عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

48 تغريدة 3 قراءة Apr 12, 2023
سأتحدث في التغريدات القادمة عن ما أعدّه أهم ديوان شعرٍ صدر في الخمسين السنة الأخيرة: #ديوان_الأهلّة لمحمد عبد الباري =
إن كنت مثلي تؤمن أنّ الدهرَ لا يجود إلا بشاعر أو اثنين في كل عصر، انظر في "الأهلّة" وستعلم أنّ عبد الباري هو الطائر المحكيّ والآخرون الصدى =
أقولها دون مجاملة، ولو كنتُ شاعرًا وسمعتُ عبد الباري يُنشد لكان لزامًا أن أكسر القلم وأهجر الشعر، كما هجر السحرةُ السحر حين ألقى موسى عصاه =
صدر ديوان "الأهلّة" قبل ثلاثة أشهر، وهو ثالث نتاج الشاعر بعد "مرثيّة النار الأولى" و "كأنك لم" ، وأعدّه قفزةً هائلةً في موسيقاه ومواضيعه =
فأما الموسيقى، فالديوان يحتوي ٢٢ قصيدةً؛ ١٦ منها عامودية ، و ٦ تفعيلة ، ونوّع أنغام قصائده العامودية على ٨ بحور خليلية ، مما يشي بمهارته =
بعض هذه البحور مهجور لصعوبته، كقصيدته البديعة "أشواق الضفة الأخرى" بناها على البحر المجتث (مستفعلن فاعلاتن) فجاءت أعذبَ ما يكون =
وعبد الباري إذا كتبَ التفعيلة يكون كغيره من الشعراء، أما إذا كتب العامودية فإنّه يحلّق إلى سماءٍ لا يدركونها ولا يستطيعون حتى التطلع إليها =
ولا أعرف سببًا لذلك، وأغلب ظني أنّ المساحةَ الضيّقةَ لكل بيتٍ تجبره على تركيز فكرته في الشعر العمودي، وهو شيء يناسب شعرَه وطريقته في القول =
أما في التفعيلة فإنّ الفكرةَ عنده تكبر وتتمددُ وتترهل، وقد يناسب ذلك بعض الشعراء المهذارين، لكنه لا يناسب عبد الباري. ويكفيه فخرًا =
أنّه حقق شرط الحداثة داخل بنية القصيدة العامودية، بينما اشتغل سابقوه على كسر العمود دون أن تكون مواضيعهم وتكنيكاتهم بنصف حداثة عبد الباري =
وهذا يقودني إلى الحديث عن مواضيع "الأهلّة"، ففي ديوانيه السابقين جوّد عبد الباري نوعين من القصائد؛ الأول يتحدث عن الحالة العربية =
متكئًا على حشدٍ من الإحالات التاريخية والأسطورية كقصيدته الشهيرة "ما لم تقله زرقاء اليمامة"، والثاني القصيدة شبه الصوفيّة، وقلت "شبه" =
لأنّها تناسب القصيدة الصوفيّة في مُعجمها وأجوائها إلّا أنّ غرضها يأتي في أحايين كثيرة دنيويًا خالصًا، كقصيدته الرائعة "تناص مع سماء سابعة" =
التفت عبد الباري في ديوانه الجديد "الأهلّة" إلى مواضيعَ فلسفيةٍ جديدةٍ أكثر عمقًا: كالذات، والآخر، وعلاقته بهذا الآخر، ودور اللغة بينهما =
وأخالُ أنّ عبد الباري أعملَ فكره كثيرًا في موضوع اللغة والطريقة المثلى للتعبير، وقرر أخيرًا أنّها تلك التي تعتمد أكثر على غير المنطوق =
فلو كان المعنى المُختمر في ذهنه بدرًا كاملا لن يستخدم للتعبير غير هلالٍ من اللفظ فقط، وعلى القارئ أن يحدس الوجه المظلم الباقي من القمر =
إنَّ الهلالَ الذي هو بشارة قدوم رمضانَ هو أيضًا بشارةُ قدوم المعنى، والطرف المضئ من الباقي المظلم، إنّها طريقة تعتمد على الحدس، والإحالة =
والجمع بين المتناقضات، ويكون الغياب فيها أمثل وأكثر حضورا من الحضور نفسه، كما في الحضور الإلهي. بودّي لو ينتبه القارئ إلى طريقة عبد الباري =
في جمعه بين المتناقضات، عرف القدماء الطِباق، لكنّ شاعرنا مشى به خطوةً إضافية فجعله أشبه شيءٍ بالدياليكتيك الهيجلي، فهو يجمع النقيضين =
لا ليستأنسَ بتضادهما -كما جرت العادة- وإنّما ليوّلد منهما معنى ثالثًا متعاليًا، كقوله: الوضوح الخفيّ، والفراغ الآهل، والثابت المنتفي، إلخ =
والآن سأعرّج على خمس قصائد من الديوان وأعلّق عليها سريعًا. أنبّه أنّ ما أضعه في الصور ما هو إلّا مختارات مُجتزأة لا تمثّل القصائدَ كاملة =
يفتتح عبد الباري ديوانه بقصيدة "الأسوار" وخيرًا فعل، هي تلخص كل ما قلته آنفا عن الذات والآخر واللغة، ويحيل فيها إلى أسطورة انهيار برج بابل =
وتشظّي اللغة، لكنّ ما يجذب الانتباه هنا هو حصته التي ارتضاها من بابل؛ ليست الكلمات فقط، بل الصمت ، وهو ما سيستخدمه بكفاءة على طول الديوان =
إنّه يلجأ إلى نصف المنطوق كي يتكلمَ المسكوتُ عنه، طريقة استفادها من آلهة الأولمب، حيث الغياب حضور كامل، لكن ماذا يفعل في وحدته؟ في ضفته =
الأخرى؟ هو يتوق إلى التواصل، فبروق المعنى تكاد تملؤه، وغرفته -بعد أن أفرغها من الأثاث- آهلة مزدحمة به وبأفكاره وبالمعنى ، لكنه متردد =
فالأشجار تفقد شيئا من حكمتها لو صادقت ظلا زائلًا. يالها من قصيدة حزينة تملأها الوحدة، والشاعر لا يستمد عزاءه إلّا من اللغة، سلّمه الحجريّ =
نحو أهليه من الشعراء وأبناء الطريق وصانعي المعنى والحقيقة، وأنا لا أستطيع أن أترك القصيدة دون أن أثني على استخدام عبد الباري الذكيّ =
للمصطلحات الفلسفية والكلامية، وإقحامها في صوره الشعرية: متكثّر فيّ الوجود وطالما/ أورقت في المقتول بعد القاتلِ، هل قرأت شيئًا أبرع من هذا؟ =
القصيدة الثانية "شكل أول للوجد" نموذج لما أسميه القصيدة شبه الصوفيّة، فهي قصيدة غزل صرفة، غاية في العذوبة، تتكئ كثيرا على المعجم الصوفيّ =
والأمر طريف، لأنّك لن تجدَ أيّ وصفٍ حسيّ لمعشوقة عبد الباري، فهي دهشة مجاز، وتعب نبويّ (يا لبراعة التشبيه!) وتكاد تنحل فإذا بها هواء محض! =
ورغم أنك لن تجد معشوقةً من لحم ودم، إلا أنك ستلقى وجدا وغراما وتبتلا حقيقا، أليس يناجيها: يقول لكِ الورد في داخلي/ بحقّ صلاتي عليكِ اقطفي؟ =
والأمر أحد اثنين: إمّا أنّ الشاعر يعمّي في وصف محبوبته حذرًا عليها وإشفاقًا وغَيرةً، أو أنّه -هو الجالس في ضفته الأخرى- لا يعرفها تمامًا =
فعشقه مثل لغته، أقرب ما يكون إلى الحدس، وأظنه يريده أن يبقى هكذا أبدًا، في منطقة المثال: دعي للبدايةِ إيقاعَها/ فأوراقُنا بعدُ لم تُكشَفِ! =
القصيدة الثالثة "أندلسان" تدخل ضمن قصائد الحنين والنوستالجيا التي قيلت توجعًا على الأندلس الضائعة، وأشهرها قصيدة نزار قبّاني الدالية =
يقول نزار: في مدخل الحمراء كان لقاؤنا/ ما أطيبَ اللُقيا بلا ميعادِ .. وإنّي أحبُ لك ألّا تقرأ "أندلسان" حتّى تمرَّ على قصيدة قبّاني =
كي تدركَ أنَّ عبد الباري خاطبه وتجاوزه عندما تناول الموضوع من زاوية فلسفية، فالأندلس عنده أندلسان: أندلس المكان وأندلس الزمان، والشاعر كتب =
قصيدته هذه بعد أن زار قرطبة وغرناطة، وأخاله دار في الجامع الكبير والحمراء وبحث عن أندلس ابن زيدون والأعمى التطيلي وابن زُهر ولسان الدين =
ولم يجدها، فأندلس الزمان ليست أندلس المكان، وهو ما عبر عنه في بيته البديع: غَرناطةٌ ما لا يُزارُ لأنّها/ وقتٌ وهذا الوقتُ صار حُطاما =
أما بيته الأخير فلا أفهمه إلا أن يكون خطابًا إلى نزار أو غريب آخر بكى الأندلس: صفْ لي وقوعك في الرثائيات كي/ يقعَ الغريبُ على الغريب تماما =
القصيدة الرابعة "أشواق الضفة الأخرى" تكاد أن تكون رجعَ جوابٍ لقصيدة "الأسوار" التي افتتح عبد الباري بها ديوانه، وقرارًا لها، وثورةً عليها =
هو لم يعد يطيق البقاء في الضفة الأخرى، مكتفيًا بنصف الحضور ونصف النطق، هو يودّ أن لا يود، وأن لا يأبه، لكنه يدرك أنّ هذا شيء إلهي لا يُطاق =
فالمعنى يتفجر داخله كالطوفان، وكذا توقه إلى الآخر، والطريف أن هذا الطوفان الذي داهمه في أبو ظبي وهذا الفيض تمثل في وزن رشيقٍ قصير كالمجتث! =
القصيدة الخامسة "ما سقط من تغريبة بني هلال" قد تكون أحبَّ قصائد عبد الباري إلى قلبي، كتبها في الرباط، وأكاد أتخيّله وقد وقف على الأطلسيّ =
ونظرَ إلى الموج، فوقرَ في قلبه أنّ حاله في تطوافه وسفرِه كالموج تمامًا يمتد وينحسر، تذكّرَ سلَفه عقبةَ بن نافع وهو يناجي المحيط قائلًا: =
والله يا بحر الظلمات لو كنت أعلم أن خلفك أرض عليها بشر لخضتك، ثمّ تذكّر ما قرأه في طفولته عن أبي زيد، وذياب بن غانم، وبني هلال، وتغريبتهم =
الطويلة المستميتة من صحراء نجد إلى أقاصي تونس والمغرب، وكل البلاد التي فتحوها وتركوها خلفهم، ولعلّ هاجسَه اللغوي والفيلسوف داخله تمكّن منه =
فأراه تقابلًا بين تغريبة بني هلال والسفر وراء المعنى، وما يسقط من المعنى أثناء الصياغة: ولنصدها فكرةً يا طالما/ غيّرت عنوانها كي لا تصادا =
والآن، تخيّل أنّك في زمن المتنبي ولم تقرأ لأبي الطيّب! أو في زمن بودلير ولم تشترِ "أزهار الشرّ"! إنّك في زمن عبد الباري، اقرأ "الأهلّة"!

جاري تحميل الاقتراحات...