عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

41 تغريدة 32 قراءة Aug 15, 2021
سأتحدث تحت هذه التغريدة عن "مقامات الحريري"؛ وسأبيّن كيف أنَّ سحر المقامات يعتمد على الملائمة بين مبناها ومعناها، وسأقنعكم بإعادة قراءتها
لكن قبل أن أفعل، أحب أن أتوقفَ عند حادثةٍ بالغة الدلالة لمؤلف المقامات القاسم بن علي الحريريّ البصري، وكيف عالج النقاد القدماء تلك الحادثة =
يقال إنّ الحريري بعد أن فرغ من تأليف جملةٍ صالحة من مقاماته أصعد إلى بغداد، والتحق بالوزير أنوشروان بن خالد، ولقي حظوة عنده، وذاعت مقاماته =
حتى رُشّح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ولمّا كُلّفَ كتابةَ كتابٍ أُفحم وحَصِر وانقطع، ولم يجرِ قلمه بشيء، وأخذ المسكين ينتف شعر لحيته =
-وكان الحريريّ مصاباً بنوع من الوسواس القهري يُدعى: Trichotillomania ، يدفعه إلى نتف شعره عندما يعنفُ به القلق- حتى أصبحَ سخرية المجلس =
فقال أحدهم يسخر ويذكر الحادثة: شيخٌ لنا من ربيعةِ الفَرَسِ/ ينتفُ عثنَونه من الهَوَسِ/ أنطقه الله بالمشانِ وقد/ ألجمهُ في بغدادَ بالخَرَسِ =
واتهمه حساده بأنّ المقامات ليست من عمله، وقالوا إنّها لرجل نزل عنده ضيفاً ومات فادّعاها لنفسه، وقال آخرون إنّه وجدها في جراب رجل مغربيّ =
يذكر ابن الأثير هذه الحادثة في "المثل السائر" ثمّ يشرع في تفسيرها، فيقول: إنّ المقاماتِ مدارُها على حكايةٍ تخرج إلى مخلص، مما يجعلها =
أسهلَ وأطوع، أما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأنّ المعاني تتجدد فيها بتجدد حوادث الأيام. وهذا كلام باردٌ لكاتبٍ يتعصبُ لصَنعته =
ولو تحرّينا الإنصاف لكان أحرى أن نتسقّطَ الرأي عند كاتبٍ "فنان" يشارك الحريريّ هموم التأليف ويعانيها، وهو ما سنجده عند صلاح الدين الصفديّ =
يورد الصفديّ القصة، ثمّ يشرحُ كيف أنّ الإنشاء داخلٌ في باب الفتوح والإلهام، لا يتأتى أيَّ ساعة، يشرح أيضا كيف أنّ الكتابة والُكتّابَ أنماط =
وفن المقامات من النمط الذي يحتاج إلى صنعةٍ وتنقيحٍ وشطبٍ وإعادة كتابة، وقد ذُكِر أنّ مسوّدات المقامات كانت حِملَ جمل، وهذا لا يتأتى إلا في =
خلوةِ البيت، بعيداً عن العيون الشاخصة والزارية والشانئة. أرأيتم ما أعظم الفرق بين نظرة الناقد فقط (ابن الأثير) والناقد الفنان (الصفديّ)؟! =
علاقتي مع المقامات لم تكن حبا من النظرة الأولى كما حدث مثلا مع ألف ليلة وليلة ورسائل الجاحظ. أتذكر أننا درسنا "المقامة البغداذية" للهمداني =
في المدرسة الإبتدائية، وأني استظرفتُ ذاك المُكَدّي الذي يصرّ على تسمية أبا عبيدٍ أبا زيد، وكيف كان ريقي يتحلّبُ مع أصناف الطعام والصِحاف =
لكني كنتُ أراها آنذاك نصّاً متكلّفاً، همُّه اللغوي يطغى على الإبداعي، يفتقر الخيالَ المحلّق، وترهقه الصنعة والسجعة، ولكم كنت غريرا جاهلاً! =
لكن مع الوقت بدأتُ أستشفُ الرتم في بنية المقامات، وأضبط أُذني على إيقاعها، وأجد فيها متاعاً ولذّةً يفوقان ما كنت أجده في مفضلاتي القديمة =
وأكثر ما شدّ انتباهي هو لعبة القط والفأر بين عيسى بن هشام وأبي الفتح الإسكندري في مقامات الهمذاني، وبين الحارث بن همّام وأبي زيد السروجي =
في مقامات الحريريّ. يعتقد النقاد أنّ موضوع المقامات الرئيس هو الكدية، وهذا خطأ، إذ أنَّ موضوع المقامات الحقيقي هو لعبة الهروب واللحاق هذه =
تبدأ مقامات الحريريّ في صنعاء، عندما يقف الحارث بن همّام في أحد نواديها على خطيبٍ يعظ الناس فيبكيهم، ويأخذ ما في جيوبهم، حتى إذا دخل كهفه =
إذا به يعاقر النبيذ ويأكل الحنيذ، فيسأله عن اسمه، ليجيب: أبو زيد السروجي. ثم ننتقل إلى حُلوان، فإذا بالحارث يتتلمذ على أبي زيد السروجي =
لكنّ الأخير لا يلبث أن يسافر -وكأنه يهرب من تلميذه- ليرجع بعد سنوات وقد ابيضّت لحيته، محاولا أن يستخدم القريض والشعر لاستخراج بضعة دنانير =
من جيب تلميذه المكتنز. وهكذا على طول الخمسين مقامة، ينوس أبو زيد السروجيّ بين الخفاء والافتضاح، والكدية والعفاف، والغنى والفقر =
لتجد نفسَك تتساءلُ حائرا: من الذي يفر ومن الذي يلحق؟ فلو قلت: السروجيّ يفر من ابن همّامٍ، أصبت! ولو قلت: ابن همّام يفر من السروجيّ، أصبت! =
ولو قلت: السروجيّ يطارد ابن همّام، أصبت! ولو قلت: ابن همّام يطارد السروجيّ، أيضا أصبت! الأمر أشبه برقصة عاشقين، ما يتم بين الحبيب وحبيبته =
من وصلٍ وهجر، وتجاذبٍ ودفع، وغيرةٍ وعفو، إلّا أن الراقصين هنا رجلان، مما يزيد هذه الرقصةَ -أو هذه المطاردةَ- إغماضا والتباسا =
إلّا أنّ الأمر ليس بهذه الصعوبة ولا بذاك الالتباس، ومن الممكن فهمه؛ فكلا الرجلين لديه غرضٌ يطلبه عند صاحبه، وغرضٌ يحاذر عليه من صاحبه =
الحارث بن همام شاب مبسوط اليد، غزير المادة، يطلب الأدب وتحصيل العلم عند أبي زيد السروجي، لكنه يخشى على ماله من أستاذه، فيضطره ذلك =
إلى ضروب من الهروب واللحاق المتتابعين. وأبو زيد، رجل مُكَدّي، فقير مدقع، يطلب المال عند الحارث، فيلحقه، وهذا مفهوم، لكن هل نستطيع أن نقول =
إنه يخشى على أدبه أن ينفد فيضطره ذلك إلى الهرب؟ وهل الأدب ينفد؟ من المعلوم أن النموّ العلمي لأي رجل يُصاب بالضمور إذا هو تصدر لدور الأستاذ =
وخالط من هم دونه علماً مدةً طويلة. يجب على الأستاذ أن يخالطَ من يفوقونه أو يماثلونه علماً -بين الفينة والأخرى- كي لا يضمرَ علمُه =
والآن؛ ما هو الشكل الأدبي الأقدر على أداء رقصة الهروب واللحاق الأبدية هذه؟ إنّها الجملة السجعية، هذا هو السر الذي لم أفهمه أثناء صباي =
إنّ بنية النصّ "السجعيّ" تتكون أساساً من جملتين تحاولان اللحاقَ ببعضهما، وكلما هربت الجملة الأولى لحقتها الثانية باستخدام نفس السجعة =
فتضطر الجملة الأولى إلى استخدام سجعةٍ جديدة، لتعاود الثانيةُ اللحاق بها، وهكذا، في تنويعات لانهائية، تماثل تنكرات وهيئات أبي زيد السروجي =
ولكي تقع على هذا الرتم وتضبط أذنك على إيقاعه، يجب أن تقرأ كل مقامةٍ قراءةً متواصلة، وإياك ثمّ إياك أن تقطعَ القراءة كي تنزل إلى الحاشية =
بحثاً عن معنى كلمةٍ أو ترجمة عَلَم، فإنّك مباشرةً سوف تفقد الإيقاع، ولكي يتحصل لك ذلك يجب أن تكون ذا مَلَكة لغوية تغنيك عن اللجوء إلى هامش =
حاولَ السيوطي والزمخشري واليازجي وغيرهم كتابة المقامات لكنهم لم يغنوا شيئا، فالمقامات كما ابتكرها الهمداني، وجوّدها الحريري، يجب أن تدور =
حول الكدية ولعبة القطّ والفأر هذه، عندها فقط سوف يتناسب معناها مع مبناها، ويتحقق لها ذاك الرتم الذي جوّده شيخٌ نتفَ عثنونه ذات مرة =
ولكي تكتمل لك أسبابُ السعادة؛ ابحث عن نسخةٍ تحتوي كاملَ منمات الواسطي (هناك نسخة دار الانتشار العربي وإن كانت جودة الألوان دون المطلوب) =
لا زلتُ أحلم بدار نشرٍ عربيةٍ رصينةٍ وشجاعة، تقوم بطبع المخطوطين الموجودين في باريس وسانت بطرسبرغ لمقامات الحريري بريشة ورسوم الواسطي =
وتضمهما في مجلدٍ واحد، بورقٍ وتجليدٍ فاخرين، وتتأكد من نقل الرسومات كما هي؛ بألوانها الغنية، وخطوطها الرشيقة. آهٍ كم سيكون مجلداً فاتناً!
@Allfarhan اشتريت أعمال كيليطو الكاملة في المعرض الأخير، وأحب القراءة له كثيرا، وإن كان يغلو في التأويل أحياناً.

جاري تحميل الاقتراحات...