نزل أورفيوس إلى العالم السفليّ، وعزفَ لحناً رقَّ له قلبُ الملك "هادس" فوافق على إرجاع زوجته إليه، شرطَ أن لا ينظرَ إليها طوالَ طريق العودة =
وكما هو متوقّع فشل أورفيوس في الاختبار، كان يصعدُ الدربَ وبصره يتطلع إلى الأمام، بينما سمعه وقلبه يتخلفان وراءه للتأكد من وجود يوريديس =
وعندما شارفَ نهاية الدرب خارَ صبرُه، واستبدّ به قلقه، فالتفت وراءه كي يتأكدّ من وجود يوريديس وراءه، فإذا به يفقدها إلى الأبد =
"أورفيوس، يوريديس، هرمز" وكما يتضح من العنوان كانت إضافته لهرمز -إله التخوم ورسول الأرواح- ضربةَ معلم، ونقطةَ ارتكازٍ للقصيدة =
كان ينوي أن يشرح كيف أنّ الموت غيّرَ يوريدس، وكيف أنّ محاولةَ أورفيوس محكومةٌ بالفشل منذ البداية حتى ولو لم يلتفت، وهنا تأتي أهمية هرمز =
كي يكونَ حلقة وصلٍ بينَ أورفيوس الممتلئ حياةً، ويوريدس الممتلئة موتاً، ولولا اختلاق هرمز إله التخوم لكان محالاً أيُّ اتصالٍ درامي بينهما =
يصفُ ريلكه خطوات أورفيوس الجائعة، وقيثارته المتدلية إلى الأسفل، وكأنها نبتت في يده، تماماً كما تنبتُ أحياناً زهور برية في جذع شجرة الزيتون =
ويبدع إذ يصف انفصام نظر أورفيوس عن سمعه؛ فبينما يجري نظره إلى الأمام ويدور كالكلب ثم يرجع بحماس، يتخلّفُ سمعه وراءه وكما لو أنه عبق رائحة =
لا يضيع ريلكه وقته في وصف هرمز، إذ أنّ وظيفته الأساسية تتلخصُ بإمساكه بيسراه تلك "المرأة" وهنا يأتي الُلبّ، حين يصف ما فعله الموت بيوريديس =
تلك المرأة التي مُحضتْ من الحبِّ ما يكفي لإقامة عالمٍ كامل ينبعثُ كبكائيةٍ من قيثارة أورفيوس: غابات، وجداول، وقرى، وحيوانات، وشموس، وأفلاك =
ها هي تتقدم بتردد، خطاها الرقيقة تتعثر في قماطها، كانت غائصةً في نفسها، وكما لو أنّها حبلى بطفل، فلا تبصر الرجلَ أمامها، ولا الطريقَ تحتها =
لقد ملأها الموت كما لم تُملأ من قبل، كفاكهةٍ تغصُّ بعبقها وحلاوتِها، ولأنّ هذا الموت الشاسع كان جديداً عليها لم تستطع فهمه ولم تدرِ بوقوعه =
لقد وقعت على بكارةٍ جديدة، فانغلقَ رحمُها كزهرةٍ فتيّة تنغلقُ على نفسها عند هبوط الليل، وغدت ممتنعةً على اللمس، فآذتها لمسة هُرمزَ الحانية =
لم تعد تلك المرأة الزرقاء العينين التي بكاها أورفيوس ذات مرة، لقد غدتْ محلولةً كالشعر الطويل، ومسكوبةً كالمطر الغزير، ومشاعةً كمصدرٍ ثرّ =
لقد غدت "جذراً"، وهكذا عندما أوقفها الإله هُرمز وهمسَ بصوتٍ محزون: "لقد التفت." -يعني أورفيوس- لم تفهمْ، وسألتْ هامسةً: "مَنْ؟" =
آهٍ لو أستطيع أن أنقلَ كل الوجع الذي قطرّه ريلكه في هذه اللفظة: "?Wer".."مَنْ؟" لقد ملأها الموتُ إلى درجة أن نست من كان في يومٍ ما حياتها!
جاري تحميل الاقتراحات...