أنا من القصيم، لم أزرها إلا لِماما في الأعياد والمناسبات، لكن في ذاكرتي محلٌّ خصيب لتلك الرحلة حين أنطلقُ مع والدي بالسيارة إلى الرسّ =
كانت الكيمياء الروحية تبدأ بمجرد أن نركب خط القصيم، حتى إذا استقبلنا "الثويرات" أو "وادي بقر" إذا بأسارير والدي تتهلل، وإذا به يشير قائلا =
كيف أن الترابَ غير التراب، والهواءَ غير الهواء، ويبدأ يحدثني عن عنترة وعيون الجواء، وخزاز وأبانات، وكيف أنّ كل شبر معجون بماضٍ سحيق =
وقد يهتزُ طربا، وتأخذه الأريحية، فيبدأ ينشدُ لي من أهازيج هذه الأرض، يبدأ بمالك بن الريبِ ووادي الغضا، فأخال أني بقرى الكُرد أو الطَبسين =
وأني أقطع الفيافي والصياهد وفي سيارتي يتمدد ابن الريب علّه يلفظ أنفاسه في وادي الغضا! وينشدني أحيانا عينية مُتمّم بن نويرة التي افُتتن بها =
فيرفع عقيرته بصوتٍ شجيّ: وكنا كنَدمانَي جَذيمةَ حقبةً/ من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا، فأخالُ أن القصيدة لم تتغلغل إلا في قلوب ثلاثة: =
مُتمم، وعمر بن الخطاب، ووالدي! وقد يتذكر أحيانا مولده في الجنوب وكي أُسري به إلى الرسّ، فينشدُ مع ابن صلاءة: أحقاً عباد الله أن لست سامعا =
نشيدَ الرعاءِ المُعزبينَ المتاليا؟ وقد تبثُ به الصحراء شيئا من الوحشة اللذيذة، فينشد قصيدة الأُحيمر: عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى/ =
وصوّتَ انسانٌ فكدتُ أطيرُ، وينتقلُ أحيانا بأريحية من الفصيح إلى العامي فينشدُ وصية الشريف بركات إلى ابنه مالك ويعدها من جياد الشعر =
فيالذاك المورد الثرّ، والمدرسة الكبرى، التي قوّمت عوارَ لساني، وعززت أواصري وجذوري، حتى صرت أتطلعُ إلى رحلة الرسّ لا لشيء إلا كي أنهلَ منها.
جاري تحميل الاقتراحات...