آســـرار قُيـــدتّ
آســـرار قُيـــدتّ

@Halimo_1

169 تغريدة 2 قراءة May 14, 2020
الخميس 27 ذي الحجة 35هـ
يصبح عثمان رضي الله عنه صائمًا
ويحاول الصحابة رضي الله عنهم
إيصال الماء إليه لكنهم لا يستطيعون
يتبع غدا إن شاء الله
بسم الله
(1)
سلسلة حروب الردة
قصة الردة وموقف أبو بكر الصديق من فتنة الردة، جيوش الردة وحرب المرتدين، خالد بن الوليد ومعركة الحديقة ضد مسيلمة الكذاب، موقف البراء بن مالك
يتـــبع غدا ان شاء الله
(2)
ما إن علمت الجزيرة العربية بوفاة الرسول ﷺ حتى ارتدت! ولم يبق على الإسلام إلا المدينة المنورة ومكة والطائف وقرية جواثى بالبحرين ولكن الله عز وجل مَنَّ على هذه الأمة بالصديق أبي بكر رضي الله عنه الذي استطاع أن يقمع فتنة المشركين والمرتدين
(3)
كان ارتداد الجزيرة العربية على درجات؛ فمن العرب من منع الزكاة، ومن العرب من ترك الإسلام وعاد إلى عبادة الأصنام، ومن العرب من سارع بادعاء النبوة، ومن أشهر هؤلاء مسيلمة الحنفي الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة بن خويلد، وسجاح
(4)
وأسباب حدوث الردة تتمثل في جهل العرب بحقيقة الرسول ﷺ وحقيقة الرسالة؛ إذ دخل أعداد كبيرة من العرب في العامين الأخيرين من حياة الرسولﷺانبهارا بسيطرة المسلمين على الجزيرة العربية، فمنهم من جاء رغبا في المال والغنائم، ومنهم من جاء رهبا من قوة المسلمين
(5)
ومنهم من جاء لا رغبا ولا رهبا، ولكن اتباعا لزعمائهم وقادتهم. ومن ثم كانت القبلية هي القناع الذي وقف وراءه أعداء الإسلام في ذلك الوقت لحرب الإسلام، واعتقد الجميع أن الدولة الإسلامية انهارت بموت من أسسها
(6)
ومع هذه الأحوال العاصفة أصر الصديق t على إنفاذ جيش أسامة بن زيد لقتال الروم؛ وذلك لوصية الرسول ﷺ قبل وفاته. وبالفعل خرج جيش أسامة إلى أطراف الشام، وقد فرت منه الجيوش الرومانية في هذه المنطقة
(7)
فوجد بعض القبائل في هذه المنطقة ارتدت فقاتلهم، وشتت شملهم وهزمهم، وعاد بسرعة إلى أبي بكر الصديق t في المدينة، ومعه الغنائم من هذه الموقعة. وخروج الجيش إلى شمال الجزيرة أحدث بكل القبائل العربية الموجودة في هذه المنطقة رهبة من المسلمين مما جعلهم يظنون أن للمسلمين قوة في المدينة
(8)
وقد رفض أبو بكر رضي الله عنه عرض القبائل بأن يقبل منهم الصلاة ويرفع عنهم الزكاة، وأصر على قتال من فرق بين الصلاة والزكاة، وقتال المرتدين أيضا. بعد ذلك قام الصديق رضي الله عنه أولا بحراسة المدينة المنورة حراسة مستمرة
(9)
ثم قام بمراسلة كل القبائل التي بقيت على الإسلام لتوافيه في المدينة المنورة، وأرسل رسائل شديدة اللهجة إلى كل قبائل المرتدين يدعوهم للعودة إلى ما خرجوا منه، وهددهم وتوعدهم؛ وذلك ليلقي الرهبة في قلوبهم
(10)
ولما قال له الناس: إن هؤلاء (أي جيش أسامة) جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، رد عليهم:والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته...
(11)
وما هي إلا ساعات حتى انتهت مناقشة هذا الأمر مع مجموع أهل الشورى الموجودين بالمدينة، فودع أسامة وجيشه إلى حيث أوصاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير، وجمع من عنده قدرة على حمل السلاح من الأعراب الذين كانوا يسكنون حول المدينة ليكون منهم جيش دفاع داخلي..
(12)
ثم جعل كبار الصحابة في نقاط مراقبة على منافذ المدينة إلى البادية، ومنهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود..
(13)
جدد طلبه من أهل المدينة أن يكونوا في المسجد استعدادا لكل طارئ وقال لهم: إن الأرض حولنا كافرة، وقد رأى وفدهم قلة، وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدوا
(14)
ولم تمض سوى أيام ثلاثة على تشييع جيش أسامة حتى داهمت المدينة غارات المرتدين ليلا، وذلك بعد أن اطمأنوا إلى أن جيش أسامة قد ابتعد عن المدينة وأوغل في البعد، فأوصل المراقبون خبر زحفهم إلى أبي بكر
(15)
والذي كان مرابطا بمن معه في المسجد إلى الحراس على مداخل المدينة أن اثبتوا لهم حتى يلحق بهم، ثم أسرع إليهم بمن معه، فانهزم المغيرون وولوا الأدبار، ولحقهم المسلمون على إبلهم حتى قابلوهم في مكان يسمى ب(ذي حسى)
(16)
لكن المسلمين فوجئوا بأن هؤلاء المغيرين ما هم إلا طليعة لجيش يختبئ خلف الجبال، فلما اشتبكوا معهم أخرجوا قربا لهم قد نفخوها كحيلة لتخويف الإبل، ودحرجوها بأرجلهم في وجه إبل المسلمين
(17)
فنفرت الإبل خوفا منها حتى انقلبت بمن يركبها من المسلمين إلى المدينة واضطرب صفهم، فشق الأمر عليهم، وسعد المرتدون بذلك الحدث الذي كان من الممكن أن يكون بداية لتضييق الخناق على المدينة ومن فيها..
(18)
لكن أبا بكر رضي الله عنه لم يمهلهم، وإنما سابق بهم الزمن، وأعاد ترتيب جيشه صباح اليوم التالي بحيث يستغني عن الإبل تماما، ثم خرج إليهم ماشيا في اخر الليل بجيشه مخليا الإبل بالمدينة، وعلى الميمنة النعمان بن مقرن، وعلى الميسرة عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن
(19)
فما أصبح الصباح إلا والمسلمون يعجلونهم بالسيف، فولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون إلى (ذي القصة)، وهناك ترك أبو بكر النعمان بن مقرن في عدد من المسلمين، ورجع هو بالناس إلى المدينة، بعد أن أمنها من الخطر مسافة أميال عدة...
(20)
فارتفعت معنويات المسلمين بهذا النصر، وثبت مسلمو القبائل المحيطة بالمدينة على دينهم، ووافق ذلك وصول أموال الصدقات من عدة جهات، فقد جاء صفوان بن أمية بصدقات بني عمرو، وذلك في أول الليل، وجاء الزبرقان بن بدر في وسط الليل بصدقات بني عوف..
(21)
وجاء عدي بن حاتم الطائي في اخر الليل بصدقات قومه، اجتمع كل ذلك ليكون منة من الله على المسلمين الذين ثبتوا مع أبي بكر في مواجهة هؤلاء المرتدين.. واكتملت الفرحة بعودة أسامة بجيشه منتصرا غانما ظافرا بعد شهرين كاملين من رحيله
(22)
ومع أن نصره قد فتّ في عضد المرتدين والمنافقين، وجعلهم لا يفكرون بعدها في مهاجمة المدينة إلا أن الصديق رضي الله عنه لم يرض بنصر ناقص، لم يرض بأقل من أن تعود الجزيرة العربية إلى سالف عهدها قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، تكونُ فيها العزةُ لله ورسوله وللمسلمين دون سواهم
(23)
لم يرض أن يكون بجزيرة العرب مكان يعبد فيه الشيطان، فاستخلف من توه أسامة بن زيد على المدينة، وقال له ولمن معه: أريحوا وأريحوا ظهركم ثم خرج بحامية المدينة التي خرج بها من قبل إلى (ذي القصة)
(24)
فقال له من حوله من المسلمين : ننشدك الله ياخليفة رسول الله أن تعرض نفسك فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام أبدا..ولم يكن كلام الصديق رضي الله عنه عن الخروج بنفسه إلى من تبقى من المرتدين كلاما يردد للدعاية كما يحدث من بعض الساسة الذين دأبوا على استغفال شعوبهم
(25)
ولذا قال: لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي ثم خرج إلى (ذي الحسى) و (ذي القصة) حيث يعسكر النعمان بن مقرن وأخواه، فضمهم إلى جيشه ثم توجه إلى الربذة، وهناك التقى من تجمع فيها من المرتدين فقاتلهم حتى ولوا الأدبار، وتفرق شملهم،
(26)
وأقسم ليقتلن كل من تجرأ على قتل مسلم منهم إن وصلت إليه جيوشه قبل أن يعود إلى الإسلام؛ ليكون عبرة لغيره ممن تسول له نفسه الاعتداء على المسلمين.. ثم جاءته بعد ذلك رسل القبائل المحيطة بالربذة مقرة له بما أوجبه الإسلام من صلاة وزكاة و إلى اخر أركان الإسلام وواجباته
(27)
خروجه إلى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر
وذلك بعد ما جم جيش أسامة واستراحوا، وركب الصديق أيضا في الجيوش الإسلامية شاهرا سيفه مسلولا من المدينة إلى ذي القصة وهي من المدينة على مرحلة، وعلي ابن أبي طالب يقود براحلة الصديق رضي الله عنهما كما سيأتي..
(28)
فسأله الصحابة منهم علي وغيره وألحوا عليه أن يرجع إلى المدينة، وأن يبعث لقتال الأعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الأبطال، فأجابهم إلى ذلك، وعقد لهم الألوية لأحد عشر أميرا سنفصل ذلك قريبا إن شاء الله ..
(29)
قد روى الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته أخذ علي ابن أبي طالب بزمامها وقال :
(30)
إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا فرجع هذاحديث غريب من طريق مالك وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيزبن عمربن عبدالرحمن بن عوف
(31)
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:خرج أبي شاهرا سيفه راكبا على راحلته إلى وادي القصة فجاء علي ابن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد م سيفك ولا تفجعنا بنفسك فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا فرجع
(32)
وقال سيف بن عمر: عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد لما استراح أسامة وجنده، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، وعقد الألوية فعقد أحد عشر لواء :
(33)
عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة ابن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له
_
ولعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة
_
وبعث شرحبيل بن حسنة في أثره إلى مسيلمة الكذاب، ثم إلى بني قضاعة
_
وللمهاجر ابن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن مكشوح
(34)
قلت: وذلك لأنه كان قد نزع يده من الطاعة على ما سيأتي..
_
قال: ولخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام
_
ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة، ووديعة، والحارث
_
ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا، وبعرفجة، وهرثمة وغير ذلك
_
ولطرفة بن حاجب وأمره ببنى سليم ومن معهم من هوازن
(35)
ولسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن
_
وللعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين
( رضي الله عنهم اجمعين )
_
وقد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة ورجع الصديق إلى المدينة، وقد كتب معهم الصديق كتابا إلى الربذة وهذه نسخته:
(36)
بسم الله الرحمن الرحيم
من أبي بكر خليفة رسول اللهﷺ إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على إسلامه أو رجع عنه سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والهوى فإني أحمدالله إليكم الذي لاإله إلا هو وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداعبده ورسوله
(37)
نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده، أما بعد فإن الله أرسل بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه وضرب رسول الله ﷺ من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعا وكرها
(38)
ثم توفى الله رسوله وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل، فقال: { إنك ميت وإنهم ميتون } [الزمر: 30] وقال: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } [الأنبياء: 34]
(39)
وقال للمؤمنين: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } [ال عمران: 144]
(40)
فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره منتقم من عدوه، وإني أوصيكم بتقوى الله، وحظكم ونصيبكم، وما جاءكم به نبيكم ﷺ وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله
(41)
فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالا، قال الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } [الكهف: 17] ولن يقبل له في الدنيا عمل عبد حتى يقر به، ولم يقبل له في الاخرة
(42)
وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام، وعمل به اغترارا بالله وجهلا بأمره وإجابة للشيطان، قال الله تعالى:{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا } [الكهف: 50]
(43)
وإني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله عز وجل فإن أجاب وأقر وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه، وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله
(44)
ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد غير الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم
(45)
وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم على ما ينبغي لهم،.... رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
(46)
كان من الممكن أن تكون لهذه الفتنة العظيمة اثار وخيمة، لولا أن الله من على الأمة في ذلك الوقت بنعمة عظيمة هائلة، تلك هي نعمة الصديقرضي الله عنه فالله عز وجل أيد به هذه الأمة، وحفظ به الدين والقران، وقمع به المشركين والمرتدين
(47)
يقول أبو هريرة رضي الله عنه يصف هذا الموقف المتأزم: والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ولا ننسى أن مصيبة الردة هذه جاءت بعد أيام قلائل من مصيبة أخرى كبيرة، هي مصيبة وفاة الرسول ﷺ ولا شك أن مصاب الصديق كان كبيرا، وأشدهم حزنا على فراقه
(48)
ولكن الله رزقه نعمة الثبات والثبات نعمة جليلة لا توهب إلا لمن كان مؤمنا حقا وقد كان ارتداد الجزيرة العربية على درجات؛ فمن العرب من منع الزكاة، ومن العرب من ترك الإسلام كله، وعاد إلى ما كان يعبد من أصنام
(49)
ومن العرب من لم يكتف بالردة ويترك المسلمين في شأنهم، بل انقلبوا على المسلمين الذين لم يرتدوا، فقتلوهم، وذبحوهم، وفعلوا بهم أشنع المنكرات، ومن العرب من سارع بادعاء النبوة، ومن أشهر هؤلاء مسيلمة الحنفي الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة بن خويلد، وسجاح
(50)
أسباب حدوث الردة..
الواقع أن هناك أعدادا ضخمة من العرب دخلوا في الإسلام في العامين الأخيرين من حياة الرسول ﷺ فيما عرف في التاريخ بالوفود، ولم يدخل هؤلاء في الإسلام إلا انبهارا بسيطرة المسلمين على الجزيرة العربية، فجاء الناس أفواجا يدخلون في دين الله، ولكن ليس كلهم عن اقتناع
(51)
فمنهم من جاء رغبا في المال والغنائم، والارتباط بالقوة الأولى الجديدة في الجزيرة، ومنهم من جاء رهبا من قوة المسلمين، ومنهم من جاء لا رغبا ولا رهبا، ولكن اتباعا لزعمائهم وقادتهم، فساقهم زعماؤهم كالقطيع فدخلوا في دين لا يعرفون حدوده، ولا فروضه، ولا تكاليفه
(52)
ولم يفقهوا حقيقة الرسول وحقيقة الرسالة، ولم يعيشوا مع القران، ولا مع السنة فلما توفى الرسول ﷺ اعتقد الجميع أن الدولة الإسلامية انهارت بموت من أسسها كما تنهار الكثير من الأعمال المعتمدة على شخص بعينه إذا غاب هذه الشخص
(53)
وفوق ذلك هم لم يأخذوا الفرصة الكاملة والوقت المناسب لفقه حقيقة الإيمان، فدخلوا في الإسلام ولم يفقهوا حقيقته بعد. ولم تكن المشكلة فقط في عوام الأعراب، ولكن كانت أيضا في زعمائهم؛ فالقبائل العربية ما تعودت مطلقا على القيادة الجماعية
(54)
بل كان كل زعيم قبيلة زعيما في مكانه وقبيلته، يأمر فيطاع، ويشير فلا راد لكلمته، وفجأة ضاعت زعاماتهم، وذابت في الدولة الإسلامية، ولم يقبل غالبهم بذلك، فلما مات رسولﷺ بحث كل منهم عن زعامته المفقودة، وباعت الأعراب كل شيء في سبيل القبيلة
(55)
بدأ الصديق رضي الله عنه في تجهيز مجموعة من الجيوش الإسلامية التي ستخرج لحرب المرتدين في وقت متزامن، فجهز 11 جيشا كاملا. ومع أن كل جيش لم يعد أن يكون ألفين أو ثلاثة، أو بالكاد خمسة الاف، ولكنها كانت جيوشا منظمة, راغبة في الجهاد في سبيل الله, فاهمة لقضيتها, معتمدة على ربها
(56)
ومن كانت هذه صفته فيرجى له النصر إن شاء الله وحدد الصديق رضي الله عنه اتجاه كل جيش من هذه الجيوش الأحد عشر فوزعت هذه الجيوش على الجزيرة توزيعا دقيقا بحيث تستطيع تمشيط كل رقعة منها تمشيطا كاملا فلا تبقى قبيلة أو منطقة إلا وفيها من جيوش المسلمين
(57)
وكانت قيادة الجيوش الإسلامية، ومسارح عملياتها على الصورة التالية:
_
الجيش الأول
بقيادة خالد بن الوليد ذلك العبقري الفذ وكان عدد الجيش 4000 مجاهد وكان أكبر الجيوش، إلاَّ أن المهمَّة كانت صعبة...
يتــــبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(58)
قاد خالد بن الوليد رضي الله عنه ذلك العبقري المسلم الفذ الجيش الأول، وكان عدد الجيش 4000 مجاهد وكان أكبر الجيوش، إلا أن المهمة كانت صعبة؛ فقد كان متجها إلى حرب طيئ أول، ثم بني أسد تلك القبيلة الخطيرة التي يقودها طليحة بن خويلد الأسدي، ثم بني تميم وفيهم مالك بن نويرة
(59)
فإذا انتهى من كل هذا بنجاح فإن عليه أن يتوجه إلى بني حنيفة؛ لمقابلة أخطر جيوش المرتدين، وعلى رأسها مسيلمة الكذاب، وذلك لمساعدة الجيشين الثاني والثالث.
(60)
برزخالد بن الوليد في حروب الردة كقائد ومقاتل شجاع مارس عمليا مهام القائد العام، واستطاع بفضل الخطط العسكرية المبتكرة التي نفذها ضد المرتدين أن يحقق النجاح المطلوب في مهمته الصعبة ففي أقل من عام كانت لديه القدرة لقمع حركة الردة وتصفية جيوب التمرد في كافة أنحاء الجزيرة العربية
(61)
كانت مواجهته الأولى ضد طليحة الأسدي، وخصصه أبو بكر بأربعة الاف مقاتل أقلهم من المهاجرين، وأكثرهم من القبائل القريبة من المدينة وبعض بني كنانة، وكان فيهم من الأنصار ما بين أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل بقيادة ثابت بن قيس، وحمل أبو لبابة رايتهم
(62)
أرض المعركة وأطراف القتال
أقام طليحة في منازل بني أسد ببزاخة، وعسكر جيشه في سميراء، وانضمت إليه فلول عبس وذبيان الذين هزمهم أبو بكر، كما انحازت إليه قبائل غطفان وسليم ومن جاورهم من أهل البادية في شرق المدينة وفي شمالها الشرقي
(63)
وحاول استقطاب طيء للانضمام إليه عن طريق الحلف الذي كان بينهم وبين بني أسد في الجاهلية، فتعجل أقوام من جديلة والغوث وهما من طيء بالانضمام إليه، وأوصوا من تأخر باللحاق بهم وفعلا وحدتهم العصبية القبلية، وتقبلوا رأي عيينة بن حصن "نبي من الحليفين أحب إلينا من نبي من قريش
(64)
وقدمات محمد وطليحة حي ولم تخالجهم أدنى ريبة في تعرضهم لهجمات المسلمين إن هم أصروا على خروجهم على سلطان المدينة ومتابعة طليحة وامتنعوا عن دفع الزكاة؛اشتد ساعد طليحة بما انضم إليه وظن أنه لن يغلب ونقل معسكره من سميراء إلى بزاخة الأكثر مناعة استعدادا لمواجهة محتملة مع المسلمين
(65)
تمويه وأساليب مبتكرة في المناورة
أمر أبو بكر خالدا رضي الله عنهما أن يبدأ بطيء قبل أن يتوجه إلى البزاخة وحتى يموه على الحملة تصرف على محورين وهما :
(66)
المحور الأول :
أذاع أنه خارج بنفسه على رأس الجيش إلى خيبر حتى ينضم إلى قوات خالد ثم ينطلق لمحاربة المرتدين، فابتعد بذلك عن طريق البزاخة، فاطمأنت طيء وتقاعست عن الخروج لمساعدة طليحة، ففصل بذلك بين الحليفين ليضرب كلا على حدة..
(67)
المحور الثاني :
حاول أن يستقطب طيئا عن طريق عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه، وهو أحد الأشخاص الذين ثبتوا على إسلامهم، فكلفه بمهمة إخراج قومه من التحالف مع طليحة والعودة بهم إلى طاعة المدينة ..؛
(68)
ونجح عدي رضي الله عنه في مهمته، لكن كان على طيء أن تسحب قواتها الموجودة في معسكر طليحة خشية أن يقتلهم أو يرتهنهم، فطلبوا من عدي أن يكف خالدا رضي الله عنه عنهم حتى يستخرجوهم)
(69)
استحسن خالد رضي الله عنه هذا العرض وأمهلهم 3 أيام مدركا أن من شأن ذلك أن يكسبه قوة إضافية ويضعف من قوة خصمة وطلب القوم من إخوانهم في البزاخة أن يعودوا إلى منازلهم ليساعدوهم في التصدي لزحف المسلمين، وسمح لهم طليحة بالعودة فانضم بذلك خمسمائة مقاتل من الغوث إلى صفوف المسلمين
(70)
ارتحل خالد بعد ذلك إلى الأنسر يريد جديلة، فتدخل عدي بن حاتم رضي الله عنه أيضا، وأقنع الجديليين بالعودة إلى حظيرة الإسلام، ويبدو أن انضمام الغوث إلى المسلمين شكل دافعا لهؤلاء لتغيير موقفهم، وانضم خمسمائة مقاتل منهم إلى صفوف خالد رضي الله عنه، فأضحى عدد جنوده خمسة الاف
(71)
كما انضمت سليم إلى صفوف المسلمين، وكانت لا تزال مترددة إلى أن زحف خالد نحو بني أسد فخشيت على نفسها ؛.. الواقع أن بعض القبائل التي صنفها المؤرخون في عداد المرتدين مثل طيء كانت في الحقيقة ضحية مزيج من عدة مشاعر تفاعلت في أبنائها نتيجة عدم تجذر العقيدة الإسلامية في قلوبهم
(72)
بالإضافة إلى وقوعهم تحت تأثير التقاليد الجاهلية وأفكارها ثم ارتباطهم بروابط الأحلاف وحسن الجوار مع قبائل أخرى فضلا عما رأوه في بعض أحكام الإسلام من تضييق على حريتهم وانتقاص من سطوتهم ومثل هؤلاء كانوا بحاجة إلى مزيد من الإقناع والموعظة الحسنة والتعريف بأحكام الإسلام وأهدافه
(73)
تراجع طليحة الأسدي وضعف موقفه
مهما يكن من أمر فقد بلغت أنباء التحولات الجديدة طليحة في البزاخة فاغتم، لكنه أصر على موقفه، وشجعه عيينة بن حصن الفزاري الذي كان يكن الحقد على أبي بكر رضي الله عنه والمسلمين.
(74)
يبدو أن طليحة على الرغم من أنه اتصف بالشجاعة والحذر لم يستطع مخالفة عيينة بعد أن انسحبت جموع طيء من صفوفه خشية من انقلابه عليه وتعريض حياته للخطر، واثر البقاء حيث هو منتظرا قدوم خالد، وعسكر على ماء اخر يقال له الغمر
(75)
بث طليحة العيون على فجاج الصحراء حتى لا يؤخذ على غرة، وعلم منهم بزحف المسلمين قبل أن يصلوا إلى بزاخة، فعبأ قواته استعدادا للمواجهة، ووضع خطة عسكرية قائمة على الغلبة والفرار في حال الهزيمة، فعزل معظم النساء في مكان أمين لئلا يقعن في السبي إذا دارت الدائرة عليه
(76)
وأحاط نفسه بأربعين فارسا من أشد فتيان بني أسد ؛ .. تميز جيش طليحة بميزتين هما الكثرة العددية والراحة؛ فقد زاد عدد أفراد جيشه عن عدد أفراد جيش خالد بألف مقاتل أو أكثر مع وفرة السلام والركائب
(77)
كما كان مرتاحا في دياره على عكس الجيش الإسلامي الذي كان على أفراده أن يقاتلوا بعد سير مئات الأميال في الأودية والجبال وشغلت نجد كلها بهذه المعركة التي أضحت على الأبواب
(78)
التفت قيس وبنو أسد حول طليحة واستعدوا للقتال، فأشارت جماعة من طيء على خالد رضي الله عنه أن يحارب قيسا ويعدل عن بني أسد؛ وذلك لحلف كان بينهم في الجاهلية كما أشرنا، وإن دل هذا الطلب على شيء فإنه يدل على أن القوم لا زالوا يفكرون بالعصبية الجاهلية
(79)
وينظرون بالعين القبلية، وأن الإسلام لم يتجذر في قلوبهم، وأن عودة طيء عن ردتها كانت بدافع الواقع السياسي والعسكري...؛ عارض عدي بن حاتم رضي الله عنه هذا التوجه وكان خالد رضي الله عنه حريصا على ألا يسمح لأي انشقاق يحدث داخل صفوف قواته
(80)
فهو بحاجة إلى كل مقاتل نظرا إلى شدة بأس عدوه الذي يحارب على أرضه، فأقنع عديا رضي الله عنه بمجاراة قومه، وهكذا قاتلت طيء قيسا، وقاتل سائر المسلمين سائر بني أسد
(81)
التحم الجيشان في رحى معركة ضارية انتهت بانتصار المسلمين، وانفض الفزاريون عن طليحة بعد أن اكتشفوا أنه كاذب، فطاردهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وكان عيينة من بين الأسرى، ولاذ طليحة بالفرار حتى النقع من منازل كلب على تخوم بلاد الشام، وقتل من جيشه خلق كثير وعاد من بقي عن ردته
(82)
إسلام طليحة الأسدي وإعلان توبته
عندما علم طليحة بتحول كفة الصراع إلى جانب المسلمين وبلغه ما لقيت أسد وغطفان من الشدة وعودة من ارتد منهم إلى الإسلام، أسلم وحسن إسلامه بعد ذلك
(83)
واشترك في معركة القادسية، وحفظ له عمر رضي الله عنه مكانته ورأيه في الحرب، فكتب إلى النعمان بن مقرن أحد قادة جيوش فتح العراق: أن استعن في حربك بطليحة وبعمرو بن معدي كرب ، ولقد استشهد في معركة نهاوند . .
(84)
ذيول معركة البزاخة:
استثمر خالد رضي الله عنه انتصاره في البزاخة لإخضاع القبائل المرتدة الضاربة في الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية ودفعها للعودة إلى الإسلام وتثبيت أقدام المسلمين في هذا الجزء لذلك أقام في المنطقة شهر كامل نفذ خلاله عدة عمليات عسكرية ضد فلول المرتدين
(85)
وهكذا عاد بنو عامر وسليم وهوازن من ردتهم ....؛ طلب خالد من غطفان وهوازن وسليم وطيء حين وادعهم تسليمه الذين قتلوا المسلمين ومثلوا بهم أثناء ردتهم، فلما جيء بهم عفا عن المقاتلين العاديين وأرسل الزعماء إلى المدينة
(86)
كان من بينهم قرة بن هبيرة القشيري صاحب ردة بني عامر، وعيينة بن حصن الفزاري وقتل الذين عدوا على المسلمين، وكتب إلى أبي بكر يعلمه بتصرفه هذا؛. وافق أبو بكر على تصرفات خالد وشجعه على الاستمرار في محاربة المرتدين ومطاردتهم، ورأى أن يتألف زعماء القبائل
(87)
لأن حركة الانتفاضة على الحكم الإسلامي في الجزيرة العربية كانت لا تزال في بدايتها والمسلمون بحاجة إلى تأليف قلوب هؤلاء ليكونوا عونا لهم في هذه المحنة فعفا عن قرة وعيينة وعلقمة بن علاثة الكلبي، وقتل الفجاءة وهو بجير بن عبد الله السلمي؛ نتيجة ما اقترفت يداه من العدوان والقتل
(88)
اصطدم خالد رضي الله عنه بسلمى بنت مالك الفزارية المعروفة ب"أم زمل" وقد خرجت لتصيب ثأرا عند المسلمين وساندتها بعض القبائل المرتدة، وأسفر اللقاء عن انتصار المسلمين ومقتل أم زمل وفرار أتباعها
(89)
وصل خالد رضي الله عنه بعد ذلك إلى قبيلة بني تميم، فوجدهم قد دخلوا في الإسلام كما خرجوا منه لما رأوا انتصار المسلمين على جيوش بني أسد،وكان الصديق رضي الله عنه قد أوصى أمراء الجيوش أنهم إذا سمعوا الأذان في الحي وإقامة الصلاة نزلوا عليهم فإن أجابوا إلى أداء الزكاة، وإلا الغارة
(90)
فجاءت السرية حي مالك بن نويرة، فأسر خالد بن الوليد مجموعة منهم فيهم مالك بن نويرة نفسه. وهناك اختلاف شديد على تصرف خالد بن الوليد في مالك بن نويرة وبعض الأسرى الاخرين, والتفسير الأقرب إلى الصحة أن خالد بن الوليد قال لبعض الحراس الذين يحرسون الأسرى: أدفئوا أسراكم
(91)
لأنها كانت ليلة شديدة البرد، ولكن مجموعة من الحراس في لغتهم إذا قالوا: أدفئوا الرجل. يعنون: اقتلوه. فقتلوا الأسرى، وبدءوا بمالك بن نويرة قائد القوم، فقتلوا منهم عددا، حتى بلغ خالد بن الوليد ذلك، فقال: حسبكم...
وننتقل غدا للجيش الثانى ان شاء الله
بسم الله
(92)
الجيش الثاني
كان هذا الجيش متجها إلى قبيلة بني حنيفة التي فيها مسيلمة بن حبيب الكذاب لنتحدث قليلا عن تاريخ بني حنيفة وكيف بدأت الردة فيهم قبيل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت الوفود من كل الجزيرة العربية تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام
(93)
وكان من ضمن هذه الوفود، وفد بني حنيفة، وكان من عادته صلي الله عليه وسلم أنه إذا جاء قوم يبايعونه على الإسلام أن يعطيهم عطاء ليتألف قلوبهم فأعطاهم فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا وكان مسيلمة بن حبيب هو الذي ظل مع متاعهم ليحرسها لهم
(94)
فأمر له رسول الله صلي الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال: "أما إنه ليس بشركم مكانا" ثم انصرفوا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وجاءوه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله، وتنبأ، وتكذب لهم، وقال: إني قد أشركت في الأمر معه
(95)
وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: "أما إنه ليس بشركم مكانا"؟ ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه فامن له بعض قومه، وأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة مع رجلين من قومه قد امنا بدعوته
(96)
يقول: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، إني قد أشركت في الأمر معك، فلنا نصف الأرض، ولكم نصف الأرض، أو تجعل لي الأمر من بعدك، ولكني أعلم أن قريشا قوم لا يعدلون. وكتب صلي الله عليه وسلم رسالة، وأعطاها إلى حبيب بن زيد أحد الصحابة الشباب
(97)
وقال في رسالته صلي الله عليه وسلم:من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين
فما كان من مسيلمة الكذاب إلا أن قتل حبيب بن زيد رضي الله عنه
(98)
فأراد الرسول صلي الله عليه وسلم أن يبعث له جيشا يقاتله أو يرده إلى الإسلام، ولكنه في ذلك الوقت صلي الله عليه وسلم كان مشغولا بتجهيز بعث أسامة بن زيد إلى حدود الشام وقرر الرسول صلي الله عليه وسلم أن يرسل إلى بني حنيفة من يردهم للإسلام فاختار رجلا منهم حتى يكون أقرب للسان قومه
(99)
ولعلهم يستجيبون له أكثر من غيره، وهو صحابي اسمه نهار الرجال فأتى هذا الرجل مسيلمة الكذاب في خيمته، وجلس معه طويلا اجتمع القوم مسلمهم ومرتدهم حول خيمة مسيلمة, وطال الحديث بين مسيلمة الكذاب وبين نهار الرجال
(100)
ثم خرج نهار الرجال فسأله القوم: ما يقول محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم عن مسيلمة؟ فإذا بالرجال يقول: لقد أشرك مسيلمة في الأمر مع محمد وارتد الرجل، وانقسمت بنو حنيفة؛ فخمسون ألفا على الإسلام، وخمسون ألفا ارتدوا، أربعون ألفا منهم في يوم واحد على يد هذا الرجل نهار الرجال
(101)
فقويت شوكة مسيلمة بن حبيب الكذاب، وأصبح له جيش تعداده خمسون ألفا، وانقلبوا على المسلمين من قبيلتهم يعذبونهم، وكان فيهم ثمامة بن أثال الصحابي الجليل، فبدأ ثمامة بن أثال رضي الله عنه يقاتل مسيلمة الكذاب، لكن قوة مسيلمة الكذاب كانت أشد
(102)
ووصلت الأنباء إلى بني حنيفة أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد توفي، فارتدت بقية القبيلة، الخمسون ألفا الباقية، وأصبحت القبيلة كلها مرتدة، ولم يبق فيها إلا ثمامة بن أثال مع بعض الناس، فهربوا من القبيلة
(103)
لذلك فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجه لها جيشين جيش على رأسه عكرمة بن أبي جهل والاخر على رأسه شرحبيل بن حسنة وأمر عكرمة ألا يقاتل حتى يأتيه جيش شرحبيل كان الجيش الأول حوالي ثلاثة الاف والجيش الثاني كان نفس العدد
(104)
فتعجل عكرمة بن أبي جهل في قتال مسيلمة قبل أن يأتيه شرحبيل بن حسنة فاجتاح جيش مسيلمة جيش عكرمة بن أبي جهل، ففر جيش عكرمة وتفرقوا في المنطقة. ووصلت الأنباء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمدينة، فحزن حزنا شديدا، وعلم أن الجيش الإسلامي في طريقه إلى المدينة
(105)
فأرسل رسالة إلى عكرمة بن أبي جهل؛ ففي بداية الرسالة عنفه بشدة على تسرعه في محاربة مسيلمة الكذاب، ثم قال له: لا ترجع بجيشك إلى المدينة، واتجه بجيشك إلى حذيفة بن محصن، وعرفجة بن هرثمة في اليمن، فقاتل معهما
(106)
الجيش الثالث
عسكر جيش شرحبيل بن حسنة قرب بني حنيفة منتظرا مدد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم تعجل فهاجم بجيشه الصغير (3000 مجاهد) جيش مسيلمة الذي قد بلغ تعداده بعد الردة مائة ألف
(107)
فحدث مع جيش شرحبيل نفس الذي حدث مع عكرمة بن أبي جهل، وأبو بكر الصديق يحزن حزنا شديدا، ويرسل له أن امكث في مكانك، ولا ترجع إلى المدينة..
(108)
الجيش الرابع
كلف الصديق خالد بن الوليد بقتال بني حنيفة فجمع خالد بن الوليد جيشه بالإضافة إلى بعض الصحابة من المدينةوأيضا جيش شرحبيل بن حسنة وتوجه الجميع إلى قبيلة بني حنيفة وبعد خروج جيش خالد أرسل أبو بكر الصديق مددا اخر إلى خالد بن الوليد فوصل العدد الإجمالي اثني عشر ألفا
(109)
وفي الوقت الذي توجه فيه خالد من المدينة لمحاربة مسيلمة الكذاب كان هناك جيش اخر متجه من الشمال إلى بني حنيفة لقتالهم أيضا، وعلى رأس هذا الجيش (سجاح) التي ادعت النبوة وهذا الجيش على أغلب التقديرات تعداده يصل إلى مائة ألف
(110)
فلم تكن قوة المرتدين قوة واحدة، بل كان هدف كل قوة السيطرة على الجزيرة العربية بمفردها فأتت (سجاح) إلى اليمامة مدعية أنها قد أوحي إليها أن تقاتل اليمامة أولا، فعلم مسيلمة بمقدم جيشها، وهو ينتظر خالد بن الوليد من الناحيه الثانية، فخشي أن تجتمع عليه الجيوش
(111)
فجمع مسيلمة الكذاب أربعين رجلا من قومه، وذهب ليتفاوض مع هذه المدعية، فالتقى معها في خيمتها، فعرضت عليه أن ترحل، ولا تحاربه شريطة أن يعطيها نصف ثمار اليمامة؛ ففي بادئ الأمر وافقها، ثم عرض عليها أن يتزوجها، فوافقت، وجعل صداقها أن أسقط عن قومها صلاتي العشاء والفجر😀
(112)
ثم أتت الأنباء إلى اليمامة أن خالدا على مشارف اليمامة، فلما علمت بذلك سجاح خشيت على نفسها وقومها من الهلكة، وذهبت لمسيلمة لتأخذ نصف ثمار اليمامة، ولا يفكر في أمر زواجهما، وترحل هي عن اليمامة، فوافقها. ويقال بعد ذلك إنها قد أسلمت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(113)
وأتى جيش خالد بن الوليد، فأرسل فرقة تتحسس الطريق في اليمامة، ووجدت في طريقها ستين رجلا من بني حنيفة أرادوا أن يغيروا على بعض المسلمين حول بني حنيفة، فأتوا بهم إلى خالد، فتحدث معهم خالد، فأصروا على ردتهم..
(114)
فبدأ خالد يقتلهم كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنهما واحدا تلو الاخر، وبقي رجل ظل على ردته، وأراد خالد قتله، ولكن أشار عليه أحد المسلمين أن يحتفظ به أسيرا؛ لأن له كلمة في قومه، وكان اسمه مجاعة بن مرارة، فقيده، ووضعه في خيمته، ووكل في إطعامه وشرابه زوجته
(115)
ثم تقدمت الجيوش الإسلامية ناحية بني حنيفة، فجعل شرحبيل بن حسنة على المقدمة، وعلى ميمنته زيد بن الخطاب، وعلى الميسرة أبا حذيفة، ثم فرق بين المهاجرين والأنصار؛ حتى يعلم المسلمون من أين يؤتون، وليحفز المسلمين على القتال
(116)
وجعل على راية الأنصار ثابت بن قيس، وعلى راية المهاجرين سالم مولى أبي حذيفة، ويبقى خالد بن الوليد في منتصف الجيوش حتى يدير هو كل المعركة، وجعل فسطاطه في مؤخرة هذا الجيش، وفي داخل الفسطاط (مجاعة) الأسير، وزوجة خالد تقوم برعايته، وجعل في مؤخرته سليط بن قيس...
(117)
أما مسيلمة بن حبيب الكذاب فكانت عنده مجموعة كبيرة من الحصون، أكبرها يسمونه الحديقة، وله أسوار عالية، وكانت قوة مسيلمة كبيرة جدا لا تستوعبها هذه الحديقة، فخرج بجيشه خارج حديقته، وبقي مسيلمة في مؤخرة جيشه، ووضع خيمته على باب حصنه، حتى إذا حدثت هزيمة يدخل هو الحصن
(118)
والتقى الجيشان، وفي بداية المعركة هجم جيش مسيلمة هجوما شديدا على جيش المسلمين، واخترقوه حتى وصلوا إلى فسطاط خالد بن الوليد، وحرروا (مجاعة)، وكادوا أن يقتلوا زوجة خالد بن الوليد، لولا أن أجارها مجاعة بن مرارة
(119)
وفور وقوع هذا الانكسار جمع المسلمون أنفسهم، وظهرت نماذج في جيش المسلمين لا تكاد تتكرر في التاريخ؛ فقام زيد بن الخطاب رضي الله عنه الذي نذر ألا يتكلم حتى ينصره الله على هؤلاء المرتدين، أو يقتل في سبيل الله في هذه المعركة
(120)
وبدأ يجمع حوله مجموعة من الصحابة الأبرار وقاتل قتالا شديدا في جهة اليمين، حتى وفقه الله تعالى إلى أن يصل إلى نهارالرجال قائد ميسرة المرتدين فقتل زيد بن الخطاب نهار الرجال، فضعفت الهمة في قلوبهم، فانكسروا انكسارا كبيرا، وهجم عليهم المسلمون
(121)
واستمر زيد بن الخطاب في القتال، ودخل في عمق جيش المرتدين، فقدر الله تعالى أن يحقق لزيد بن الخطاب رضي الله عنه أمنيته، ويلقى الشهادة. رضي الله عنه وحدث انكسار ثان في جيش المسلمين، فهجم جيش مسيلمة في هذة المرة هجوما شديدا
(122)
واجتاحوا جيش المسلمين للمرة الثانية حتى وصلوا لخيمة خالد بن الوليد للمرة الثانية، فقام ثابت بن قيس رضي الله عنه الذي يحمل راية الأنصار، ونادى على الأنصار، فيلبي الأنصار, ويقاتلون قتالا شديدا، يقاتل ثابت بن قيس وهو يحمل الراية، فتقطع إحدى رجليه، ويقع على الأرض
(123)
ثم يسمع النداء: يا للأنصار. فيسرع، وهو برجل واحدة، ويحبو على الأرض، فيقول له أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : ما عليك. فيقول: ألبي ولو حبوا. فيستشهد، ثم يستمر جيش مسيلمة في الهجوم على جيش المسلمين، فيظهر نموذج اخر، وهو أبو حذيفة رضي الله عنه
(124)
وكان أبو حذيفة من حفاظ سورة البقرة، فينادي: يا أهل البقرة. فيقوم له المسلمون الحافظون لسورة البقرة، ويقاتلون قتالا شديدا حتى يستشهد رضي الله عنه واشتدت شوكة المسلمين, وبدءوا يهجمون على المشركين هجوما شديدا
(125)
وفي هذا الهجوم الثاني للمسلمين يصل خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب، فيدعوه إلى الإسلام؛ إذ كان حريصا على قوة الإسلام، يقول له: ارجع للإسلام، لو رجعت للإسلام ستحفظ دماء هؤلاء الناس من القتل. فيأبى مسيلمة أن يسلم، ويستمر على ردته
(126)
ثم يحدث انكسار ثالث في جيش المسلمين؛ لأن جيش المشركين كبير جدا، فيدخل جيش المشركين للمرة الثالثة، حتى يصلوا إلى خيمة خالد للمرة الثالثة، فقام عمار بن ياسر رضي الله عنه وكان من حفاظ القرآن ، يقول: يا أهل القران، زينوا القرآن بالفعال.
(127)
فينشط أهل القرآن ويهجمون هجوما شديدا على المشركين، ويطلق خالد بن الوليد شعارا للمعركة حتى يحفز المسلمين فيقول: وامحمداه. فازدادت الحمية في قلوب المسلمين، وعلموا أن هذا الرجل مسيلمة الكذاب ليس منصورا من الله وأن النصر معهم، وأنهم إذا ماتوا ماتوا على الإيمان وهو ميت على الردة
(128)
فهجموا هجوما شديدا على المشركين حتى استطاعوا أن يقحموهم إلى اتجاه الحصن الكبير، فيسرع المرتدون إلى الحديقة، وأراد المسلمون دخول الحديقة، فلم يستطيعوا دخولها لمنعة أسوارها العالية
(129)
وهنا خرج البراء بن مالك رضي الله عنه بفكرة عجبية جدا لفتح باب الحصن العظيم، فقال للمسلين: ضعوني على درع، ثم ارفعوا هذا الدرع بأسنة الرماح، ثم ارفعوني، حتى أصل إلى أعلى السور، ثم اقذفوني داخل الحديقة، أفتح لكم الباب بإذن الله
(130)
فألقوه داخل الحديقة، وتكالب عليه المرتدون، وظل يقاتل حتى وصل إلى باب الحصن، وفتح الباب، بعد أن أصابه ثمانون طعنة، وبمجرد فتح الباب، أسقط في يد المرتدين، فهم لم يتخيلوا أن يسقط عليهم رجل، ويثبت لقتالهم، ويفتح الباب، فأصاب ذلك في نفوسهم رهبة شديدة من المسلمين
(131)
وعلموا أن المسلمين منصورون، ومع ذلك قاتلوا على ردتهم ودخل جيش المسلمين الحديقة، وبدءوا يقاتلون المرتدين، وثبت المرتدون على القتال حتى شاء الله تعالى أن يقتل محكم بن الطفيل وزير مسيلمة الكذاب، فعلت همة المسلمين، وضعفت نفوس المرتدين، وازداد القتل في المرتدين
(132)
حتى وصل إلى مسيلمة الكذاب أحد المسلمين الذي أراد أن يكفر عن ذنب قديم عظيم ارتكبه في جاهليته، فحمل رمحه، وسدده إلى قلب مدعي النبوة الكافر، فخر صريعا، وهذا الرجل الصحابي هو وحشي بن حرب قاتل حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد!!
(133)
وفي نفس اللحظة الذي يسقط فيها مسيلمة الكذاب برمح وحشي كانت تطير عنق مسيلمة الكذاب بسيف اخر في تزامن عجيب من أبي دجانة، وبعد أن قطع أبو دجانة رأس مسيلمة الكذاب شاء الله له أن يلقى الشهادة، فقتله أحد المرتدين بسهم وسقط رضي الله عنه شهيدا في معركة اليمامة
(134)
وبعد قتل مسيلمة الكذاب وهنت نفوس المرتدين، وخارت عزائمهم، فلم يقووا على فعل شيء، فأعلنوا تسليمهم، وبلغ عدد قتلى المرتدين في معركة اليمامة 21000 قتيل، واستشهد من جيش المسلمين 1200 شهيد، منهم 500 من حفظة القران
(135)
وبعد انتصار خالد بن الوليد تسلل مجاعة بن مرارة إلى الحصون المجاورة، وكان فيها الذراري والنساء، وأمرهن بلباس عدة الحرب، والوقوف في الشرفات، ونزل هو إلى خالد وعرض عليه الصلح وإلا نزل هؤلاء القوم ليقاتلوك، ونظر خالد إلى الشرفات
(136)
فرأى أناسا مدججين بالسلاح،فنظر خالد إلى جيش المسلمين فوجده قد أنهك من الحرب،فرأى خالد أن يصالحه،ولا يدخل في قتال غير مضمون، فصالحه خالد على الرجوع إلى الإسلام وثلث ثمار اليمامة. وبعد إتمام الصلح فتح مجاعة الحصون وعرف خالد أنها خدعة فليس في هذه الحصون غير النساء والأطفال
(137)
وفي هذا الوقت جاء خطاب من أبي بكر بأن لا يقبل الصلح من بني حنيفة إذا عرض عليه، ولكن كان خالد قد أنهى الصلح، وأخذ خالد الثلث، وأسلم القوم وذهبوا إلى أبي بكر الصديق وبايعوه، وعنفهم أبو بكر تعنيفا شديدا
(138)
الجيش الخامس والسادس
كان متجها إلى الشمال وعلى رأسه خالد بن سعيد وكان متجها لقبيلة قضاعة بالذات أما الجيش السادس فكان متجها إلى مشارف الشام، وعلى رأسه عمرو بن العاص ولم يلاق هذان الجيشان قتالا يذكر وما إن وصلوا إلى الشام حتى فرت منهم القبائل فعادوا إلى أبي بكر الصديق
(139)
الجيش السابع
واتجه إلى قبائل عبد القيس الموجودة في (البحرين) وكان على رأسه العلاء بن الحضرمي وذهب بجيشه مسافة طويلة جدا واجتاز بجيشه صحراء موحشة لم يكن يمر بها أحد حتى وصل إلى قبائل عبد القيس فعسكر هناك قبل معسكر المرتدين في مكان يسمى هجر
يتبع غدا ان شاء الله
@ahmedghanem34 @20202Nasra الفتنة كاملة
(تصحيح )
الخميس 17 ذي الحجة 35هـ
بسم الله
(140)
كانت كل القبائل في تلك المناطق قد ارتدت عن الإسلام وعلى رأسها قبيلة عبد القيس، وما ثبت على الإسلام إلا قرية صغيرة تسمى جواثى التي حاصرها المرتدون. العلاء بن الحضرمي أرسل رسائل إلى القبائل المرتدة، وكانت أول رسالة إلى قبيلة تميم التي عادت إلى الإسلام
(141)
وخرج منها ألف مقاتل على رأسهم قيس بن عاصم، وأتاه ثمامة بن أثال في ألف من بني حنيفة، واستطاع الجارود بن يعلى أن يتسلل من قريته جواثى بجيش بعد رسالة وصلته من العلاء بن الحضرمي ليعسكر معه بهجر، ويكسر الحصار المفروض عليه من القبائل المرتدة
(142)
وبدأت المعارك تدور بين جيش المسلمين بقيادة العلاء بن الحضرمي، وبين المرتدين بقيادة النعمان بن المنذر، واستمرت المعارك شهرا كاملا, وخندق كل جيش حوله خندقا، وفي ذات يوم سمع العلاء بن الحضرمي ضجة في معسكر المرتدين، وكانوا سكارى
(143)
فجهز الجيش في الليل، وباغتهم، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، لم يبق أمام العلاء بن الحضرمي سوى من هرب إلى جزيرة دارين، وكان بينه وبينهم البحر، ولم يكن مع العلاء بن الحضرمي في ذلك الوقت سفن، فركب الجيش البحر ووصلوا إلى دارين دون أن يفقد المسلمون مقاتلا واحدا
(144)
ورأى الفارون المرتدون جموع المسلمين تخرج من البحر، فسقط في أيديهم, وأعمل المسلمون فيهم السيف, وقتلوا منهم مقتلة عظيمة في دارين، ثم عاد المسلمون منصورين في سفن المرتدين..
(145)
الجيش الثامن والتاسع
كانت عمان في عهد الرسولﷺ على رأسها أخوان جيفر وعباد، فأرسل النبي ﷺ عمرو بن العاص إليها، فدعاهما إلى الإسلام فأسلما فأمرهما على عمان. وبعد وفاة النبي ﷺظهر فيهم رجل يدعى لقيط بن مالك، وكان يلقب بذي التاج، وادعى هذا الرجل النبوة، واتبعه خلق كثير
(146)
وجهز جيشا ليقاتل به جيفر وعباد، وكانا قد ثبتا على إسلامهما، واستطاعا أن يجمعا المسلمين، ويهربا من أمام جيش لقيط إلى ساحل البحر، واستولى لقيط على منطقة عمان كلها
(147)
ولما علم أبو بكر رضي الله عنه بأمر لقيط بن مالك جهز له جيشين : أولهما هو الجيش الثامن، وكان بقيادة حذيفة بن محصن والجيش الاخر كان هو الجيش التاسع، وكان بقيادة عرفجة بن هرثمة وقد أمر أبو بكر رضي الله عنه الجيشين بأن يتحدا بقيادة حذيفة بن محصن
(148)
ولحق بهما عكرمة بن أبي جهل بعد أن هزم أمام مسيلمة، وأرسل حذيفة رسالة إلى جيفر وعباد فرجعا بمن معهما من المسلمين إلى جيش حذيفة بن محصن، وعسكروا مع المسلمين، وجهز لقيط جيشه، وتقابل مع المسلمين في موقعة شرسة جدا وكانت القوة متكافئة
(149)
وظل الفريقان في صراع إلى أن من الله على المسلمين بمدد من جيش العلاء بن الحضرمي، فرجحت كفة المسلمين، وكتب الله النصر للمسلمين، وقتل لقيط بن مالك، وقتل معه 10000 مرتد في عمان، ودخل جيفر وأخوه عباد بجيشهما إلى عمان ليمتلكوا زمام الأمور
(150)
أما جيوش المسلمين الثلاثة فانطلقت إلى مكان يسمى مهرة لقتال المرتدين هناك، ولما وصل الجيش إلى مهرة بعث أبو بكر رضي الله عنه برسالة يؤمر فيها عكرمة بن أبي جهل على الجيوش الثلاثة؛ ليحفظ له مكانته، ويقول له: لا تعد إلى المدينة حتى أرى منك موقفا
(151)
وتوجه عكرمة إلى مهرة بعد أن تولى قيادة الجيوش الثلاثة لقتال المرتدين، وكان بهذه المنطقة كثير من القبائل المرتدة، وكان على رأس هذه القبائل اثنان يدعى أحدهما شخريط والاخر مصبح وبعد ارتدادهما اختلفا وتقاتلا فكل منهما يريد إمارة المرتدين😀
(152)
ووصل عكرمة، وعلم بأمرهما فراسل شخريطا وهدده بقوة المسلمين ورغبه في الإسلام، فأسلم شخريط لما تيقن من قوة المسلمين وأنهم سيحاربون معه ضد مصبح، وتسلل بجيشه وانضم إلى جيش عكرمة بن أبي جهل، وقاتل المسلمون في هذه المعركة قتالا شديدا وصبروا حتى كتب الله لهم النصر
(153)
الجيشان العاشر والحادي عشر
بعد انتصار المهرة جمع عكرمة الجيش ليذهب به إلى اليمن وكان المتجه إلى اليمن جيشان من المدينة بقيادة المهاجر بن أمية وسويد بن مقرن وكان سويد بن مقرن متجها إلى تهامة أما المهاجر بن أمية فوجهه أبو بكر إلى صنعاء
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(154)
الجيش العاشر بقيادة المهاجر بن أمية والجيش الحادي عشر بقيادة سويد بن مقرن وكان سويد بن مقرن متجها إلى تهامة أما المهاجر بن أمية فوجهه أبو بكر إلى صنعاء وكان بها أغلب المرتدين وكان قد ظهر في اليمن رجل في عهد الرسول ﷺ يدعي النبوة وهو الأسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب
(155)
وتبع الأسود العنسي الكثير من المرتدين، وكان النبيﷺ أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن بعد أن أسلم أهلها ليعلمهم ويفقههم، وكان أمير اليمن رجلا يدعى شهر بن باذان، وظهر الأسود العنسي في إمارة شهر بن باذان
(156)
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يعلم الناس في ذلك الوقت، وقام الأسود العنسي بجيشه على "شهر"وقتله، وتزوج امرأته، وكانت امرأة صالحة إلا أنه تزوجها قهرا، واضطهد الأسود العنسي المسلمين فكان يقتل كل من يعرف أنه مسلم وذهب معاذ بن جبل إلى حضرموت وانقسم من ثبت من المسلمين إلى قسمين:
(157)
البعض هرب مع معاذ إلى حضرموت، وكان واليها من قبل الرسول r اسمه طاهر بن أبي هالة، وكان من صحابة الرسولﷺ ومن بقي في اليمن عامل الأسود العنسي بالتقية، واشتد أمر الأسود العنسي، وكان له جيش كبير، وكان له ثلاثة قادة هم: قيس بن مكشوح، والثاني داذويه، والثالث فيروز الديلمي..
(158)
ولما علم النبي ﷺ بأمر الأسود العنسي وادعائه للنبوة، بعثﷺ برسالة إلى معاذ بن جبل؛ ليجمع حوله المسلمين، ويقاتلوا الأسود العنسي حتى يقتله، وبدأ معاذ بن جبل في تجميع المسلمين، سواء من أخفوا إسلامهم أو من كانوا معه في حضرموت
(159)
وفي ذلك الوقت فكر القواد الثلاثة المرتدون أن ينقلبوا على الأسود العنسي ليأخذوا منه قيادة اليمن، فبعث معاذ برسالة إلى قيس بن مكشوح سرا وأرسل قيس إلى داذويه، وفيروز الديلمي، واتفقوا على الدخول في الإسلام ليساعدهم جيش المسلمين في تحقيق هدفهم، وهو القضاء على الأسود وجيشه
(160)
وكانت امرأة شهر بن باذان التي تزوجها الأسود العنسي قهرا امرأة صالحة وذات دين، وكانت ابنة عم فيروز الديلمي، فراسلها فيروز الديلمي سرا لتعاونهم على قتل الأسود العنسي، فوافقت على ذلك وحددت لهم ليلة، وحددت لهم بابا لا يقف عليه أحد من الحراس
(161)
وتسلل القواد الثلاثة إلى قصر الأسود العنسي في الليلة المتفق عليها، وفتحت امرأة الأسود الباب بعد أن سقته الخمر، فدخل عليه فيروز الديلمي، فوجده قد سكر سكرا شديدا، فخنقه بيده حتى ظن أنه قد مات، ولما دخل عليه القواد الثلاثة وجدوه حيا، فتقدم إليه قيس بن مكشوح، فذبحه، وخبأ رأسه
(162)
ثم خرج على أهل صنعاء في اليوم التالي بعد أن جمعهم ليعلن إسلامه، وإيمانه بمحمد ﷺ، وأن الأسود العنسي كذاب ورمى لهم برأسه، فهرب المرتدون، وانقض عليهم المسلمون يقتلونهم. وجاء الطاهر بن أبي هالة بجيشه، وفيه معاذ بن جبل، ودخل اليمن، وعاد الناس إلى الإسلام مرة أخرى
(163)
وأرسل المسلمون رسالة إلى النبي ﷺ بقتل الأسود العنسي، ووصل البريد إلى المدينة صبيحة وفاة النبي ﷺ فرجع البريد إلى اليمن ليخبرهم بوفاة النبي ﷺ فلما وصلهم خبر وفاة النبي ﷺ ارتدوا
(164)
وكان على رأس المرتدين قيس بن مكشوح، وبمكيدة منه قتل داذويه الأمير الثاني، وهرب فيروز الديلمي، وهرب معاذ بن جبل رضي الله عنه أيضا إلى حضرموت عند الطاهر بن أبي هالة، وسيطر قيس بن مكشوح ومعه جيش المرتدين على المنطقة مرة أخرى
(165)
وعلم بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوجه إلى اليمن الجيش العاشر، وكان على رأسه المهاجر بن أمية ولما علم المسلمون في حضرموت خبر هذا الجيش راسلوه وتواعدوا على موعد دخول اليمن، ودخل فيروز الديلمي معهم من داخل صنعاء بجيشه
(166)
واجتمعت الجيوش الثلاثة، وقاتلوا قيس بن مكشوح قتالا شديدا، وكتب الله النصر للمسلمين فاستسلم قيس بن مكشوح، واستسلم معه عمرو بن معديكرب، وكان من الصحابة إلا أنه ارتد في اليمن، وأرسلهما معاذ بن جبل إلى أبي بكر الصديق مع أحد الرسل
(167)
وفي الطريق أسلما قبل أن يصلا إلى المدينة، وقبل منهما أبو بكر بعد أن عنفهما بشدة.
أما الجيش الحادي عشر فلم يلق قتالا في منطقة تهامة بعد أن سيطر المسلمون على اليمن

جاري تحميل الاقتراحات...