لكن قبل أن أفعل، أحب أن أتوقفَ عند حادثةٍ بالغة الدلالة لمؤلف المقامات القاسم بن علي الحريريّ البصري، وكيف عالج النقاد القدماء تلك الحادثة =
يقال إنّ الحريري بعد أن فرغ من تأليف جملةٍ صالحة من مقاماته أصعد إلى بغداد، والتحق بالوزير أنوشروان بن خالد، ولقي حظوة عنده، وذاعت مقاماته =
حتى رُشّح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ولمّا كُلّفَ كتابةَ كتابٍ أُفحم وحَصِر وانقطع، ولم يجرِ قلمه بشيء، وأخذ المسكين ينتف شعر لحيته =
-وكان الحريريّ مصاباً بنوع من الوسواس القهري يُدعى: Trichotillomania ، يدفعه إلى نتف شعره عندما يعنفُ به القلق- حتى أصبحَ سخرية المجلس =
فقال أحدهم يسخر ويذكر الحادثة: شيخٌ لنا من ربيعةِ الفَرَسِ/ ينتفُ عثنَونه من الهَوَسِ/ أنطقه الله بالمشانِ وقد/ ألجمهُ في بغدادَ بالخَرَسِ =
واتهمه حساده بأنّ المقامات ليست من عمله، وقالوا إنّها لرجل نزل عنده ضيفاً ومات فادّعاها لنفسه، وقال آخرون إنّه وجدها في جراب رجل مغربيّ =
يذكر ابن الأثير هذه الحادثة في "المثل السائر" ثمّ يشرع في تفسيرها، فيقول: إنّ المقاماتِ مدارُها على حكايةٍ تخرج إلى مخلص، مما يجعلها =
أسهلَ وأطوع، أما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأنّ المعاني تتجدد فيها بتجدد حوادث الأيام. وهذا كلام باردٌ لكاتبٍ يتعصبُ لصَنعته =
ولو تحرّينا الإنصاف لكان أحرى أن نتسقّطَ الرأي عند كاتبٍ "فنان" يشارك الحريريّ هموم التأليف ويعانيها، وهو ما سنجده عند صلاح الدين الصفديّ =
يورد الصفديّ القصة، ثمّ يشرحُ كيف أنّ الإنشاء داخلٌ في باب الفتوح والإلهام، لا يتأتى أيَّ ساعة، يشرح أيضا كيف أنّ الكتابة والُكتّابَ أنماط =
وفن المقامات من النمط الذي يحتاج إلى صنعةٍ وتنقيحٍ وشطبٍ وإعادة كتابة، وقد ذُكِر أنّ مسوّدات المقامات كانت حِملَ جمل، وهذا لا يتأتى إلا في =
خلوةِ البيت، بعيداً عن العيون الشاخصة والزارية والشانئة. أرأيتم ما أعظم الفرق بين نظرة الناقد فقط (ابن الأثير) والناقد الفنان (الصفديّ)؟! =
علاقتي مع المقامات لم تكن حبا من النظرة الأولى كما حدث مثلا مع ألف ليلة وليلة ورسائل الجاحظ. أتذكر أننا درسنا "المقامة البغداذية" للهمداني =
في المدرسة الإبتدائية، وأني استظرفتُ ذاك المُكَدّي الذي يصرّ على تسمية أبا عبيدٍ أبا زيد، وكيف كان ريقي يتحلّبُ مع أصناف الطعام والصِحاف =
لكني كنتُ أراها آنذاك نصّاً متكلّفاً، همُّه اللغوي يطغى على الإبداعي، يفتقر الخيالَ المحلّق، وترهقه الصنعة والسجعة، ولكم كنت غريرا جاهلاً! =
لكن مع الوقت بدأتُ أستشفُ الرتم في بنية المقامات، وأضبط أُذني على إيقاعها، وأجد فيها متاعاً ولذّةً يفوقان ما كنت أجده في مفضلاتي القديمة =
وأكثر ما شدّ انتباهي هو لعبة القط والفأر بين عيسى بن هشام وأبي الفتح الإسكندري في مقامات الهمذاني، وبين الحارث بن همّام وأبي زيد السروجي =
في مقامات الحريريّ. يعتقد النقاد أنّ موضوع المقامات الرئيس هو الكدية، وهذا خطأ، إذ أنَّ موضوع المقامات الحقيقي هو لعبة الهروب واللحاق هذه =
تبدأ مقامات الحريريّ في صنعاء، عندما يقف الحارث بن همّام في أحد نواديها على خطيبٍ يعظ الناس فيبكيهم، ويأخذ ما في جيوبهم، حتى إذا دخل كهفه =
إذا به يعاقر النبيذ ويأكل الحنيذ، فيسأله عن اسمه، ليجيب: أبو زيد السروجي. ثم ننتقل إلى حُلوان، فإذا بالحارث يتتلمذ على أبي زيد السروجي =
لكنّ الأخير لا يلبث أن يسافر -وكأنه يهرب من تلميذه- ليرجع بعد سنوات وقد ابيضّت لحيته، محاولا أن يستخدم القريض والشعر لاستخراج بضعة دنانير =
من جيب تلميذه المكتنز. وهكذا على طول الخمسين مقامة، ينوس أبو زيد السروجيّ بين الخفاء والافتضاح، والكدية والعفاف، والغنى والفقر =
لتجد نفسَك تتساءلُ حائرا: من الذي يفر ومن الذي يلحق؟ فلو قلت: السروجيّ يفر من ابن همّامٍ، أصبت! ولو قلت: ابن همّام يفر من السروجيّ، أصبت! =
ولو قلت: السروجيّ يطارد ابن همّام، أصبت! ولو قلت: ابن همّام يطارد السروجيّ، أيضا أصبت! الأمر أشبه برقصة عاشقين، ما يتم بين الحبيب وحبيبته =
من وصلٍ وهجر، وتجاذبٍ ودفع، وغيرةٍ وعفو، إلّا أن الراقصين هنا رجلان، مما يزيد هذه الرقصةَ -أو هذه المطاردةَ- إغماضا والتباسا =
إلّا أنّ الأمر ليس بهذه الصعوبة ولا بذاك الالتباس، ومن الممكن فهمه؛ فكلا الرجلين لديه غرضٌ يطلبه عند صاحبه، وغرضٌ يحاذر عليه من صاحبه =
الحارث بن همام شاب مبسوط اليد، غزير المادة، يطلب الأدب وتحصيل العلم عند أبي زيد السروجي، لكنه يخشى على ماله من أستاذه، فيضطره ذلك =
إلى ضروب من الهروب واللحاق المتتابعين. وأبو زيد، رجل مُكَدّي، فقير مدقع، يطلب المال عند الحارث، فيلحقه، وهذا مفهوم، لكن هل نستطيع أن نقول =
إنه يخشى على أدبه أن ينفد فيضطره ذلك إلى الهرب؟ وهل الأدب ينفد؟ من المعلوم أن النموّ العلمي لأي رجل يُصاب بالضمور إذا هو تصدر لدور الأستاذ =
وخالط من هم دونه علماً مدةً طويلة. يجب على الأستاذ أن يخالطَ من يفوقونه أو يماثلونه علماً -بين الفينة والأخرى- كي لا يضمرَ علمُه =
والآن؛ ما هو الشكل الأدبي الأقدر على أداء رقصة الهروب واللحاق الأبدية هذه؟ إنّها الجملة السجعية، هذا هو السر الذي لم أفهمه أثناء صباي =
إنّ بنية النصّ "السجعيّ" تتكون أساساً من جملتين تحاولان اللحاقَ ببعضهما، وكلما هربت الجملة الأولى لحقتها الثانية باستخدام نفس السجعة =
فتضطر الجملة الأولى إلى استخدام سجعةٍ جديدة، لتعاود الثانيةُ اللحاق بها، وهكذا، في تنويعات لانهائية، تماثل تنكرات وهيئات أبي زيد السروجي =
ولكي تقع على هذا الرتم وتضبط أذنك على إيقاعه، يجب أن تقرأ كل مقامةٍ قراءةً متواصلة، وإياك ثمّ إياك أن تقطعَ القراءة كي تنزل إلى الحاشية =
بحثاً عن معنى كلمةٍ أو ترجمة عَلَم، فإنّك مباشرةً سوف تفقد الإيقاع، ولكي يتحصل لك ذلك يجب أن تكون ذا مَلَكة لغوية تغنيك عن اللجوء إلى هامش =
حاولَ السيوطي والزمخشري واليازجي وغيرهم كتابة المقامات لكنهم لم يغنوا شيئا، فالمقامات كما ابتكرها الهمداني، وجوّدها الحريري، يجب أن تدور =
حول الكدية ولعبة القطّ والفأر هذه، عندها فقط سوف يتناسب معناها مع مبناها، ويتحقق لها ذاك الرتم الذي جوّده شيخٌ نتفَ عثنونه ذات مرة =
ولكي تكتمل لك أسبابُ السعادة؛ ابحث عن نسخةٍ تحتوي كاملَ منمات الواسطي (هناك نسخة دار الانتشار العربي وإن كانت جودة الألوان دون المطلوب) =
لا زلتُ أحلم بدار نشرٍ عربيةٍ رصينةٍ وشجاعة، تقوم بطبع المخطوطين الموجودين في باريس وسانت بطرسبرغ لمقامات الحريري بريشة ورسوم الواسطي =
وتضمهما في مجلدٍ واحد، بورقٍ وتجليدٍ فاخرين، وتتأكد من نقل الرسومات كما هي؛ بألوانها الغنية، وخطوطها الرشيقة. آهٍ كم سيكون مجلداً فاتناً!
@Allfarhan اشتريت أعمال كيليطو الكاملة في المعرض الأخير، وأحب القراءة له كثيرا، وإن كان يغلو في التأويل أحياناً.
جاري تحميل الاقتراحات...