عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

20 تغريدة 18 قراءة Apr 12, 2023
تحت هذه التغريدة سأتحدثُ عن أسطورةِ "أورفيوس ويوريدس" وكيف طوّعها راينر ماريا ريلكه ليكتب إحدى أجمل قصائده عن الموت
تتحدث الأسطورة عن أورفيوس، وحبه الخالد لزوجته يوريديس، وكيف ماتت بعد أن لسعتها أفعى، فبكاها وأبكى معه الوحش والشجر =
نزل أورفيوس إلى العالم السفليّ، وعزفَ لحناً رقَّ له قلبُ الملك "هادس" فوافق على إرجاع زوجته إليه، شرطَ أن لا ينظرَ إليها طوالَ طريق العودة =
وكما هو متوقّع فشل أورفيوس في الاختبار، كان يصعدُ الدربَ وبصره يتطلع إلى الأمام، بينما سمعه وقلبه يتخلفان وراءه للتأكد من وجود يوريديس =
وعندما شارفَ نهاية الدرب خارَ صبرُه، واستبدّ به قلقه، فالتفت وراءه كي يتأكدّ من وجود يوريديس وراءه، فإذا به يفقدها إلى الأبد =
تناول كثيرون هذه الأسطورة شعراً ورسماً ونحتاً وتمثيلاً، وكان أبرزهم الألماني راينر ماريا ريلكه، فكتب قصيدته =
"أورفيوس، يوريديس، هرمز" وكما يتضح من العنوان كانت إضافته لهرمز -إله التخوم ورسول الأرواح- ضربةَ معلم، ونقطةَ ارتكازٍ للقصيدة =
كان ينوي أن يشرح كيف أنّ الموت غيّرَ يوريدس، وكيف أنّ محاولةَ أورفيوس محكومةٌ بالفشل منذ البداية حتى ولو لم يلتفت، وهنا تأتي أهمية هرمز =
كي يكونَ حلقة وصلٍ بينَ أورفيوس الممتلئ حياةً، ويوريدس الممتلئة موتاً، ولولا اختلاق هرمز إله التخوم لكان محالاً أيُّ اتصالٍ درامي بينهما =
يصفُ ريلكه خطوات أورفيوس الجائعة، وقيثارته المتدلية إلى الأسفل، وكأنها نبتت في يده، تماماً كما تنبتُ أحياناً زهور برية في جذع شجرة الزيتون =
ويبدع إذ يصف انفصام نظر أورفيوس عن سمعه؛ فبينما يجري نظره إلى الأمام ويدور كالكلب ثم يرجع بحماس، يتخلّفُ سمعه وراءه وكما لو أنه عبق رائحة =
لا يضيع ريلكه وقته في وصف هرمز، إذ أنّ وظيفته الأساسية تتلخصُ بإمساكه بيسراه تلك "المرأة" وهنا يأتي الُلبّ، حين يصف ما فعله الموت بيوريديس =
تلك المرأة التي مُحضتْ من الحبِّ ما يكفي لإقامة عالمٍ كامل ينبعثُ كبكائيةٍ من قيثارة أورفيوس: غابات، وجداول، وقرى، وحيوانات، وشموس، وأفلاك =
ها هي تتقدم بتردد، خطاها الرقيقة تتعثر في قماطها، كانت غائصةً في نفسها، وكما لو أنّها حبلى بطفل، فلا تبصر الرجلَ أمامها، ولا الطريقَ تحتها =
لقد ملأها الموت كما لم تُملأ من قبل، كفاكهةٍ تغصُّ بعبقها وحلاوتِها، ولأنّ هذا الموت الشاسع كان جديداً عليها لم تستطع فهمه ولم تدرِ بوقوعه =
لقد وقعت على بكارةٍ جديدة، فانغلقَ رحمُها كزهرةٍ فتيّة تنغلقُ على نفسها عند هبوط الليل، وغدت ممتنعةً على اللمس، فآذتها لمسة هُرمزَ الحانية =
لم تعد تلك المرأة الزرقاء العينين التي بكاها أورفيوس ذات مرة، لقد غدتْ محلولةً كالشعر الطويل، ومسكوبةً كالمطر الغزير، ومشاعةً كمصدرٍ ثرّ =
لقد غدت "جذراً"، وهكذا عندما أوقفها الإله هُرمز وهمسَ بصوتٍ محزون: "لقد التفت." -يعني أورفيوس- لم تفهمْ، وسألتْ هامسةً: "مَنْ؟" =
آهٍ لو أستطيع أن أنقلَ كل الوجع الذي قطرّه ريلكه في هذه اللفظة: "?Wer".."مَنْ؟" لقد ملأها الموتُ إلى درجة أن نست من كان في يومٍ ما حياتها!

جاري تحميل الاقتراحات...