّ مجلسًا جمعهما فيه طربٌ ونرجسٌ وبَهار، وكان يتذلل لأدنى أهليها شأنًا كي يحظى بالنظر إليها =
وكان إذا ضمهما مجلس لا يرفع طرفه حزما وحياطة وإخفاء لهواه، حتى إذا حيل بينهما أخذ يتكلّف الحيل ليراها، فدخل مرة عليها في خِمار وزيّ امرأة. =
تفاقم الأمر حتى تهدّده عمّها وأخوها (أين أبوها؟) لكنه لم يرتدع. ثم سافرت فوز مع أهلها إلى بغداد، فآلم ذلك العباس، وأجمع أمره كي يلحق بها. =
استقرّت فوز في "عسكر المهدي" شرق دجلة، أو ما سيعرف لاحقًا بالرُصافة: ألا إنّما أفنى الدموع تلفّتي * إلى الجانبِ الشرقيِّ من عسكر المهدي =
وسرعان ما اهتدى العباس إلى قصرها، وبدأ يتعرّض لها ويقف في ساحة الحيّ، فتشرف له فوز من السطح كأنّها الشمس إذا طلعت، في رازقيّ ومئزر أصفرين =
يقول العباس: ألا أشرقت فوز من القصر فانظرِ * إلى من حباك الودَّ غير مكدّرِ * ولمّا رأت ألا وصول إلى الهوى * تراءت من السطح الرفيع المحجّرِ =
وقفتُ لها في ساحة الحيّ ساعةً * أشير إليها بالرداء المُعصفَرِ * نظرتُ إلى ما لم تر العين مثله * إلى قمر في رازقيٍّ ومئزرِ ، ويقول أيضًا: =
لمّا بدت فرأيتها في صُفرةٍ * كَلِفَ الفؤادُ بكل شيء أصفرِ ، وقصائد السطح هذه من أجمل شعره. وفي "يوم الجنازة" ؛ خرج العباس يتعرّض لفوز =
لكنها فاتته ورأى الهاشمية: يوم الجنازة لو شهدتُ تمتّعت * عيني بها ولقلّما تتمتعُ * خرجتْ ولم أشعر بذاك فليتني * كنت الجنازة وهي فيمن يتبعُ =
وكان العباس يمنّي نفسه الزواج بها، حَلُم مرة أنّ فوزا تعاطيه إكليل ريحان فوق فرسه، ففسّر ذلك أنه يتزوجها. وكان يذكر ذلك في جلسات سُكره =
إذا اجتمع في الكرخ مع سعيد بن عثمان وابن بشر وعبد الله وخلف وحُميد وداوود، فلما باح ببعض سرّه، أغضب ذلك فوزًا، فاضطُرّ إلى هجر السُكر. =
تعذّرت رؤية فوز مع الوقت، ولجأ العاشقان إلى التراسل، فمرة تشفع جواري الخيزران للعباس عند فوز فيرققن قلبها، وتهبه لبانها ومسواكها تذكارًا =
ومرة ترسل فوز لُعبتها شفيعةً لها، فيشكو العباس إلى اللعبة وينام جانبها. لم تخلُ هذه المراسلة من منغصّات، فقد تغيّرت الجارية وخان العبد =
بعد أن كانا يَسفُران بين العاشقين. سألت "يُمن" العباس شيئا، فلمّا لم يعطها اتهمته عند مولاتها أنه راودها عن نفسها، ووشى العبد "عيسى" بهما =
ولا ندري متى بالضبط، لكنّ فوزًا تزوجت رجلا موسرا قد يكون من رجالات الدولة. بدأ نساؤها يعذلنها ويحذرنها الافتضاح، ولمّا لم يفلح كل هذا =
أُرسلت فوز إلى الحجاز كي تكون بعيدةً وتنسى، وقيل لها إنّ العباس مات: نَعاني إلى فوزٍ أناسٌ يسرّهم * لعمر أبيها أن أموتَ فأُقصدا =
هناك قصيدة بائية ظريفة يشكو العباس فيها ألم الفراق وجوى البعد، ثمّ يطلب من زوار البيت الحرام أن يمروا يثربَ ويأتوه بزجاجةٍ من ريق فوز. =
لم يعدم العاشقان وسيلةً يتراسلان بها رغم بعد الشقّة، والتقيا في الحج مرة على الأقل، وبعد سنوات طوال، رجعت فوز، بعد أن انطفأ الحب في قلبها =
قال العباس حين سمع بعودتها: أيا سيّدة الناسِ * لقد قطّعت أنفاسي * ويا ديباجة الحسنِ * ويا رمشنة الآسِ * ألا قد قدمت فوز * فقرّت عين عبّاسِ =
وإنّه لمن المحزن أن تقف على فرحة العباس في المقطوعة السابقة، ثمّ تتخيل خيبته حين اكتشف تغيّر فوز، أنضجت هذه التجربة شعره فكتب أروع قصائده. =
يقول العباس: تجافى مرفقاي عن الوسادِ * كأنّ به منابت للقتادِ * فلو أنّ الرقاد يباع بيعا * لأغليت الرقاد على العبادِ ، وكتب رائيته الشهيرة: =
يا موقد النار بالهنديّ والغارِ * هيّجت لي حزنا يا موقد النارِ ، وهي أحب قصائده إلى قلبي، ولو ضاع ديوانه وسئلت أي قسم يبقى لقلت قافية الراء =
ذهبت توسلات العباس أدراج الرياح، وجاء عمّ فوزٍ يتهدده كي يكفَّ عن ذكرها، وانصاع شاعرنا أخيرا، وأظنه بدأ يشبّبُ ب"ظلوم" في هذه المرحلة. =
هذا ما يخبرنا إياه الديوان، ويخبرنا أيضًا أنّ "فوزًا" اسم مستعار، فمن يا ترى هذه "الفوز"؟ من هذه الثريّة، المنعمّة، المحاطة بالوصيفات؟ =
مَن هذه الفتاة التي نشأت بين الكوفة والبصرة، وقضت الشقّ الأكبر من حياتها في "عسكر المهدي" في بغداد، تخلل ذلك بضع سنوات في مدينة الرسول؟ =
هل سمّاها التراث لنا أو أشار إليها؟ هناك رواية يتيمة، مهمّة، تجاهلتها عاتكة الخزرجي، وأخذها شوقي ضيف على وجهها دون أن يرى ما وراءها. =
يورد أبو الفرج في أغانيه (ج١٧/ ٦٧) ما مفاده أنّ فوزا كانت جارية لمحمد بن منصور بن زياد الملقّب "فتى العسكر"، وأنت لا بدّ تفهم لماذا تجاهلت =
الدكتورة عاتكة هذه الرواية، ففوز الأرستقراطية المنعّمة التي يصفها ديوان العباس لا يمكن أن تكون محض جارية. تتساءل عاتكة في مقالتها عن فوز: =
أليس من الغريب أن نرى العباس يحيا في حاضرة أنأى ما تكون عن التعصب ثم يتخذ لهواه كل هذه الحيطة، ويستر اسم المحبوبة وراء اسم مستعار؟ =
تستنكر الدكتورة هذه الحيطة، ثم تخلص إلى أنّ فوزا هي عُليّة ابنة الخليفة، وأنّ هذا هو ما أحوج العباس إلى اسم مستعار. غفر الله لكِ يا دكتورة =
غفر الله لكِ، ما كان أحوجكِ إلى فهم طبائع ذلك العصر! لو نظرتي غير بعيدٍ من حيث يسكن العباس لوجدتي الجواب. فهذا جاره ومعاصره ابن أبي عيينة =
عشق ابنة عمّه السَرِيّة فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد، فاستخدم اسم جاريتها "دنيا" كنايةً عنها، فعل ذلك حفظًا لها وصيانةً لقدرها الجليل. =
إذن، كانوا يتحرّجون في بدايات العصر العباسي من تسمية المرأة الشريفة والتشبيب بها مباشرة، فيلجأون إلى التكنية عنها باسم إحدى جواريها =
فإذا أخذنا بهذا، وقلنا إنّ العباس صنع مثل ابن أبي عُيينة، وعلمنا أنّ الجارية فوزا انتهت في دار محمد بن منصور بن زياد - عندها ينكشف اللغز. =
نعم! إنّها زوجة محمد بن منصور، هي من أحبها العباس في البصرة فكنّى بجاريتها فوز عنها، وعندما تزوجت وانتقلت إلى دار زوجها، انتقلت معها فوز. =
ومحمد بن منصور هذا هو ممدوح أشجع وأبي هفّان، يخبرنا المبرّد أنّ والده منصورا من البخارية الذين نقلهم عبيد الله بن زياد من بخارى إلى البصرة =
لكننا نُفاجأ بقصيدة لمسلم بن الوليد، يمدح بها محمد بن منصور، وينسبه إلى هاشم: حلّوا برابية العلا وتفرّعوا * من هاشمٍ فرعًا أشمَّ موطّدِ =
فهل هو هاشميّ بالولاء أم هاشميّ صليبة؟ لا أدري! لكنّ الأبَ منصور بن زياد سرعان ما اتصل سببُه بيحيى بن خالد والد البرامكة، فكبر شأنه ونبه. =
أما الابن محمد بن منصور (زوج فوز!)، فلقد ارتقى محلًّا أعلى، أصبح ينوب عن الفضل بن يحيى البرمكي، ويتولّى الخراج بكامله، أصبح قبلةً للشعراء =
وكان هارون الرشيد يحبّه، ويدّخره للمهمات الصعبة، ويطلق عليه: "فتى العسكر" نسبةً إلى "عسكر المهدي" ، فإذا تذكرنا أنّ فوزا سكنت تلك المحلّة =
-كما جاء في شعر العباس- ازددنا استئناسًا بحدسنا. ثمّ يأتي "يوم الجنازة" الذي ذكرته أول التغريدات وها أنا أرجع إليه؛ قلنا إنّ عاتكة الخزرجي =
تكلّفت شططًا كي تجعل فوزًا والهاشميّة امرأةً واحدة. لنقرأ القصيدة من جديد، بعد أن وقر في قلوبنا زواج فوز من فتى العسكر، فلعلّنا نفهم الآن. =
خرجت فوز ضمن نسوة زوجها الهاشميّات يتراءين جنازة الميت. وقصد العباس ركبهنّ كي يحظى برؤية فوزه، ففاتته، ورأى قريبة زوجها الهاشمية بدلا عنها =
تمضي السنون، وتُنفى فوز إلى الحجاز، وتكون الهاشميّة ضمن من أوغر صدر فوز وحكى عن الجنازة، فلمّا رجعت فوز "وبدت منها أشياء لم يكن يرقبها" =
أراد العباس أن يغيظها بذكر الهاشميّة، ويزرع الشقاق بينهما ليخفت تأثير الهاشميّة عليها، لكنه سرعان ما استدرك وقال: إنّ كل حرّة فداء لفوز. =
هل ذهبت بي خيالاتي بعيدا؟ ربما! فالأمر لا يعدو أن يكون حدسًا، لكني سعيت جهدي كي يكون حدسا عليمًا. فإذا علمنا أن من طبائع ذلك العصر =
التكنية بالجارية عن سيدتها، ثم علمنا أن فوزا الجارية كانت في بيت محمد بن منصور، ثم قرأنا أن ابن منصور أشهر فتية "عسكر المهدي"، وأنّ العباس =
كان يترصد فوزا هناك، ثمّ جاء كل ما في الديوان ليؤكد أنها من طبقة عالية تليق بزوجة صاحب الخراج، بعد كل هذا يمكن أن نقول إن فوزا كزوجة لمحمد =
ابن منصور أفضل حدس يمكن أن نصل إليه. والآن، افتحوا ديوان العباس بن الأحنف -بعد أن امتلأتم بكل هذه المعاني- واقرؤه من جديد. أما أنا =
فسأصلي ركعتين، وأستغفر ربي، وأعتذر للعباس. لقد بقيت عظام فوز ترقد بسلام أكثر من ألف سنة، وأظن أنّها حُرّكت أخيرًا!
جاري تحميل الاقتراحات...