عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

66 تغريدة 56 قراءة Oct 04, 2021
بمناسبة #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب سأتحدث عن الرحلة الطويلة واللذيذة التي قد يقطعها القارئ بحثًا عن النسخة المثلى لكتابه المفضل =
قد تُضطر أحيانًا إلى شراء نسخ مختلفة من نفس الكتاب؛ فلو كان تراثيًا تفعل ذلك بحثًا عن التحقيق الأفضل، ولو كان بلغة أجنبيّة قد تفعله =
بحثًا عن ترجمةٍ أدقّ، وقد تقتنيه ثم تعثر عليه مزيّنًا بلوحات رسامك المفضل فتضعف وتشتريه ثانية. فعلتُ ذلك مرارًا، وسأعطي أمثلةً من مكتبتي =
ألف ليلة وليلة من أول الكتب التي قرأتها. لا زلت أذكر ذاك المساء البعيد عندما رجع والدي ومعه كتابان، أحدهما ألف ليلة وليلة بقلم قدري قلعجي =
والآخر كتاب نسيت ما هو، كان ألف ليلة وليلة من نصيب أختي، وكان الكتاب الآخر من نصيبي، وأظنك استنتجت أني نفستُ على أختي كتابَها الساحر =
كنت أسرق الكتاب كلما فرغت أختي من مطالعته، فيذهب بي خيالي بعيدًا خلفَ شهريارَ وشهرزارد، والحمّال والبنات الثلاث، والرشيد وجعفر ومسرور =
وبعد مدّة نزل جزء ثانٍ يحوي رحلات السندباد البحريّ، تلاه جزء ثالث يحكي عن مزيّن بغداد، ثم جزء رابع يحكي عن عزيز وعزيزة، ثمّ انقطعت السلسلة =
وبقيت حائرًا لا أدري ماذا حدث لشهرزاد. كبرت بعدها قليلا، ووقعتُ على نسخةٍ قديمة من أربعة أجزاء تحوي الليالي كاملة، تزيّنها رسوم المستشرقين =
إلّا أنَّها مستفادة من نسخة الآباء اليسوعيين، ولم أكن أفهم -حينها- من هم أولاء اليسوعيون، ولم يخطر ببالي أنهم أعملوا فيها شطبًا وتهذيبًا =
إلّا أنّ أكثر ما أزعجني قِصَرُ الليالي؛ كانت كل ليلة نصف صفحة! بقيت أتساءل: كيف تحكي شهرزاد في ليلةٍ كاملة ما أستطيعُ قراءته في خمس دقائق؟ =
وهكذا فقدت إيماني بالنسخة، ثمّ سافرت للدراسة، فوقعت على نسخةٍ فاخرة مترجمة من فرنسية ماردوس، فاستمتعت برصد التغيرات التي لحقت بالليالي =
وهي تنتقل من العربية إلى الفرنسية إلى الإنجليزية، ووقعت على نسخة ريتشارد بريتون، فاستمتعت بحواشيه الذكية الغزيرة، وامتقع وجهي وأنا أقرأ =
قصصه المكشوفة وترجمته الجريئة، عندها أدركت حجم خيانة الآباء اليسوعيين، اشتريت لاحقًا أكثر النسخ أمانةً للنص الأصلي: نسختا بولاق وبرسلاو =
فمن أراد نسخةً للناشئة فعليه بنشرتي قلعجيّ أو السحّار، ومن نشد الأمانة والفصاحة فطبعة بولاق الثانية صناعة الشيخ الأزهريّ محمد قطّة العدويّ =
ومن أرادها بالعاميّة -فكأنّه يسمعها من حكواتي- فليختر نسخة برسلاو، ومن أرادها بالإنجليزية فترجمتا ريتشارد بريتون أوإدوارد لين والأولى أفضل =
هذه رحلتي مع ألف ليلة وليلة، ولا زلتُ أحلمُ بنسخةٍ خيالية، ضخمة المحتوى، غير متناهية الأجزاء، تستغرق الليلة منها ليلًا كاملًا كي تفرغ منها =
المثال الثاني الذي أنوي التحدث عنه هو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وهو سِفر جليل، يشغلُ حيّزا مهمًا في وجداني وله دور كبير في تكويني =
كنت في صباي مولعًا بتتبع أيام العرب في الجاهلية، وكانت كل كتب الأيام تحيل إلى الأغاني كمرجع أول في حواشيها، فقلت لا بدّ من قراءة الأغاني =
وكان ذاك، فوجدت في مكتبة الحرمين بجوارنا مختاراتٍ من أغاني الأصفهاني في جزأين، فتوجهت بهما جذلًا سعيدًا إلى البائع، فإذا برجل متديّن =
يرمقني شزرًا، ويسحب الكتابين موبخًا البائع إذ كيف يبيعون هذا الكتاب الوسخ -هكذا!- للناشئة؟ انصرفتُ خائبًا مهيض الجناح، وما إن قطعت الشارع =
حتى ثارت ثائرتي، ولعبت بي الهواجس، فكررت على عقبي، وحين لم أجد الرجل المتديّن ناشدت المحاسب أن يبيعني الكتاب، صوّرت لي مخيلتي الطفولية =
أنّه ليس يفعل، لكنه انصاعَ بأريحية وكل همّه أن يحوز شيئا من دراهمي. رجعت بالكتابين سعيدًا، وانكببت ليلتها عليهما لا أستطيع أن أتحوّل عنهما =
وزاد ولعي بالأغاني، فاشترى لي والدي مختارات الخوري يوسف عون والشيخ عبد الله العلايلي "أغاني الأغاني" فقرأتها من الغلاف إلى الغلاف فما كان =
إلّا أن زادتني ولعًا وسعيًا لامتلاك وقراءة الكتاب كاملًا، وعندما نجحت في إحدى سنيّ المرحلة المتوسطة سألني والدي ماذا أبغي هدية نجاح؟ =
كان الوقت ليلًا، ووالدي يقود السيارة، وأنا في المرتبة الخلفيّة، تحيّرت كيف أفاتحه عن رغبتي بامتلاك الأغاني كاملة، ثمّ تماسكت وأخبرته =
تساءل أين سأضع الخمسة والعشرين جزءًا، قلت إنّي وقعت على نسخة في مكتبةٍ مجاورة تضمّ كل ثلاثة أجزاء في مجلدة، وكان ما كان، واشترينا الكتاب =
فلا تسلْ عن فرحي ولَذّة الليالي التي قضيتها وأنا أسامر أبا الفرج، ثمّ كبرتُ شيئًا، وامتلكت نسخةً مصوّرةً من نشرة دار الكتب المصريّة =
وهي أفضل تحقيق، كان من المفترض أن تنتهي رحلتي خلف الأغاني بهكذا نسخة، لكنّ الصديقين الكُتبيين عبد الله المقبل وحسن الأحيدب أخذاني ذات مرة =
إلى مكتبة "نوادر الكتب والمطبوعات" مخرج (١٥) لصاحبها مزيد العصيمي -وشيخنا مزيد بالنسبة لنا نحن السعوديين بمثابة قاسم الرجب عند العراقيين- =
كنت أبحثُ عن ديوان أبي تمام تحقيق محمد عبده عزام لغرض ما، فأخذني صاحباي هناك، فإذا بنسخةٍ حسناء من الأغاني تفطّر لها قلبي وأنستني أبا تمام =
افترشت الأرض، وقلّبت المجلدات، وأعملت فكري، وقمت ثمّ قعدت، ثمّ قمت ثمّ قعدت، وصاحباي يضحكان ويحرضاني تارةً ويثبطاني تارة، إلى أن ذهبت بها. =
المثال الثالث هو الكوميديا الإلهية لدانتي آليجيري. كنت قد قرأت في بداياتي عن الكوميديا، ولكني لم أقع على ترجمة عربية لها في مكتباتنا =
فاضطُررت إلى قراءتها بالإنجليزية رغم لغتي الهزيلة آنذاك بحكم دراستي في مدرسة حكوميّة. ابتعت نسخةً من مكتبة جرير بترجمة الشاعر جون شاردي =
لم تكن تحوي غير الباب الخاص بجهنّم Inferno بلا مطهّر ولا جنة، لكني وجدت فيها من المتاع واللذة ما جعلني أقع مباشرة في غرامها. اشتريت لاحقًا =
نسخة بنجوين بترجمة مارك موسى وفيها الكوميديا كاملةً إضافةً إلى الفيتا نوفا، لكنّها كانت ترجمةً باردةً دون طعمٍ أو رائحةٍ أو شعر فزهدتُ بها =
لا يمكن الحديث عن الكوميديا الإلهية وتصوّرها دون اللجوء إلى لوحات غوستاف دوري البارعة وتصاويره المهولة، فلقد بثّت في صفحاتِها روحًا جديدة =
اقتنيت نسخةً تحوي كامل تصاوير دوري جنبًا إلى جنب مع ترجمة هنري وادسورث لونجفيلو، وهي ترجمة مهمّة تاريخيًا، لأنها الترجمة الإنجليزية الأولى =
وصاحبها شاعر مفلّق، كان ملء البصر والعين، لكني بقيتُ أحنّ إلى ترجمة جون شاردي ولا أعدل بها أخرى، ولم تنقطع الغُلّة حتى عثرت عليها كاملة. =
المثال الرابع هو رواية ثيربانتس الخالدة "دون كيخوته دي لامنشا". قرأتها في صباي في نسخة مختصرة ضمن سلسلة دار العلم للملايين فلم تصنع شيئا =
ولا أدري لماذا لم تكن ترجمات بدوي والعطّار متوفرةً تلك الأيام، ولعلّ ذلك من سعد حظي، فلقد انتظرت حتى قرأتها بترجمة إيدث جروسمان البارعة =
فضحكتُ حتّى دمعت عيناي، وبكيتُ حتّى تفطّرَ قلبي، وفهمت لماذا نعتها هاينرش هاينه بأكثر الكتب حزنًا، ولأنَّ الدون كيخوته أيضًا من الأعمال =
التي حظيت بتصوير ورسم جوستاف دوري، كان لزامًا عليّ أن أقتني تلك النسخة. يُقال إنّ دوري سافر خصيصًا إلى إسبانية قبل أن يشرع في رسم كيخوته =
أما آخر نسخة اقتنيتها لرواية دون كيخوته دي لامنشا فكانت بترجمة الروائي توبياس سموليت ورسوم الفنان كوينتين بليك وهي نسخة قيّمة جدًا لسببين =
أولها لأنّ سموليت من الروائيين الظرفاء المتخصصين بالرواية الشُطّارية Picaresque، فأضاف إلى كيخوته شيئًا من روحه وظَرفه رغم وعورة وقدم لغته =
ثانيها لأنّها مزيّنة بريشة كوينتن بليك، وهو -لمن لا يعرفه- أشهر مصوّر كتب أطفال على قيد الحياة، عُرف بأعماله المشتركة مع الروائي روالد دال =
وتمّ تكريمه حديثًا بلقب الفروسية، ورغم أنّ تخصصه أدب الأطفال، إلا أنّ أعماله في كيخوته وكانديد والحمار الذهبي ولافونتين تطفح مشاغبةً وظرفا =
المثال الخامس هو "رومانسية الممالك الثلاث" للو غوانتشونغ، وهي من كلاسيكيات الأدب الصيني، وتؤرخ لسقوط إمبراطورية هان وانبثاق ما عُرف لاحقًا =
بالممالك الثلاث، وهي من أروع ما قرأت في سائر الأدب العالمي بلا مراء، وكان أول عهدي بها عندما اشترى لي والدي كتابين صغيرين من مكتبة بحرينية =
الأول بعنوان "ورود في المرآة" والثاني "معركة الجرف الأحمر" وكلا الكتابين فصول مجتزأة من أعمال أكبر قامت هيئة الثقافة الصينية بترجمتها =
ورغم أنّ الكتاب الثاني -معركة الجرف الأحمر- لا يحوي سوى ثمانية فصول من المئة والعشرين التي تتضمنها "الممالك الثلاث" إلا أنّه ملأ روحي =
وسقى خيالي، وتركني متعطشًا لباقي فصول الرواية، وعندما توفرت خدمة الإنترنت وقعتُ على موقع يحوي الرواية كاملة، فكنت أطبع وأقرأها رغم ضخامتها =
ثمّ سافر صديق لي إلى ماليزيا فأوصيته بالبحث عن الرواية، فاشتراها لي بطبعة دار Tuttle في مجلدين، ورغم أنّ الترجمة لم تكن جيّدة إلّا أنّي =
قرأتها كاملة لأول مرة. أما الآن فلقد وجدت ضالتي عند Folio Society الذين أخرجوا كثيرًا من أعمالي المفضلّة في ترجمات مجوّدة وحُللٍ قشيبة =
أرى أنّي أطلتُ الحديثَ جدًا، لذا سأختمُ بمثالٍ سادسٍ أخير أثيرٍ إلى قلبي هو ديوان أبي تمّام ولي معه قصة. وقعتُ في غرام الشعر العربي أول =
دخولي المرحلة الجامعية، كنتُ أشتري ديوان شعرٍ كل أسبوع وألتهمه التهاما، ولم أكن ذا بصرٍ بأجود النشرات وأدقّ التحقيقات، فكنت أشتري الدواوين =
كيفما اتفق، وكان فيما اشتريت ديوان أبي تمّام نشرة الشركة العالمية للكتاب، وهي مسلوخة من شرح التبريزي، ولها نفس ترتيب قصائده، إلّا أنّها =
ناسبت حاجتي آنذاك، فلقد ضمّت القصائد في مجلدٍ واحد، واجتهد إيليا حاوي في شرح كل بيتٍ على حدة. وفي عطلتي الأخيرة وأنا أطالع ديواني أبي تمام =
والبُحتري، عجبت من حجم الديوانين الضخمين، وغزارة أسماء القادة والخلفاء والممدوحين والمهجوين، فكّرتُ كم سيكون عملًا عظيمًا لو كتب أحدهم =
بيوغرافيا مستقصية يتخذ فيها الشاعرين كشاهدين على العصر، وتكون السيرتان من الجودة والغزارة والاستقصاء بحيث تطلعان قارئها على كل الأحداث =
السياسية والإجتماعية من عصر المأمون حتى عصر المعتضد (ثلاثة عشر خليفة) بترتيب كرنولوجي دقيق، ألن يكون ذلك عملًا جليلًا وممتعا؟ حدّثت أصحابي =
عن المشروع فتحمّسوا له، واقتنيت ديوان أبي تمّام بتحقيق محمد عبده عزام، وديوان البُحتري بتحقيق الصيرفي، وانكببتُ على ديوان أبي تمّام هذه =
الستة الأشهر الأخيرة فرتّبتُ جميع قصائده زمنيًا ومكانيًا بعد جهدٍ ولأيٍ شديدين، ولا تسل عن المتعة والفائدة اللتين استخرجتهما من هكذا عمل =
لكن لا يصح أن أبدأ الكتابة دون الاعتماد على نسخة الدكتور محمد مصطفى أبو شوارب التي وقف فيها على قصائدَ ومقطوعاتٍ كثيرة لم ترد في التبريزي =
بحثت عن نشرة أبو الشوارب فلم أجدها، وأوصيت عليها في المعارض دون فائدة، وعندما علم أخي وحبيبي عبد الله المقبل بذلك، أهداني نسخته الخاصة =
وكتبَ عليها هذا الإهداء، وشرّط عليّ أن أتمّ الكتاب، فلا يكون كغيره من مشاريعي الكوخيتيه. والمقبل هو المسؤول عن تهالكي الأخير على التراث =
فإن كنتم ممن يستعذب تغريداتي التراثية ادعوا له، وإن كنتم ممن يستثقلها ادعوا عليه، وبدعائكم على المقبل أختم هذه التغريدات 😁

جاري تحميل الاقتراحات...