عندما فرغ طه حسين من إملاء كتابه عن المتنبي كتب كلمة ملهمة، كان يعني بها نفسَه، ويغمز بها قناة شاكر في نفس الوقت، كتب طه: وإنه لمن الغرور =
أن يقرأ أحدنا شعرًا لشاعر، حتى إذا امتلأت نفسه بما قرأ فأملى كتابًا، ظنّ أنه صوّر الشاعرَ كما كان، على حين أنّه لم يصوّر إلا نفسه. =
هذه كلمة سديدة، تستطيع أن تسحبها على كل كتب السيرة، وبالأخصّ كتاب شاكر، ومن هنا كان غضب الأخير، فالقارئ حين يفرغ من كتاب شاكر سيعجبه =
ما وجد فيه من خلابة اللفظ، وقوّة العاطفة، وشدّة الحميّة، أو لنقل: سيعجبه ما وجده من روح شاكر بين الصفحات، لكن لو كان معياره عدد الأخطاء =
لكان الحكم مختلفًا، وجماع رأيي أنّ هذا كتاب تقرأه لتعرف شاكرًا، لا المتنبي؛ فشاكر مفتون بالمتنبي، يصوّره كما يتمناه لا كما كان على الحقيقة =
وهو كالعاشق الذي قضى وقتًا طويلا يحلم بلا وصل فذهبت به خيالاته بعيدا، وهو أيضا كعاشقٍ وقع على شيء لا يرضاه عن محبوبته فحجبه وغضّ البصر عنه =
وأنا أورد لك ثلاثة شواهد لأثبت ما أقول: فحين يناقش شاكر هوية والد المتنبي نجده يرفض شهادةً شفهيةً لا تعجبه نقلها القاضي التنوخي عن المتنبي =
حجّته أنّ التنوخي معدود في رجال الحاتمي، وأنّه ينحدر من أنطاكية التي زارها المتنبي قديمًا وهجا بعض التنوخيين فيها، وهذا مقبول سائغ =
لكن ما باله بعد عشر صفحاتٍ فقط، عندما أراد أن يثبت صلاحَ جدّة المتنبي، يستشهد بالقاضي التنوخيّ نفسه؟ هل لأنّ الأولى قادحة والثانية مادحة؟ =
وقد تنافح فتقول: قبول مدح الأعداء أسوغ من قبول قدحهم، فأجيبك لا بأس، لكن كيف تسوّغ إيراده شهادةً مُجتَزأة لعلي بن حمزة البصريّ يقول فيها: =
"بلوت من المتنبي ثلاث خلال محمودة وتلك أنه ما كذب ولا زنى ولا لاط"، ولم يكمل: "وبلوت منه ثلاث خصال ذميمة: ما صام ولا صلى ولا قرأ القرآن" =
ولو أتى شاكر بالمقولة كاملة لكان أعذر، لكن هيهات أن يأتي بما يشين الصورة التي رسم لبطله! ولو أردت شاهدًا ثالثا انظر إلى صفحة ٢٢١ من الكتاب =
لأنّ البيت يصرخ بقرمطية المتنبي، وهو شيء لا يناسب شاكرًا، لأنه يشوّه بطله، ويلغي الحاجة لبِدعة النسب العلويّ حين يفسّر الغموض بطريقةٍ أخرى =
حاول بعض المفسرين أن يميلوا بهذا البيت عن معناه، فقالوا: إنّ "الشيخ" اسم من أسماء السيف، لأنّ أجود السيوف أعتقها. وأنا أفهم أن يسفك السيف =
دم الحجيج، لكني لا أفهم ولا أسوغ سيفا يرى الصلوات الخمس نافلة، والأقرب أنهم قرامطة متربصون، يرون أنّ الفرائض نوافل، ويقتلون الحاج في الحرم =
كما فعل شيخهم أبو طاهر القرمطي قبل زمن قصير؛ معنًى يتساوق مع باقي شعره: محبي قيامي ما لذلكمُ النصلِ * بريئا من الجرحى سليما من القتلِ =
ولو أورد شاكر رحمه الله البيت وفنّده لكان أعذر، لكنه اكتفى بإسقاطه. فهذه شواهد ثلاثة لحجب المؤلف ما لا يتوافق مع رؤيته، ومثل هذا كثير جدًا =
وما مضى يهون مقارنة بما أسماه "منهج التذوق" وأقام عليه عمود كتابه، وما هو إلا الإتيان بقصة يخترعها اختراعا، ثمّ يعرض عليها كامل شعر الشاعر =
فإذا لم يجد ما يناقضها، وإذا شرحت أبياتًا سابقة كان لا يفهمها، قبلها وسلّم بصحتها. وأنا أعلم لاشتغالي بالقصّ التاريخي أنّ هذا باب واسع جدا =
وأنّ من السهل بناء قصة تتماهى مع الشعر، من هذا الباب بالذات دخل أسوأ ما في الكتاب: النسب العلوي، والغرام الحمداني، وتعاميه عن شبهة القرمطة =
وأنا لا أفهم الحاجة إلى اختراع نسب جديد لأبي الطيب حين يقول لنا التراث إنّه جعفي، حتى وإن كان المصدر آحادا، إلا أن تكون نسبةً يرفضها العقل =
لنتفحص إذن ما يقوله التراث: أبو الطيب فتى جُعفيّ، نشأ في أسرة فقيرة، كان خاملَ الأب والجد، وقد يكون والده سقّاءً عُرف بين الناس بعيدان =
كانت له جدّة همدانية، أسمح حالًا، وأشرف نسبًا، وعلى علائق بالعلويين، دارها لصق دارهم، لا غرابة في ذلك، بل الغريب أن يعتقد شاكر أنّ القبائل =
تسكن في كانتونات معزولة فلا يجاور العلويَّ إلا علويٌّ مثله! نشأ أبو الطيب في كنف جدته لأمه، ويسكت التراث عن هذه الأم، فيقول شاكر بموتها =
وأذهب أنا إلى بقائها بعد الجدّة (سأعلل ذلك لاحقًا). هذه الجدة الهمدانية الصالحة أشرفت على تربية حفيدها، وأدخلته الكُتّاب مع أبناء جارهم =
فهل في ذلك كله ما ينافي العقل؟ لا والله، لكن المؤلف رحمه الله أنف أن يكون بطله فقيرًا ابن سقّاء فاخترع له نسبًا علويًا، أما أنا فأرى العكس =
أرى أنّ المجد كل المجد، والرفعة كل الرفعة، أن تكون أسفل القاع، فتخرج محلقًا إلى القمة؛ هذه معانٍ يمتلئ بها شعر أبي الطيب، ولم تأتِ من فراغ =
فلقد تجاهلها شاكر، وقال بها بلاشير، وتبناها طه حسين، ورجع شاكر لاحقا ليردّ عليها، لا بدّ من نقاشها، فقد كان زمن المتنبي عصرا ذهبيا للقرمطة =
ومن يقرأ قصائد المتنبي إبّان شبابه، يجدها تمتلئ بتقطيع أعناق الملوك وإدالة دولة الخدم، خصوصًا مقطوعاته القصيرة التي يقولها عفوَ الخاطر =
حتى لو لم ينضم المتنبي حركيًا إلى القرامطة، كان من شأن حديثه المتهور، وشعره الجريء، أن ينبّه إليه العيون، لينتهي به الأمر مطلوبًا مطاردًا =
والقارئ لكتاب شاكر يلاحظ تخبطًا في تحديد مسار أبي الطيب أثناء رحلته الأولى إلى الشام، بل إنّ جميع دارسي حياة المتنبي وقعوا في هذا المزلق =
وهذا متوقع، إذ أنّ المتنبي لم يبدأ الاهتمام بتأريخ قصائده وترتيبها إلا بعد لقائه ابن طغج في الرملة، لذا يشكّل ديوانه قبل ذلك منطقةً مظلمة =
وزاد الطين بِلّة أنّ المتنبي مارس نوعًا من التمويه والتلاعب وإعادة الترتيب أثناء إملائه مقدمات قصائده، وكأنّه يخفي سببَ حبسه ويستحيي منه! =
وأنا مقترحٌ على الباحث منهجين لحلّ المعضلة: تصنيف قصائد القرمطة ضمن فترة ما قبل السجن، ودراسة جغرافية النفوذ بين عمّال الخليفة وابن طُغج =
أقول ذلك لأنّ المتنبي استغلّ هذا الصراع بذكاء في سفره وتنقلاته، نعلم من كتب التاريخ ومن ديوانه أنّ مدنًا شاميةً عديدة كحلب ودمشق وحمص =
انتقلت أكثر من مرة من معسكر إلى معسكر، لذا يجدر بالمؤرخ الحصيف أن يضع لنفسه خريطةً سنويّة توضّح مناطق النفوذ لكلا المعسكرين بين ٣٢٠-٣٣٠ ه =
قلنا إنّ المتنبي كان متهورًا، وإنّه جذب عيون عمّال الخليفة بمجرد دخوله شمال الشام، وهناك رواية تقترح أنّه كان مطاردًا يتخفّى في اللاذقيّة =
فاضطر أن ينحدر جنوبًا كي يخرج من سلطان الخليفة إلى سلطان ابن طُغج، وليستقرّ مؤقتًا في نخلةَ (قرب بعلبك)، هكذا لم يعد مطلوبًا ملاحقًا =
لكنّ قرمطيته وتهوّره القديمين عاوداه ثانية، فبدأ يجذب عيون ابن طُغج، تحرّك شمالا جهة دمشق وحمص، وتلاحى مع شاعر يُدعى الصنوبريّ قال فيه: =
الزم مقال الشعر تحظَ بقربه * وعن النبوّة لا أبا لك فانتزحْ ، وهذه أبيات مهمّة، أخالها سببًا في التصاق لقب المتنبي به بعد رجوعه إلى الكوفة. =
قلنا إنّ عيون ابن طُغج ازدادت به ريبةً وإحاطة، وإنّ الوضع غدا خطرًا بعد اتصاله بالأعراب وتحريضه إياهم على الخروج، ثمّ يجيئه خبر من الكوفة =
يفيد أن جدّته مريضة، فيمضّه أن تموت ولا يراها، يترك كل شيء، ويعقد العزم على السفر إليها، لكنّ الكوفة تقع ضمن سلطان الخليفة وهو مطلوب هناك =
ولو كانت مدينةً أخرى لتخفّى واستتر، لكنّ الجميع يعرفه في مسقط رأسه، لذا يطلب من جدّته أن توافيه في مكان آخر، لكنّ القضاءَ يسبقه إليها =
أريدك أن تمتلئ بهذه المعاني، ثمّ تعيدَ قراءة الرثائية: ألا لا أري الأحداث مدحًا ولا ذمّا، ستجد أنّ هناك أبياتًا تتفتح أمامك لأول مرّة =
نعم، هذه الرثائية تنتمي إلى فترة ما قبل السجن؛ فترة القرمطة والشباب والثورة: كأنّ بنيهم عالمون بأنّني * جلوبٌ إليهم من معادِنه اليُتما =
وعندما قبض لؤلؤ -عامل الإخشيد في حمص- على المتنبي قرب سَلَميَة وقد كان يهمّ بالخروج، بعث قصيدةً من السجن إلى ابن طُغج فلم يلقَ أذنًا صاغية =
كان سيبقى في السجن سنين طويلةً، لو لم يحدث أمر أغفله دارسو حياة المتنبي هو سقوط دمشق وحمص في يد عامل الخليفة أمير الأمراء محمد بن رائق =
جرّب المتنبي استعطاف أميره الجديد فلقي تجاوبًا، لكنّه أخذ عليه المواثيق أن لا يعود لسابق غيّه، وهكذا سقط المانع من زيارة الكوفة فعاد إليها =
أليس هذا أسوغ من قول شاكر حين نسب عجزه عن زيارة جدته إلى تربص العلويين به، ولو كان كذلك لما أمكنه دخول الكوفة بعد تركه مصر لعدم زوال السبب =
والذي دفع شاكرًا إلى تصنيف رثاء الجدّة ضمن ما قيل بعد السجن قول المتنبي وهو في الحبس: بيدي أيها الأمير الأريبُ * لا لشيء إلّا لأنّي غريبُ =
أو لأمٍ لها إذا ذكرتني * دمُ قلبٍ بدمع عينٍ سكوبُ ، ففهم أنّ جدّته ما زالت حيّة، ولو أخذ الأمر على ظاهره لعلمَ أنّ المقصود أمّه لا جدته. =
ثمّ نأتي إلى ثالثة الأثافي؛ الغرام المزعوم بين المتنبي وخولة، إذا أردت أن تدرك ما في ذلك من شطط، اقرأ قصة الأميرة جميلة بنت ناصر الدولة =
وكيف أنِفَت وترفّعت من الزواج بعضد الدولة، وهوَ هوَ قوةً وسلطانًا، لتعلم أنّ أميرات هذا البيت الحمداني بلغن من الأنفة والكبر مرتبةً عالية =
كيف إذن تسوّغ لعمّتها خولةَ أن تقعَ في غرام شاعرٍ جوّال تحت مرأى ومباركة أخيها سيف الدولة؟ إنّ هذا لهو الشطط بعينه! وحجة شاكر أنّه نظر =
في رثاء المتنبي لها: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر * فزعت فيه بآمالي إلى الكذبِ * حتى إذا لم يدع لي صدقه أملًا * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي =
وقوله: أرى العراق طويل الليل مذ نعيت * فكيف ليل فتى الفتيان في حلبِ * يظن أنّ فؤادي غير ملتهبٍ * وأنّ دمع جفوني غير منسكبِ، فقال: إنّ وراء =
هذه الدموع وهذا الأرق قصّة حب! ومرّر ذلك تحت "منهج التذوق"، وليته سمّاه "منهج الخيالات المحمومة" .. ولو أردت أن أريك تهافت هذا المنهج =
فدونك قصيدته في رثاء والدة سيف الدولة، أليس يقول فيها: صلاة الله خالقنا حنوطٌ * على الوجه المكفّن بالجمالِ؟ ويقول أيضًا : =
بعيشكِ هل سلوتِ فإنّ قلبي * وإن جانبتُ أرضكِ غير سالِ ، فهذه أبيات تصلح للعشق والصبابة أكثر من أبيات خولة؛ فهل هذا دليل عشق؟ معاذ الله! =
أرجو أن لا تفهم هذه التغريدات خطأ، فأنا أحب شاكرًا، لكني أحب المتنبي أكثر، وأرى من حقّه علينا أن نصوّره ونحبه كما كان، لا كما نريده أن يكون.
جاري تحميل الاقتراحات...