مُحَمَّد ﷺ
مُحَمَّد ﷺ

@GreatestManM

355 تغريدة 176 قراءة Oct 09, 2019
ولد محمد ﷺ في مكة ولادة معتادة لم يقع فيها مايستعدي العجب أو يستلفت النظر، سمع "عبدالمطلب" بخبر ولادة حفيده ففرح فرحًا شديدًا..
مستبشرًا بأن يعوضه هذا الطفل وفاة ابنه "عبدالله". سمّى "عبدالمطلب" هذا الطفل بـ"محمد" وهذا ما أثار استغراب الكثيرين في مكة..
كون هذا الاسم نادر اطلاقه بين العرب وعندما سئل عن ذلك قال: "أردت أن يحمده الله في السماء، وأن يحمده الخلق في الأرض"..
"آمنة" والدة "محمد" أرضعت ابنها ٣ أيام، ثم نفد الحليب، فأمر عم محمد "أبو لهب" مولاته أن ترضع هذا الطفل اليتيم حتى يجدون مرضعة ..
وبعد أيام قدم إلى مكة مرضعات من البادية فأتت "آمنة" تركض إليهن من أجل إرضاع هذا الطفل اليتيم، فرفضن ذلك كونه يتيم وليس له أب تُرقب عطاياه..
وبعد أن بحثن في مكة وجدن ضالتهن عدا "حليمة" فلم تجد أي طفل ورفضت أن تعود إلى باديتها خاوية اليدين فوافقت على إرضاع الطفل اليتيم "محمد".
وعندما أخذته "حليمة السعدية" إلى مضارب قبيلتها رضع أول يوم مع ابنها ثم نام نومة هانئة، وفي الصباح ذهب النساء والرعاة من أفراد القبيلة..
إلى الرعي وفي يد "حليمة" الطفل اليتيم "محمد"، فتفاجأ الجميع من توفق حليمة في إتيان الأماكن التي بها الزرع والماء وهذا على غير المعتاد..
وكانت "حليمة" هي الأخرى أيضًا متفاجئة، فأصبحت الشاة تدر لبنًا كثيرًا والغنم يتكاثر تكاثرًا مهولًا، وعاشت "حليمة" حياة راغدة سعيدة..
وقد كانت تقول أن البركة لم تأتِ إلا عندما أتى محمد، و"آمنة" عندما أعطت الطفل لـ"حليمة" كان الاتفاق هو أن تعيده إذا بلغ عمره سنتين..
بالفعل بلغ عمر "محمد" سنتين وحان موعد عودته فأخذته حليمة وهي ضائقة الصدر إلى أمه راجيةً أن توافق على تمديد المدة..
فطلبت من آمنة أن تتركه معها حتى يغلظ ويكون في مأمن من وباء مكة القاتل، فوافقت آمنة وهي مكرهة خائفة من وباء مكة الذي أخذ أباه "عبدالله"..
فأخذته "حليمة" فرحة ومسرورة فجلس عندها حتى أتت السنة الرابعة من عمره تقريبًا، فعندها حدث أمر عجيب وغريب..
فبينما "محمد" وإخوانه -من الرضاعة- يلعبون بعيدًا أتى رجل غريب إليهم، وبدون مقدمات طرح هذا الرجل "محمدًا" وبرك على صدره وأخرج سكينًا! ..
فصعق هذا المنظر إخوان محمد فهرعوا إلى أمهم "حليمة" وهم يبكون ويصيحون .. محمد قتل .. محمد قتل!!
فركضت حليمة وهي خائفة إلى الموقع ووجدت محمد وجهه متغير خائف، فخافت عليه كثيرًا لعلها كانت تظن أن الذي فعل به هذه الفعلة هو رجل من الجن..
الشاهد من هذا الأمر أن الرجل الغريب هو "جبريل" فقد شق صدر محمد ﷺ وأخرج قلبه فأخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك..
ثم غسله بماء زمزم في طست من ذهب وأعاده إلى مكانه، وهذه تعتبر حادثة شق الصدر الأولى، وطبعًا حليمة أعادت محمد إلى أمه آمنة مباشرة ..
لخوفها الشديد، فعاد الطفل اليتيم ذو الأربع سنوات إلى أمه، وبعد سنتين أرادت آمنة أن تزور قبر زوجها المتوفي "عبدالله" المدفون في يثرب..
فأخذت معها طفلها الصغير محمد والخادمة أم أيمن ومعهم الجد عبدالمطلب فزاروا القبر وفي طريقهم للعودة إلى مكة فأصاب آمنة المرض..
فألح عليها كثيرًا في أول الطريق فلم تستطع أن تتغلب عليه فتقعد مع طفلها الذي لم تعش معه سوى سنتين، فتوفيت ودفنت في مكان بين مكة والمدينة..
فتركت هذا الطفل اليتيم وحيدا، وهو الذي فقد أباه وهو جنين ويفقد أمه وهو ابن ست سنين، وفاة الأب والأم أمر وقعه صعب على الكبار فكيف على الصغار!
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نَكَأ الجروح القديمة..
فَرَقَّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، ومن قصص الإيثار أن عبدالمطلب..
كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه فقط ولا يجلسون إجلالًا له، فكان يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه..
فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب لهم: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما صنع..
وعندما بلغ محمد الثامنة من عمره توفي جده عبدالمطلب عن عمر يناهز ١٢٥ عاما. فانتقل محمد إلى بيت عمه أبو طالب ليعيش معه..
فنهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام وتقدير، ومحمد كانت صفة الحياء ملازمته حتى وهو صغير..
فكان إذا وضع الطعام يتسارع إلى السفرة أبناء أبو طالب إلا محمد فهو ينتظر حتى ينتهوا وإن بقي شيء أكل وإن لم يبقى نام وهو جائع..
فعندما أحس أبو طالب بذلك أمر أبناءه بأن يقدموا ابن عمهم محمد ويدعونه إلى الطعام ويلحوا عليه. فعندما وصل عمر محمد ١٢ سنة..
ذهب أبو طالب إلى الشام لغرض التجارة ومعه محمد، فعندما كانوا على مشارف الشام أتاهم شخص قال لهم كلام يخص محمدًا هزهم وأثار الرعب في قلوبهم.
وهذا الرجل الذي قال لهم الكلام الخطير هو راهب واسمه "بحيرى"، وقبل أن يقول لهم الكلام فقد أضافهم في بيته قبلها وأحسن ضيافتهم..
وعندما سأل "بحيرى" عن محمد فعرفه بصفته، فقال وهو آخذ بيد محمد: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين..
فقال أبو طالب: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا، ولا تسجد إلا لنبي..
وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه -مثل التفاحة-، وإنا لنجده في كتبنا، وأناشدك أن ترجعه -إلى مكة- لخوفي عليه من اليهود..
وعندما بلغ محمد ﷺ الـ١٥ سنة أتت حرب شرسة بين قريش وبين قيس وقد سميت هذه الحرب بحرب "الفجار" لم فيها من فجور وانتهاك لحرمات الله..
وقد شارك محمد ﷺ في هذه المعركة وكان يجهز لأبناء عمومته النبل للرمي، وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف "الفضول" وهو حلف..
ينص على أن نصرة المظلوم واجبة وأي مظلوم في مكة يجب علينا أن نأخذ الحق من ظالمه، وقد شاركت قريش بجميع قبائلها وشهد هذا الحلف محمد ﷺ..
محمد ﷺ لم تكن له مهنة محددة فتارة يرعى غنم بعض أهل مكة ويأخذ منهم أجر على ذلك، وتارة يتاجر هنا وهناك..
وعندما بلغ محمد ﷺ الخامسة والعشرين من عمره كان هناك امراة ذات شرف ومال اسمها خديجة بنت خويلد فكانت تاجرة وتستأجر رجالًا وتضارب معهم..
وعندما بلغها من خلق وأمانة وطيب نفس الشاب محمد ﷺ عرضت عليه أن يأخذ مالها ويتاجر به في الشام برفقة خادمها ميسرة..
فوافق الشاب محمد ﷺ صاحب الـ٢٥ ربيعًا على عرضها وانطلق إلى الشام مع ميسرة وعندما عاد محمد ﷺ إلى مكة تفاجأت خديجة..
بالأرباح الخيالية وغير المعهودة التي جلبها لها محمد ﷺ، فسألت خديجة ميسرة عن سر ذلك فأخبرها بما رأى منه من شمائل كريمة ومنهج صادق وفكر راجح.
وشعرت خديجة أنها وجدت ضالتها وكانت خديجة ترفض كل من يتقدم لها من سادات وكبراء مكة فقالت لصديقتها نفيسة أن تقترح على محمدًا ﷺ الزواج منها..
فذهبت نفيسة إلى محمد ﷺ وسألت عن رأيه في الزواج من خديجة فوافق على ذلك، وكان عمر خديجة آنذاك ٤٠ سنة وعمره ﷺ ٢٥ سنة..
ثم كلم ﷺ أعمامه في ذلك فذهب أبو طالب وحمزة وغيرهما إلى عم خديجة عمرو بن أسد -إذ إن أباها مات في حرب الفجار- وخطبوا إليه ابنة أخيه..
وساقوا إليها المهر وهو عشرين بكرة. كان قران محمد ﷺ بخديجة خيراً له ولها. ولا شك أن هذا البيت الجديد قد اصطبغ بروحه ﷺ..
روح التطهر من أدران الجاهلية، والترفع عن تقديس الأوثان، وقد استأنف محمد عليه ﷺ ما ألفه بعد زواجه من حياة التأمل والعزلة..
وهجر ما كان عليه العرب في أحفالهم الصاخبة من إدمان ولغو وقمار ونفار، وإن لم يقطعه ذلك عن إدارة تجارته، وتدبير معايشه ﷺ..
إن حياة الرجل العاقل وسط جماعة طائشة تقتضي منه الحذر والروِيَّة، وخصوصاً إذا كان الرجل على خلق عظيم يتقاضاه لين الجانب وبسط الوجه مثله ﷺ.
وعندما أصبح عمر محمد ﷺ ٣٥ سنة أتى مكة سيل هائل أوشكت الكعبة بسببه على الانهيار فاضطرت قريش على إعادة البناء..
فاتفقوا على أن المال الذي يجمع لبنائها يجب أن يكون طاهرًا فلا يدخل فيه لا مال ربا ولا مال مظلومية ولا مال بغي..
وكما هو معلوم أن إعادة البناء تحتاج إلى هدم الجزء المتأرجح وغير الصالح الباقي، فخافت قريش من الهدم لئلا يصيبها ما أصاب إبرهة..
فترددت كثيرًا فأتى "الوليد بن المغيرة" مبادرًا فبدأ بالهدم وقريش تنظر إليه خائفة فعندما أحسوا أن الأمر ليس فيه شيء وأن ما يُفعل هو الصالح..
بدأوا بالعمل معه وعندما انتهوا بقي الحجر الأسود فتنازعت أربعة قبائل من قريش على ذلك وكاد يحدث قتال بينهم، وظل الجدال جاريًا ٥ أيام..
حتى اقترح عليهم "أبا أمية بن المغيرة" أن أول من يدخل من هذا الباب هو الذي سيحكم بينهم فوافقوا على ذلك، وانتظروا حتى دخل عليهم..
حتى دخل عليهم محمد ﷺ فلمَّا رأوه قالوا: هذا الأمين!، رضينا!، هذا محمَّد!، فلمَّا انتهى إليهم، وأخبروه الخبر، فقال محمد ﷺ لهم..
هلمَّ إليَّ ثوبًا، فأُتِي به، فأخذ الحجر الأسود، فوضعه في لثوب ثمَّ قال: لتأخذ كلُّ قبيلة بناحية مِن الثَّوب، ثمَّ ارفعوه جميعًا، ففعلوا..
حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثمَّ ثبته جيدًا، فاندهش الجميع من حكم محمد بن عبدالله العادل..
البعض يتساءل هل من المعقول أنه لا يوجد شخص في مكة فتّح عقله ولم يقتنع بعبادة الأصنام غير محمدﷺ ، بلى يوجد وهذا أحدهم
وعندما اقترب عمر محمد ﷺ إلى الأربعين حُبب إليه الخلاء واعتزال الناس فكان يذهب إلى غار حراء، ويتأمل السماء وما بها من نجوم وكواكب وقمر منير..
وكان يتعبد الله ويصفي ذهنه بتأملاته ويصقل قلبه، ويسأل نفسه ماذا بعد الموت؟ لماذا نحن نعيش؟ وكان محمد ﷺ في رمضان يهجر مكة ويقعد في غار حراء..
غار حراء هو غار يبعد بعض الكيلو مترات عن مكة تلك القرية الصاخبة فكان بعض الأحيان يقعد في الغار يومين متتاليين دون أن يعود إلى البيت..
كان كل شيء يمشي بصورة طبيعية إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غير حياة الملايين ونقل البشرية من الظلمات إلى النور، ياله من يوم عظيم حقًا.
محمد قاعد في الغار يتعبد الله ويتفكر في مخلوقاته وإذ به يسمع صوتًا غير مألوف أخرج رأسه من الغار حتى يرى مصدر الصوت..
فأجاءه "جبريل" وقال له: ( اقرأ )! .. خاف محمد ﷺ تلعثم بلع ريقه وقال بنبرة مرتبكة: ما أنا بقارئ -يعني لا أعرف القراءة- فقال جبريل: ( اقرأ )..
قال محمد ﷺ: ما أنا بقارئ.. فضم جبريل محمدًا ﷺ ضمةً قوية وقال له: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق .. )، ثم انصرف جبريل..
ومحمد ﷺ يكاد يسقط مغشيًا عليه من الخوف فنزل من الجبل وركض بسرعة إلى زوجته خديجة خائفًا مرعوبًا فقال : زملوني .. زملوني..
فزملوه حتى ذهب عنه الروع فشرح ذلك لزوجته وقال لها: إني خائف على نفسي. فقالت خديجة: كلا، أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا..
إنك لتصل الرحم، وتصدُق الحديث، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.. وكان موقف خديجة تجاه زوجها من أشرف المواقف التي تُحمد لامرأة..
فطمأنته حين قلق، وأراحته حين جهد، وذكرته بما فيه فضائل مؤكدة له: أنّ الأبرار أمثاله لا يخذلون أبدًا ..
عجزت النساء أن تلدن مثل بنت خويلد.
فانطلقت المرأة العظيمة خديجة بزوجها الطاهر محمد ﷺ إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي ترك ما تعبده قريش من أصنام واعتنق النصرانية..
وكان يكتب ما شاء أن يكتب الإنجيل العبراني، وكان أيضًا شيخًا كبيرًا جاوز الـ٩٠ وقد عُمي كذلك، فدخلا عليه فقال ورقة لمحمد ﷺ: ماذا بك يا أخي؟..
فشرح له محمد ﷺ ما حدث فقال ورقة: هذا الناموس، هذا هو الناموس الذي نزل على موسى، فياليتني جذعًا يوم ذاك، ياليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك..
فقال محمد ﷺ: أومخرجي هم! قال: نعم لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به إلا حورب فوالله لو أكون حيًا وقتها لأنصرنك نصرًا مؤزرا -ورقة مات بعدها بأيام-..
فخرجت خديجة ومعها زوجها إلى بيتهما فناما نومةً حملت الكثير من التساؤلات والمئات من علامة الاستفهام والتعجب.
تقلصت ظلال الحيرة، وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف ﷺ معرفة اليقين أنه أضحى نبيًا لله المتعال، وأن ما جاءه هو ملك ينقل الخبر من السماء..
فبينما هو يمشي ﷺ خارج حدود مكة سمع صوتًا قادمًا من السماء فرفع رأسه ونظر، فإلى هو مخلوق مرعب ضخم قاعد على كرسي بين السماء والأرض..
عندها اجتث محمد ﷺ على ركبتيه من هول ما رأى ثم جاء إلى أهله وهو يقول: زملوني .. زملوني أي: غطوني .. غطوني، فغطوه..
وهذا المخلوق هو جبريل عليه السلام. ثم نزلت عليه ﷺ آيات عظيمات ( يا أيها المدثر.قم فأنذر.وربك فكبر ) بعد هذه الآيات تغير كل شيء في حياته ﷺ..
هذه الآيات جعلته لأكثر من ٢٠ عامًا لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله يحمل على عاتقه العبء الثقيل..
عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى..
عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، فجزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.
ذهب محمد ﷺ لبدء مهمته التي كلفت له وهذه المهمة صعبة جدًا وصعوبتها تتركز في أنك ستحاول تغيير ديانة أهل مدينة مكة..
التي هي عاصمة الشرك وقتها، فبدأ محمد ﷺ بوضع استراتيجية محكمة لدعوته فقسم مرحلته إلى مرحلتين : دعوة سرية ودعوة جهرية..
الدعوة السرية كان يهدف فيها ﷺ إلى تكوين قاعدة قوية يصعب انكسارها إذا بدأت الدعوة الجهرية فبدأ بدعوة الناس القريبين منه..
وهذا الأمر يثبت لنا مدى حنكته ﷺ لأن القريبين منك إذا عرضت لهم الإسلام قد يقبلونه بنسبة أكبر عن غيرهم وإن رفضوه فإنهم لن يخبروا بأمرك الخطير.
فدعا محمد ﷺ زوجته خديجة فأسلمت ثم دعا مولاه زيد بن حارثة فأسلم ثم دعا ابن عمه الصغير علي بن أبي طالب فأسلم..
ثم دعا صديقه الحميم أبو بكر الصديق فأسلم وكان هؤلاء قد أسلموا في اليوم الأول من الدعوة، ويسمون بالرعيل الأول في الإسلام.
ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلاً مألفًا محببًا سهلاً ذا خلق، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته..
فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف..
وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله التيمي. وأسلم غيرهم الكثير وأصبح عدد الذين أسلموا في الدعوة السرية ١٣٠ رجلًا وامرأة تقريبًا..
وكان الرسول ﷺ يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيًا؛ لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية، وكان الوحي قد تتابع وحمي نزوله..
وكانت الآيات وقطع السور التي تنزل في هذا الزمان آيات قصيرة، ذات فواصل رائعة منيعة، وإيقاعات هادئة خلابة تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق..
تشتمل على تزكية النفوس، وتقبيح تلويثها برغائم الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأي عين، تسير بالمؤمنين في جو آخر غير الذي فيه البشر آنذاك.
ثلاث سنين والدعوة لم تزل سرية، وخلال هذه الفترة تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون، وتبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها..
ثم تنزل الوحي يكلّف رسول الله ﷺ بمعالنته قومه، ومجابهة باطلهم ومهاجمة أصنامهم. ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى "وأنذر عشيرتك الأقربين"..
والسورة التي وقعت فيها الآية هي "سورة الشعراء" ذكرت فيها أولًا قصة موسى عليه السلام من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل..
ونجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه، وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل التي مر بها موسى خلال دعوة فرعون وقومه إلى الله..
أرى أن التفصيل في قصة موسى جاء لحكمة تقتضي أن تكون تجربته نموذجًا للنبي ﷺ والمؤمنين، وأنهم سيلقون من التكذيب والاضطهاد ما الله به عليم..
حينما يجهرون بالدعوة، وعليهم أن يكونوا على بصيرة من أمرهم منذ بداية دعوتهم، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم لا للمكذبين!
فبعد نزول الآية كان واجبًا على النبي ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين فأنذرهم ولم يجد تجاوبًا منهم إلا أن عمه أبو طالب تعهد بحمايته..
فأراد النبي ﷺ أن يبلغ رسالة ربه لقريش كلها فصعد ذات يوم على الصفا، ثم هتف: (يا صباحاه) وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم..
ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبيلة قبيلة فلما سمعوا قالوا: من الهاتف؟ قالوا: محمد. فأسرع الناس حتى أن الذي لم يستطع فإنه يرسل رسولًا..
فجاءت قريش. فلما اجتمعوا قال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادى وراء الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟). قالوا: ما جربنا عليك كذبًا..
قال: "إذن فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فدعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخص وعم فقال:"يا معشر قريش،أنقذوا أنفسكم من النار..
فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعًا، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني لكم من الله شيئًا..
يا عباس بن عبد المطلب و يا صفية بنت عبد المطلب -عمته ﷺ- ويا فاطمة ابنتي، اتقوا النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا..
فعدد القبائل والبطون وهو يردد " اتقوا النار فإني لا أغني لكم من الله شيئًا" ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا بدون أي ردة فعل..
إلا شخصًا واحدًا وهو عمه أبو لهب فقد واجه النبي ﷺ بالسوء، وقال: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: { تبت يدا أبي لهب وتب}..
ولم يزل هذا الصوت الذي سمع في أعلى جبل الصفا يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى:{ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين }..
فقام رسول الله ﷺ يذكر حقائق الأصنام وما لها من قيمة في الحقيقة، ويبين بالبينات أن من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو في ضلال مبين..
فانفجرت مكة بمشاعر الغضب، وماجت بالغرابة والإستنكار، حين سمعت صوتا يجهر بتضليل المشركين وعُبّاد الأصنام، كأنه صاعقة قصفت السحاب..
فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادئ، وقامت قريش تستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة، التي يخشى أن تمحي على تقاليدها وموروثاتها الجاهلية..
ويعني أيضًا انتفاء سيادتهم وكبريائهم على العرب، ولكن السؤال ماذا سيفعلون أمام رجل صادق أمين؟ ، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق..
لم يعرفوا له نظيرا ولا مثيلا خلال فترة طويلة من تاريخ الآباء والأقوام؟ هم في حيرة كبيرة، فلو أن صاحب الثورة غير محمد ﷺ لهان عليهم الأمر..
وبعد التفكير لم يجدوا سبيلا إلا أن يأتوا إلى عمه أبي طالب، فيطلبوا منه أن يكف ابن أخيه عما هو فيه، ورأوا أن يقولوا شيئًا يثير مشاعره..
فقالوا له أن الدعوة إلى ترك آلهتهم، والقول بعدم نفعها وقدرتها سبة قبيحة وإهانة شديدة، وفيه تسفيه وتضليل لآبائهم الذين كانوا على هذا الدين..
فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا حكيما، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله، ويدعو إليه.
محمد ﷺ يدعو قريشًا إلى الله وقريش تبادله الاتهامات، والاتهامات هذه كانت متشتتة غير مقنعة فمرة يقولون ساحر وأخرى كاذب وأخرى مجنون..
وهذه الأيام أهم قريشا أمر آخر، وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم..
فرأت أنه لا بد من كلمة يقولونها للعرب في شأنه حتى لا يكون لدعوته أثر في العرب، فعقدوا اجتماعًا طارئًا مع الوليد بن المغيرة في دار الندوة..
قال لهم الوليد: أجمعوا فيه، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، قالوا: نقول أنه مجنون! قال:ما هو بمجنون فلقد عرفنا الجنون، ما هو بخنقه ولا وسوسته.
قالوا: إذن شاعر! قال: ليس بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه ومبسوطه، قالوا:ساحر؟ قال: ليس بساحر لقد رأينا السحار، فما هو بنفثهم ولاعقدهم.
قالوا: فما نقول ؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، لكن.. آ آ آ .. حسنًا قولوا ساحر لأنه يفرق بين المرء وأخيه..
فنزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة.
ولما رأت قريش أن محمدا ﷺ لا يصرفه عن دعوته شيء. فكروا مرة أخرى، واختاروا لقمع هذه الدعوة أساليب تتلخص فيما يأتي: ..
1- السخرية والتحقير:
الاستهزاء والتكذيب والتضحيك، قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي ﷺ بتهم هازلة، وشتائم سفيهة..
2- إثارة الشبهات:
بث الدعايات الكاذبة، والإكثار منها بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته، فكانوا يقولون عن القرآن أساطير الأولين..
ولما علموا أن هذه المحاولات ليست مجدية وأن الذين يدخلون في هذا الدين كثر قرروا أن يجتمعوا مع محمد ﷺ ليناقشوه في أمر يظنون أنه يرضي الطرفين..
فذهب إليه الأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل فقالوا له: يا محمد اعبد آلهتنا عاما ونعبد الله وحده عاما..
فنزلت هذه السورة، وحسم الله مفاوضتهم المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة.
لما رأوا أن هذه الأساليب لا تجدي نفعا في كف الدعوة الإسلامية؛ اجتمعوا مرة أخرى، وكونوا منهم لجنة أعضاؤها خمسة وعشرون رجلا من سادات قريش..
رئيسها أبو لهب عم رسول الله ﷺ، وبعد التشاور والتفكر اتخذت هذه اللجنة قرارات حاسمة ضد رسول الله ﷺ وضد أصحابه، فقررت ما هو آت: ..
١- محاربة الإسلام.
٢- إيذاء محمد ﷺ.
٣- تعذيب الداخلين فيه.
٤- التعرض لهم بألوان النكال والإيلام.
اتخذوا هذه القرارات وصمموا على تنفيذها..
بالنسبة إلى المسلمين -ولا سيما المستضعفين منهم- فكان تعذيبهم سهلا جدا. وأما بالنسبة إلى رسول الله ﷺ فإنه كان رجلا شهما وقورا ذا شخصية فذة..
تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء، ولا يجترئ على اقتراف الدنايا والرذائل ضده إلا أرذال الناس وسفهاؤهم، ومع ذلك كان في منعة عمه أبي طالب..
وأبو طالب من رجال مكة المعدودين، فكان معظما في أصله وبين الناس، إن هذا الوضع أقلق قريشًا وأقامها وأقعدها ولا تستطيع الصبر على ذلك..
فقررت بدأ الاعتداءات ضد النبي ﷺ وعلى رأسهم أبو لهب، فقد اتخذ موقف المعاداة منذ اليوم الأول للدعوة، وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة..
ببنتي رسول الله ﷺ رقية وأم كلثوم قبل البعثة، فلما أتت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشدة، حتى طلقاهما، وكان أبو لهب يجول خلف النبي ﷺ..
في موسم الحج والأسواق لتكذيبه، وكانت امرأة أبي لهب -أخت أبي سفيان- لا تقل عن زوجها في عداوة النبي ﷺ ، فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريقه ﷺ..
وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها، وتطيل عليه الإفتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربا شعواء على النبي ﷺ ولذلك وصفها الله بحمالة الحطب..
ذات مرة سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن -سورة المسد- أتت رسول الله ﷺ وهو جالس عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق فأتت وفي يدها حجر..
تريد أن تضرب به النبي ﷺ، فقالت: يا أبا بكر! أين محمد ؟ لقد سمعت أنه يهجوني. فاستغرب أبو بكر من هذا السؤال لأن النبي ﷺ أمامها..
فقال: لا فهو ليس شاعرا. قالت:لو أنني رأيته لضربته. فانصرفت.. فقال أبو بكر:يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال: ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها..
كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو عم رسول الله ﷺ وجاره، فكان بيته ملاصقا لبيته، كما كان غيره من جيران رسول الله ﷺ يؤذونه وهو داخل في بيته..
وهم:
١- أبا لهب.
٢- عقبة بن أبي معيط.
٣- عدي بن حمراء الثقفي.
٤- ابن الأصداء الهذلي.
-
فكان أحدهم يطرح عليه ﷺ رحم الشاة وهو يصلي..
وكانوا يكثرون من ذلك خصوصًا عقبة ابن أبي معيط فذات مرة طرحوا عليه رحم الشاة فخرج ﷺ وهو يصرخ: يا بني عبد مناف! أي جوار هذا؟ ..
فكان أخبث شخص فيهم وأشقاهم هو عقبة بن أبي معيط، فذات مرة كان النبي ﷺ يصلي عند الكعبة وأبو جهل وأصحاب له جلوس فتهامسوا بينهم وقالوا: ..
من فينا يحضر سلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فقال أشقاهم عقبة ابن أبي معيط: أنا لها فذهب وأحضره..
وعندما سجد النبيﷺوضعه على ظهره، فجعلوا يتضاحكون ويتمايلون فأتت فاطمة ابنتهﷺ فأزالته وعندما انتهى من الصلاة رفع يديه وقال: اللهم عليك بقريش.
وهذا التعذيب كان بالنسبة للنبي ﷺ أما بالنسبة إلى المسلمين ولا سيما الضعفاء منهم فإن الإجراءات كانت أقسى من ذلك وأمر، فقد كانت كل قبيلة..
تعذب من يسلم منها أنواعا من التعذيب، ومن لم يكن له قبيلة فأجرت عليهم الأوباش والسادات ألوانا من الإضطهاد، يفزع من ذكرها قلب الحليم..
فكان أبا جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنّبه وأخزاه، وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال، والجاه، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به..
وأيضًا عندما علمت أم مصعب بن عمير بإسلام ابنها مصعبًا أجاعته وأخرجته من البيت، وكان من أنعم الناس عيشا، فتخشف جلده تخشف الأفعى..
وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي يلقى أكثر من ذلك، فكان أمية يضع في عنقه حبلا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة كالبهيمة..
فإذا جاءت الظهيرة يخرجه أمية فيطرحه على بطحاء مكة، ثم يأمر بصخرة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى..
ويكتفي بلال بقول: أحدٌ .. أحد! حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك فيه فاشتراه بسبع أواق من الفضة وأعتقه لوجه الله..
وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون وعلى رأسهم أبو جهل يخرجونهم في الرمضاء، فيعذبونهم..
ومر بهم النبي ﷺ وهم يعذبون فقال: صبرا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة. فمات أبو عمار في العذاب، وطعن أبو جهل سمية- أم عمار- في قبلها بحربة فماتت..
وشددوا العذاب على الابن عمار وقالوا له: لا نتركك حتى تسب محمدا، أو تقول: في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها..
وعندما تركوه جاء يركض باكيا معتذرا إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ).
وقائمة المعذبين في الله طويلة ومؤلمة جدا، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه في نفسه وماله وعياله..
وفي هذه الظروف الصعبة كان من الحكمة تلقاء هذه الإضطهادات أن يمنع رسول الله ﷺ المسلمين عن إعلان إسلامهم، وألا يجتمع بهم إلا سرًا..
لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين سيحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة، وربما يفضي إلى المصادمة..
ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة الإختفاء، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم..
أما رسول الله ﷺ فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين، لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا..
وكانت دار الأرقم المخزومي هي مكان الالتقاء. وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم، فاتخذها مركزا لدعوته واجتماعًا بالمسلمين..
وهذا لا يعني أن المسلمين قد استراحوا من اضطهاد قريش وتعذيبهم لا بل على العكس فقد ازدادت هذه الاضطهادات في السنة الـ٥ للنبوة..
وضاقت مكة على نفوس المسلمين وفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وكان رسول الله ﷺ قد علم أن أصحمة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل..
لا يُظلم عنده أحد، فعندها أمر من يستطيع من المسلمين أن يهاجر إلى الحبشة فرارا بدينه من الفتن فليهاجر، وفي رجب سنة ٥ للنبوة..
هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة. كان مكونا من ١٢ رجلا و٤ نسوة، أميرهم كان عثمان بن عفان برفقة زوجته رقية بنت الرسول ﷺ..
كان رحيلهم تسللا في الليل حتى لا تفطن لهم قريش، خرجوا حتى وصلوا ميناء شعيبة، ثم ركبوا السفينة، فهاجروا إلى الحبشة.
إن الأفق المتلبد بالسحب قد يتولد منه برق يضيء، فقد مرت على المسلمين في مكة أيام غلاظ شداد مظلمة اضطرت فيها جماعات من المسلمين أن تفر..
بدينها إلى أماكن شتى وبطرق مختلفة، وبقي من بقي يكابد العنت والضيق من شطط المشركين وكيدهم، إلا أن عناصر جديدة دخلت الإسلام جعلت قريشًا تتخبط.
ومن هؤلاء الذين أسلموا حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وكان رجلًا قويًا ذا عزيمة وشجاعة، وقصة إسلامه هي أنه كان قادماً من الصيد..
فلقيته امرأة وأخبرته أن أبا جهل قد سب ابن أخيه -ﷺ- سبًا قبيحًا وآذاه، فأسرع حمزة وقد تملَّكه الغضب حتى جاء"دار الندوة" التي فيها أبو جهل..
فدخل الدار واتجه نحو أبي جهل فضربه بالقوس حتى شج وجهه وقال له: أتشتمه وأنا قد دخلت في دينه! فخرج من الدار وأبو جهل وهو لم يحرك ساكنًا!
فكان إسلام حمزة في بادئ الأمر حمية لرسول الله ﷺ ثم شرح الله صدره وجاهد جهادًا عظيمًا ولقبه النبي ﷺ بأسد الله..
وأما الرجل الآخر الذي كان إسلامه نصرًا وعزًا للإسلام والمسلمين وخزياً للشرك للمشركين وحسرة عليهم، هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه..
وقد كان عمر من المحاربين للإسلام والمستهزئين بالمسلمين، وكان معروفًا بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى والعذاب..
قالت زوجة عامر بن ربيعة : ونحن نتجهز للهجرة إلى الحبشة وزوجي غير موجود إذ أقبل عليّ عمر -وكان مشركًا- فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبدالله؟
قلت له: نعم والله نعم والله فلقد آذيتمونا وقهرتمونا وسنهاجر حتى يجعل الله لنا مخرجا فقال عمر: صحبكم الله. فرأيت منه رقة لم أراها ثم انصرف..
فجاء زوجي فقلت يا أبا عبدالله ليتك لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا، قال: أطمعتِ في إسلامه؟ قلت: نعم. قال: والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب!
قال ذلك يأسًا منه لِمَا كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام، ولكن قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل، فلقد أسلم عمر رضي الله عنه..
إن غلظة عمر وقسوته ما كانت إلا قشرة خفيفة تكمن وراءها ينابيع من الرقة والعطف والسماحة تفجرت بعد إسلامه وارتوى منها حتى الكافر..
وقصة إسلام عمر هي أنه في بادئ الأمر قد اتفق مع نفسه أن يقتل الرسول ﷺ، فأعد العدة لذلك واتجه لبيت النبي ﷺ ففي الطريق حدث أمر طارئ..
الأمر الطارئ هو أن رجلًا استوقف عمر فقال له إلى أين أنت ذاهب فقال وبكل صراحة: لقتل محمد! فقال الرجل: أفلا ترجع إلى أهل بيتك وتنظر؟ ..
وفي فزعٍ كبير قال عمر: أهل بيتي؟!! فألقى الرجل ما في جعبته وقال: ابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أنهما أسلما!
جنَّ جنون عمر، وأسرع من توّه إلى بيت أخته وقبل دخوله سمع همهمة وأصواتًا غريبة، وبعنفٍ أخذ يطرق الباب وينادي بصوته الجهوريّ: افتحوا!!
ففتح سعيد الباب، ودخل عمر وهو يحترق من الغضب، لا يسيطر على نفسه والشرر يقذف من عينيه فقال: ما هذه الهمهمة التي سمعت؟!! فقالا: لا يوجد شيء.
قال عمر: بلى، والله لقد علمتُ أنكما تابعتما محمدًا على دينه!!. ثم انقض على سعيد ليبطش به، فتدخلت زوجته الوفية تدافع عن زوجها ضد أخيها.
فوقفت بينه وبين عمر تدفع عمر، وفي لحظة غضب التفت عمر إليها، ولم يدرك نفسه إلا وهو يضربها ضربة مؤلمة على وجهها، تفجرت على إثرها الدماء..
وإزاء ما حدث وفي تحدٍّ واضح، وقف سعيد بن زيد يتحدى عمر ويقول: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!
ووقفت فاطمة والدماء تسيل من وجهها فأمسكت بوجه أخيها عمر، وهي تقول له: أسلمنا فرغِم أنفك يا عمر! وعندما رأى عمر منظر الدماء استكان وهدأ.
بالفعل لقد استحى عمر عندما رأى منظر الدماء. فقال: ماذا كنتم تقرأون؟ فأعطوه الصحيفة فإذا مكتوب عليها هذه السورة.
فأذعن عمر -رضي الله عنه- للحق وأعلن إسلامه، فكان مددًا عظيمًا لجند الله، فازداد المسلمون به منعة وقوة ووقعت في نفوس الكافرين حسرة..
قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، ولقد كنَّا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر.. وقال ابن مسعود أيضًا: "مازلنا أعزة منذ أسلم عمر".
محاولات اغتيال النبي ﷺ تتكرر فهاهو الخبيث عقبة بن معيط يخنق النبي ﷺ بردائه حتى كاد أن يقتله وأبو جهل كاد أن يرضخ رأس النبي ﷺ بحجر..
عندها توجس أبو طالب -عم الرسول ﷺ- خيفة من المشركين ومحاولاتهم، وما يغني حمزة أو عمر أو غيرهما إن انقض أحد من المشركين على ابن أخيه بغتة..
تأكد ذلك عند أبي طالب، ولم يكن إلا حقا، فإنهم كانوا قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية قال تعالى { أم أبرموا أمرًا فإنا مبرمون }..
فماذا يفعل أبو طالب إذن؟ إنه لما رأى تكالب قريش على ابن أخيه قام في أهل بيته من بني هاشم ودعاهم إلى الدفاع عن ابن أخيه والقيام دونه..
فأجابوه إلى ذلك مسلمهم وكافرهم، حمية للجوار العربي، إلا ما كان من أخيه أبي لهب، فإنه فارقهم، وكان مع قريش.
علمت قريش بتمرد بني هاشم عليها وتشكيلها لتحالفًا يدافع عن محمدًا ﷺ، فعقدت اجتماعًا عاجلًا قرروا فيه ما هو آت:
فكتبت قريش ذلك في صحيفة وتم تعليقها داخل الكعبة وتم إجلاء بنو هاشم إلى شعب أبي طالب فتمت محاصرتهم حصارًا شديدًا امتد لثلاثة أعوام.
وبعد مرور سنتين من مدة الحصار الممتدة لثلاث سنوات ازداد عدد المعارضين لهذه الصحيفة من قريش نفسها فكانوا يرون الحصار على أنه سُبةً وعارًا.
فكان هؤلاء المعارضين يهربون بعض الطعام والماء لبني هاشم خفية دون علم قريش. كان الحصار شديدًا لدرجة أن البعض أكل أوراق الشجر من شدة الجوع!
هذا الوضع المأساوي لم يرضِ بعض كبار قريش وعلى رأسهم هشام بن عمرو بن لؤي الذي كان له دورًا رئيسًا في فك الحصار عن المسلمين.
جمع هشام عدة أشخاص يواجهون القوم المؤيد لهذا الحصار وهم: المطعم بن عدي، زهير بن أبي أمية، البختري بن هشام، زمعة بن الأسود.
فاجتمعوا في موضعِ يقال له "الحجون" فتعاهدوا على شق الصحيفة ونقضها ثم ذهبوا إلى الكعبة فطاف زهير حول الكعبة وعندما انتهى صاح بالناس وقال:..
وقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!
فقال أبو جهل: كذبت، والله لا تشق.
فقال زمعة بن الأسود: أنت والله الذي كذبت، ما رضينا بكتابتها حيث كتبت. فقال المطعم بن عدي: صدق زمعة.
فقال البختري: صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تُشُووِر فيه بغير هذا المكان. فزادت الملاسنة بين الطرفين ثم قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها.
فوجد أن الأرضة قد أكلت صحيفة الحصار عدا جملة واحدة لم تأكلها وهي جملة "باسمك اللهم" وبهذا انتهى الحصار وعاد بنو هاشم لبيوتهم.
نعم لقد انطلق المسلمون من الشعب يستأنفون نشاطهم القديم وقد كان وقتها عمر الإسلام قرابة عشرة أعوام كانت أعوامًا مليئة بالأحداث الضخمة.
وما إن ارتاح المسلمون من الشدة التي لاقوها حتى أصيب الرسول ﷺ بفاجعتين عظيمتين أولها وفاة عمه أبو طالب وثانيها بشهرين وفاة زوجته خديجة.
إن خديجة من نعم الله على محمد ﷺ فقد آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته مغارم الجهاد المر، وواسته بنفسها ومالها.
ومن بركاتها أن جميع أبناء وبنات رسولنا الكريم منها إلا واحدًا من ماريا القبطية وهو إبراهيم.
ومن مواقف هذه المرأة الفاضلة رضي الله عنها هو موقفها عندما نزل الوحي على زوجها محمد ﷺ.
حقًا لقد توفي أبو طالب الدرع الواقي له فلحقته زوجته الغالية الوحيدة خديجة. لقد أصيب المسلمون كلهم بحزن عظيم وسمي ذلك العام بعام الحزن.
بعد وفاة أبو طالب عم الرسول ﷺ وحاميه شددت قريش على محمد ﷺ فضايقته واستعملت كافة الوسائل القذرة لردع دعوته فضاقت الأرض بما رحبت عليه ﷺ..
فقرر أن ينشر دعوته بعيدًا عن مكة فقرر الذهاب إلى الطائف حقيقة لم يكن اختيار الطائف اختيارًا عشوائيًّا، بل كان اختيارًا مدروسًا..
فرسول الله ﷺ كان سياسيًّا بارعًا وقائدًا محنكًا، يدرس كل خطوة بدقة شديدة، فالطائف تتميز عن غيرها من مدن الجزيرة بعدة ميزات..
منها أن الطائف تعتبر المدينة الثانية في الجزيرة العربية بعد مكة، ومركزًا حيويًّا مهمًّا من مراكز الكثافة السكانية والتجارة..
وكذلك يسكن في الطائف قبيلة ثقيف، وهي من أقوى القبائل العربية فلو أسلمت لكانت سندًا عظيمًا للدعوة بقوة جيشها وكثرة عددها..
وهناك ميزة كبيرة وهي المنافسة الدينية بين مكة والطائف، فمكة وإن كان بها البيت الحرام وصنم هُبُل، فإن الطائف كان بها صنم آخر..
من أهم أصنام العرب وهو اللات، وكثيرًا ما كان يقسم به العرب على اختلاف قبائلهم. أما صنم العزى فكان في وادي نخلة على مقربة أيضًا من الطائف..
فكانت هذه ميزات الطائف المغرية. وبعد أن أمنَّ رسول الله ﷺ جميع السبل، وأخذ الحيطة والحذر، أقبل على الطائف، وكله أمل أن تكون أرض خير وإسلام.
بدأ ﷺ بسادات القوم الذين ينتهي إليهم الأمر، فكلمهم عن الإسلام ودعاهم إلى الله، فردوا عليه ردًا قاسيًا غير مؤدب.
فقالوا له: أما وجد الله غيرك ليجعله نبيًا اخرج من بلادنا، ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل أغروا به سفهاءهم ومجانينهم وحرضوهم على النبي ﷺ.
فلحقوا النبي ﷺ وسبوه وشتومه ورموه بالحجارة حتى أدميت قدماه فطردوه من الطائف حتى أصبح على حدودها فرأى بستانًا فذهب ليستريح فيه.
فجلس وهو ضائق الصدر شارد الفكر بلغ مبلغًا عظيمًا من الهم فأخذ يدعو الله ويقول:
فبعد أن انتهى من الدعاء سقط على وجهه الشريف، ولم يفق إلا وجبريل قائم عنده، يخبره بأن الله بعث ملك الجبال برسالة يقول فيها.
إن شئت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين، فأتى الجواب منه ﷺ بالعفو عنهم قائلاً: ( أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا ).
فعاد النبي ﷺ إلى بيته في مكة حزينًا كسيرَ النفس لم يستطع أن يَدْخُلْهَا إلاَّ في جوار مشرك، وهو المطعم بن عدي وذلك جاء بعد أن رفضت قريش..
إدخال النبي ﷺ إلى مكة لأنها اعتبرت ذلك خروج عن طاعتها واستعداء لها، فدخل النبي ﷺ في جوار المطعم ( الجوار هو مثل اللجوء السياسي ).
وفي هذه الظروف العصيبة والمحن المتلاحقة في الطائف وفيما سبقها من وثيقة المقاطعة والحصار، ووفاة سَنَدَي الرسول الكريم العاطفي والاجتماعي..
زوجته السيدة خديجة -رضي الله عنها- وعمه أبي طالب؛ في هذه الظروف وبعد أن ضاقت به الأرض من المشركين اتَّسعت له أفق السماء..
وجاءت معجزة الإسراء والمعراج تثبيتًا له ومواساة وتكريمًا؛ ولتكون بذلك منحة ربانيَّة تمسح الأحزان ومتاعب الماضي، وتنقله إلى عالم أرحب وأقدس..
وبينما كان رسول الله ﷺ نائمًا في بيته أتاه جبريل عليه السلام، فأخذه بعضده، وحينها قام رسول الله معه، فخرج معه إلى الخارج..
فإذا رسول الله يرى دابةً بيضاء غريبة الشكل اسمها "البراق" فركبها عليه الصلاة والسلام فانطلق مع جبريل إلى المسجد الأقصى فصلى فيه..
ثم عُرِج به إلى السماء فالتقى بالأنبياء وسلم عليهم واحدًا تلو الآخر، ثم جيء للنبي ﷺ من الجنة بإناء من لبن وإناء من خمر..
فشرب النبي ﷺ إناء اللبن وترك إناء الخمر فقال له جبريل: هُديتَ للفطرة، وهديت أمتك يا محمد! . ثم أخذ به ﷺ إلى سدرة المنتهى..
وهي ذات ظل ممدود وشاسع يفوق الخيال، وذات طعام لذيذ، وهي أيضًا ذات رائحة طيبة، وقد قال الرسولﷺعنها أنه "لا يستطيع أن يصفها أي إنسان من حسنها"
ثم بعد ذلك عاد عليه الصلاة والسلام على البراق إلى بيته في مكة وقد رأى من آيات ربه الكبرى.
وفي صباح اليوم التالي اجتمع الرسول الكريم في قبيلة قريش وأخبرهم بما حصل معه فقال نفر من قريش: القوافل تستغرق قرابة الشهر للسفر إلى الشام..
وأنت تزعم أنك ذهبت إلى بيت المقدس ورجعت في يوم وليلة؟ قال: نعم. فطلبت قريش من النبي ﷺ أن يصف بيت المقدس، فكان هناك جمع من قريش قد ذهب إلى..
بيت المقدس وشاهده، فبدأ النبي ﷺ يوصف لهم بيت المقدس حجرًا حجرًا زاوية زاوية كل معالمه وتفصيلاته ولم يستطع أحد من قريش أن يتكلم..
وبعد أن انتهى من وصف بيت المقدس قال لهم ﷺ إن لكم قافلة وصفها كذا وكذا قادمة من الشام وحدد لهم اليوم الذي ستأتي فيه..
وفعلًا أتت في نفس اليوم الذي قاله لهم نبينا ﷺ فصعقت قريشًا. لكن هل آمنت قريش بعد ذلك؟ أبدًا، فما زادهم ذلك إلا نفورًا وتكذيبًا.
وعندما سمع بعض الناس كلام النبي ﷺ ذهبوا إلى صديقه الخاص وصاحبه أبو بكر الصديق فقالوا له عن الذي قال الرسول ﷺ..
فقال لهم أبو بكر: والله لئن كان قال هذا الكلام لقد صدق، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة..
وبعد هذا الموقف العظيم الذي سطره أبو بكر في الإخلاص والتصديق لقب النبي ﷺ أبو بكر بن عثمان بـ"الصديق" فأصبح اسمه أبو بكر الصديق.
وفي العام ١٢ للنبوة أتى اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب من قبيلتي الأوس والخزرج إلى مكة فأسلموا على يد النبي ﷺ..
وكان ذلك في موسم الحج وعندما أسلموا عرض عليهم محمد ﷺ البيعة ونصها فوافقوا عليها، فكتبوا ذلك في صحيفة..
وبعد أن تمت البيعة وانتهى موسم الحج بعث النبي ﷺ مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام..
ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة شابا من شباب الإسلام، وهو مصعب بن عمير.
وحزم مصعب بن عمير حقائبه استعدادًا للذهاب إلى يثرب لبدء رحلته الدعوية مع هؤلاء الذين بايعوا النبي ﷺ وأشهروا إسلامهم.
فعندما وصل مصعب يثرب بدأ في دعوة الناس حتى أسلم جل أهل يثرب وتكاد لا تجد بيتًا في يثرب إلا وفيه على الأقل رجل مسلم وقد تم ذلك بسرعة رهيبة..
وبالتأكيد الكثير منا يتساءل عن سر إسلام أهل يثرب بهذه السرعة، في الحقيقة هنالك سببين رئيسيين جعلا أهل يثرب يسلمون بهذه السرعة..
أول سبب هو أن اليهود كانوا يهددون الأوس والخزرج -أهل يثرب- بأن هنالك نبي سيظهر قريبًا وعندما يظهر سيخرجونهم بقيادته من يثرب وسيقتلونهم..
وكان اليهود دائمًا ما يكررون هذه التهديدات لأهل يثرب الوثنيين، فعندما سمع أهل يثرب عنه ﷺ قال بعضهم: آمنوا بهذا النبي قبل أن تسبقكم يهود عليه
هناك سبب آخر ألا وهو طبيعة قلوب أهل يثرب الطاهرة الرقيقة غير المتكلفة التي كانت مضربًا للمثل فكانوا من أكثر الناس تأثرًا بالقرآن الكريم.
فهذان العاملان كانا مؤثرين في إسلام جل أهل يثرب على يد الداعية الشاب ذو الصوت الشجي مصعب بن عمير..
وبعدها أرسل مصعب بن عمير إلى النبي ﷺ يخبره بإسلام غالب أهل يثرب ففرح النبي ﷺ فرحًا شديدًا فأمره بأن يأتي وفد منهم الحج القادم.
وفي السنة ١٣ للنبوة ذهب وفد من الأوس والخزرج إلى الحج وكان يقرب عددهم ٧٣ رجلًا وامرأتان وعندما وصلوا إلى مشارف مكة اتصلوا بالنبي ﷺ سرًا..
وأخبروه بوصولهم واتفقوا مع النبي ﷺ على مكان الالتقاء وهو عند الجمرة الأولى من منى وكذلك اتفقوا على أن يكون هذا الاجتماع سرًا في ظلمة الليل..
وعندما حان الموعد تسللوا خفية إلى فوجدوا النبي ﷺ ومعه عمه العباس بن عبدالمطلب وقد كان العباس لم يسلم بعد ولكنه أتى نصرة لابن أخيه..
فبدأ الاجتماع بكلمة من العباس بن عبدالمطلب يشرح الوضع ويبين مدى ثقل المسؤولية التي سيحملها الأنصار في حال المبايعة:
وعندما انتهى العباس بن عبدالمطلب من كلمته رد عليه الأنصار فقالوا له: "قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت"..
وفي الحقيقة فإن جواب الأنصار يبين لنا مدى عزمهم وتصميمهم وشجاعتهم منقطعة النظير في طاعة النبي ﷺ وحمايته حماية مطلقة..
فبعد أن انتهوا تكلم النبي ﷺ وطلب منهم البيعة فقالوا له: علام نبايعك يا رسول الله؟ فقال لهم ﷺ تبايعونني على:
وبعد إقرار بنود البيعة وافق الأنصار بكل ثقة على بنود البيعة وبدأوا بعقد البيعة بمصافحة النبي ﷺ وبعد أن انتهوا من المبايعة..
أمر النبيﷺبجعل ١٢ رجلًا منهم نقباء وممثلين عنه في يثرب فجرت انتخابات بينهم فوقع الاختيار على عدد منهم فقال لهم ﷺ: أنتم كحواريي عيسى بن مريم.
وبعد أن انتهت البيعة حدث أمر خطير أحد المشركين رأى النبي ﷺ والمبايعين فصاح بأعلى صوت: "يا أهل مكة إن محمدًا ومن معه قد اجتمعوا على حربكم!"..
فذهب مسرعًا يخبر زعامات قريش بهذا الاجتماع الخطير، فقال أحد الأنصار وهو العباس بن عبادة: "إن شئت يا رسول الله أن نميلن عليهم بأسيافنا!"..
فقال النبي ﷺ: "إن الله لم يأمرنا بذلك ولكن اذهبوا إلى رحالكم" فذهبوا وناموا حتى أصبحوا على أصوات زعامات قريش في الخارج عند خيامهم..
وننوه إلى أن هنالك كثير من حجاج يثرب لم يسلم بعد ولازال على شركه وهؤلاء لم يكونوا يعلمون عن البيعة أي شيء..
وبينما كان أكابر قريش ومجرميها في الخارج خرج إليهم -المشرك- عبدالله بن أبي بن سلول ليعلم عن الأمر الذي جمع قريشًا أمام خيام أهل يثرب..
فبدأ أحد مجرمي قريش يشجب ويستنكر هذه الفعلة ويقدم احتجاجه الشديد على هذه البيعة فقال لأهل يثرب ما نصه:
فنفى مشركو يثرب هذا الأمر جملة وتفصيلًا وأنه غير صحيح وقد وصف عبدالله بن أبي بن سلول بأن هذا الكلام باطل وغير صحيح البتة..
وقد التزم المسلمون الصمت فلم يؤكدوا ولم ينفوا ما حدث، فصدق زعماء قريش كلام مشركي يثرب وعادوا إلى أدراجهم خائبين..
لكن زعماء قريش ليسوا بهذه السذاجة حتى يتيقنوا من الأمر فظلوا يتحسسون الأخبار ويدققون في الأمر حتى تأكد لهم بأنه فعلًا كان هنالك بيعة..
لكن اكتشافهم للأمر تم بعد عودة الحجاج لمدنهم وقراهم لكن هذا لم يمنع قريشًا من اللحاق بهم فأرسلوا بعض الفرسان وراءهم..
حتى رأوا اثنين من أهل يثرب قد تأخروا عن القافلة وهما سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فلحقوا بهما فأفلت المنذر منهم لكنهم أمسكوا سعدًا..
فضربوه وعذبوه وربطوه فشدوه إلى مكة فعندما رآه أحد زعامات قريش وهو المطعم بن عدي فك وثاقه كونه كان يحمي ويجير قوافله إذا مرت بيثرب..
هذه هي بيعة العقبة الثانية -التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى- وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء، والتناصر بين أشتات المؤمنين..
فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف في مكة، ويتعصب له، ويغضب من ظالمه، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه في الله..
لم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على مر الأيام، بل هو إيمان بالله وبرسوله إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم والعدوان.
فبعد أن تمت بيعة العقبة الكبرى ونجح الإسلام بإنشاء وطن له في وسط الصحراء أذن الرسول ﷺ للمسلمين بالهجرة إلى الوطن الجديد يثرب.
وبدأ المسلمون بالهجرة خفية والمشركون يحولون دون ذلك ويعطلون إجراءات الهجرة فهاهو صهيب الرومي عندما أراد الهجرة اعترضه مشركو قريش..
فقالوا له: لقد أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا، ثم بعد ذلك تريد الهجرة بمالك وبنفسك؟ والله لا يكون لك ذلك..
فقال لهم صهيبًا: هل إذا تركت لكم مالي تخلون سبيلي؟ فقالوا: نعم. فترك لهم أمواله فهاجر بدينه وبنفسه، فعندما علم النبي ﷺ بالقصة قال: ربح صهيب.
وبعد شهرين هاجر جميع المسلمين إلى يثرب ولم يبق بمكة إلا الرسول ﷺ وأبو بكر وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن أجبرهم المشركون على البقاء كرهًا..
وكان بقاء أبو بكر وعلي -رضي الله عنهما- بأمر النبي ﷺ، وأخذ النبي ﷺ يجهز للهجرة ويعد العدة حتى يحين أمر الله له بالهجرة إلى الوطن الجديد..
قريش تعقد اجتماعًا عاجلًا حيال موضوع الهجرة الذي حصل والذي أخطأت التقدير فيه كون أن هجرة المسلمين لحاضنة اجتماعية تشاركها في كل شيء..
وتهدد كيان قريش وزعامته ومركزه الديني والاقتصادي بين العرب لقد بدأ الاجتماع وقريش تعلم أن محمدًا -ﷺ- يجمع الدهاء والحنكة..
وغيرها من مواصفات القيادة وأيضًا فإن محمد ﷺ لديه أتباع يملكون العزيمة والطاعة والشجاعة والفداء، وهذا خطر حقيقي آخر..
وهنالك خطرين كذلك يضيفان قوة لرسالة محمد ﷺ هما الأوس والخزرج أهل الحروب والنوائب وموقع يثرب الذي تمر به قريش كلما ذهبت إلى الشام للتجارة..
لقد عرفت قريش أنها في خطر عظيم وكبير ويجب دفع هذا الخطر الذي منبعه وحامل لواءه محمد ﷺ، فقررت عقد اجتماع تاريخي في ٢٦ صفر في السنة ١٤ للنبوة.
لقد جاء يوم الاجتماع التاريخي لقريش وقد توافد إليه جمع من أكابر قريش وزعمائها، وأبرزهم:
لقد بدأ الاجتماع التاريخي في دار الندوة -مكان برلمان قريش- وتناقشوا عن السبل التي يستطيعون بها القضاء على الراية الإسلامية..
فلم يتفقوا على شيء محدد، وبعد مدة طُرِق عليهم باب قاعة الاجتماع ففتحوا الباب فإذا هو شيخ جليل كبير في السن فقالوا له: من الشيخ؟..
قال لهم: أنا شيخ من نجد لقد سمعت باجتماعكم هذا وإن لي رأيًّا أريد أن أطرحه لكم هلا أذنتم لي بالدخول؟ فقالوا: لا عدمنا رأيك ومشورتك تفضل..
فدخل ثم جلس معهم فسكت ليسمع آراءهم التي لم تعجب هذا الشيخ ولا أغلب أعضاء هذا الاجتماع فبعضهم يقول نحبسه والآخر يقول نخرجه من البلاد..
قال أبو جهل: إن لي رأيًّا حيال محمد هذا. قالوا: وما هو يا أبو الحكم -كان يسمى أبو جهل بأبي الحكم-. فقال: ما رأيكم بأن نأخذ من كل قبيلة فتى..
نأخذ فتًى قويًا وصلبًا ثم نعطي كل واحد منهم سيفًا صارمًا فينقضوا على محمد هذا ويضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه ويضيع بين القبائل..
فقال الشيخ: أحسنت! هذا هو الرأي ولا أرى غيره. فوافق أعضاء القبيلة بالإجماع على هذا الرأي الآثم الغاشم ..
وللمعلومية هذا الشيخ ليس من نجد ولا من الجزيرة العربية ولا من الإنس حتى، إنه "إبليس" بنفسه جاء متنكرًا من أجل أن يهدم هذا الدين الوليد..
وعندما تم أخذ القرار الغاشم بقتل النبي ﷺ نزل إليه جبريل بوحي من الله يخبره بمؤامرة قريش عليه وأخبره أيضًا بأن وقت الهجرة قد حان الآن..
وعليه أن لا ينام في بيته هذه الليلة، فذهب النبي ﷺ إلى صديقه أبو بكر الصديق ليخططان معًا مراحل الهجرة ويأخذان الاحتياطات اللازمة لكل عقبة..
فطرق النبي ﷺ باب أبو بكر وقت الظهيرة فقام أبو بكر مسرعًا وهو يقول: فداه أبي وأمي، والله ماجاء في هذا الوقت إلا لأمر جلل..
فأدخل أبو بكر النبي ﷺ إلى البيت وقال له: يا أبو بكر لقد أذن لي بالهجرة. فأبرما خطة الهجرة، ثم عاد النبي ﷺ إلى بيته منتظرًا مجيء الليل.
وأما في الجانب الآخر فإن أكابر قريش لم ينتظروا لأسبوع أو لغيره لتطبيق خطتهم الماكرة بل من بعد اجتماعهم بساعات وضعوا التفاصيل الدقيقة لخطتهم.
ثم بعد ذلك اختاروا فيما بينهم ١١ نقيبًا -ليقوموا بهذه الخطة التي يثقون بنجاحها- وهم:
وقبل موعد ساعة الصفر وقف أبو جهل بكامل خيلائه وهو واثق من نجاح خطته فيلقي كلمة يستهزئ بها بالنبي ﷺ فيقول:
وبعد هذه الكلمة أمروا بتطويق بيت النبي ﷺ وتشديد ذلك ومراقبة ما يحدث فلما جاء منتصف الليل والرسول ﷺ في بيته لم ينم..
وفي هذه الساعة الحرجة أمر النبي ﷺ ابن عمه عليًا رضي الله عنه بأن ينام في فراشه. ثم بعد ذلك خرج النبي ﷺ من بيته وهو يمر بين صفوف المشركين..
ولا أحد منهم يتحرك ولا يتكلم متسمرين في أماكنهم وأخذ النبي ﷺ حفنة من التراب فوضعها على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآية:
وفي خضم هذا المشهد العظيم كان هنالك رجل من المشركين واقف عند باب بيته لم يعلم بالموضوع برمته لكنه قد شاهد هذا الموقف واستغربه جدًا..
فذهب إلى المجموعة المحاصرة للبيت فسألها: لماذا تقفون هنا؟ فقالوا: ننتظر محمدًا. فقال: أما والله أنه خرج وذر التراب فوق رؤوسكم وأنتم تنظرون.
فقالوا: والله لم نبصره. ثم أزالوا التراب من على رؤوسهم. ثم بعد ذلك نظر أحدهم من نافذة النبي ﷺ فوجد رجلًا نائمًا فقال: والله إن هذا لمحمد.
فدخلوا البيت عنوة فاقتربوا من الفراش شيئًا فشيئًا فنزعوه فإذا هو علي بن أبي طالب فاندهشوا من ذلك فقالوا: أين محمد! فقال: لا علم لي به.
وفي الجانب الآخر فقد ذهب النبي ﷺ إلى بيت رفيقه أبو بكر الصديق ليصطحبه معه فدخل في البيت ثم تشاورا وبعد ذلك خرجا من الباب الخلفي..
فخرجا من حدود مكة، ومن دهاء النبي ﷺ وحنكته أنه لم يتجه مباشرة نحو الشمال إلى المدينة بل اتجه جنوبًا صوب اليمن لكي يراوغ قريشًا ويشتتها..
فاتجه جنوبًا ومعه رفيق دربه أبو بكر الصديق إلى جبل ثور فاختبأ الاثنان فيه لأجل انتظار فرصة سانحة تمكنهما من الهجرة.
لقد بات النبي ﷺ وصاحبه ٣ ليال، فكان ابن أبو بكر عبد الله يحضر لهما الطعام ويخفي آثاره بآثار الغنم التي كان يرعاها..
لقد جن جنون قريش عندما علمت بإفلات النبي ﷺ منهم وأول ما فعلوه هو ضرب علي بن أبي طالب وحبسه والتحقيق معه لعلهم يسحبون منه اعترافًا واحدًا..
وعندما خابت مساعيهم في سحب أي اعتراف، فقد عقدت اجتماعًا عاجلًا أعلنت فيه ما هو آت:
لقد حللت قريش الموقف ووجدت أن محمد ﷺ من الاستحالة أن يهاجر لوحده، ففكروا عن هوية الذي قد يذهب معه ولم يجدوا إلا أبو بكر فأسرعوا إلى بيته..
فطرق الباب أبو جهل ففتحت أسماء بنت أبي بكر الباب فقال لها: أين أبوكِ؟ قالت: لا أدري! .. فصفعها أبو جهل على خدها حتى سقط قرطها!
ثم بعد ذلك استعانت قريش بقصاصي الأثر والفرسان في كل حدود مكة المكرمة لكن كل ذلك لم يفد فهم، وفي أثناء بحثهم..
ذهبوا إلى جبل ثور فصعدوه وكانت أقدامهم أمام مرأى عيني النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر، لقد كان موقفًا يقشعر منه البدن.
لكنهم -ولله الحمد- نزلوا خائبين فقال أبو بكر للنبي ﷺ: والله لو أن رجلًا منهم طأطأ رأسه لرآنا، فقال له النبي ﷺ: ماظنك باثنين الله ثالثهما!
وعندما مرت ٣ أيام وهدأ الوضع نزلا من الجبل استعدادًا للذهاب إلى يثرب، فأول شيء عملاه هو استئجار رجل ماهر بالطريق وهو عبدالله بن أريقط.
فذهبا معه إلى طريق الساحل -بمحاذاة البحر الأحمر- وكان هذا الطريق لا يسلكه أحد إلا نادرًا وفي الطريق وجدهم سراقة بن مالك على فرسه..
فتوجه لهما سراقة بن مالك بسرعة ليقتلهما طمعًا بالجائزة فحتى إذا دنا منهم غاصت قدما الفرس في الأرض فنزل منها سراقة فوثبت ثم قامت كما كانت..
ثم يركبها سراقة مرة أخرى فيتوجه بها تلقاء رسول الله وصاحبه فإذا بالفرس تعيد الكرة وتغوص قدماها في التراب وهذا الأمر قد أرعب سراقة كثيرًا..
فطلب الأمان من النبي ﷺ فأعطاه الأمان وقال له: يا سراقة كيف وفي يديك سواري كسرى؟ يا سراقة اكتم أمرنا ولا تخبر به أحدًا، فعاد سراقة أدراجه..
وبعد فتح فارس وصلت الغنائم للمدينة وكان منها سواري كسرى فأمر عمر بن الخطاب إحضار سراقة بن مالك فلما حضر أعطاه السوارين تحقيقًا لوعد النبي ﷺ.
وخلال سير النبي ﷺ ليثرب جاء خبر لأهل يثرب بأن النبي ﷺ قادم إليهم فكان أهلها يصعدون كل صباح الجبال متشوقين لرؤيته وراجين وصوله بالسلامة..
فإذا احتمت الشمس نزلوا من الجبال وعادوا إلى بيوتهم على أمل بأن يروا حبيبهم غدًا، وفي صباح يوم كانوا يترقبون مجيئه فداهمتم الشمس ونزلوا..
إلا يهودي واحد كان يترقب وفي لحظة شاهد هذا اليهودي رجلين يغطيهما السراب فنزل سريعًا من الجبل وصرخ بأعلى صوته وقال:
فأسرع الأنصار مبتهجين يستقبلون النبي ﷺ وعندما صعدوا الجبل رأوا رجلين لكن لا يعرفون أيهما النبي ﷺ وأيهما أبو بكر صديقه..
فمكثوا قليلًا حتى رأوا أحد الرجلين يظلل الآخر بقطعة من القماش عن أشعة الشمس عندها علموا أن صاحب القماش هو أبو بكر والمظلل عليه هو نبيهم ﷺ..
وعندما اقترب منهم النبي ﷺ هتف الأنصار نشيد الحب ونشيد الأباء يا لها من مشاعر عظيمة وجياشة.
وبعد هذه المشاعر العظيمة من مسلمي المدينة نزل النبي ﷺ بدار أبي أيوب الأنصاري، وأول قرار اتخذه النبي ﷺ هو بناء المسجد النبوي..
وقد ساهم النبي ﷺ بالبناء بنفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة بيديه الشريفتين ويردد:
اللهم لا عيشَ إلا عيشَ الآخرة .. فاغفر للأنصار والمهاجرة!
وكان هذا الترديد يزيد من حماس الصحابة الكرام فيرد أحدهم ويقول:
لئن قعدنا والنبي يعملُ .. لذاك منا العمل المضلل!
وكان من أسباب بناء المسجد أن يكون مَجمعًا للمسلمين يتعلمون فيه تعاليم الإسلام، وكذلك أن يكون جامعًا لكل مشرد وفقير ولاجئ من ظلم وعدوان قريش.
وبعد أن انتهى البناء قام ﷺ بمؤاخاة المهاجرين والأنصار، وهذه المؤاخاة هي أن تسقط فوارق النسب واللون والوطن وتكون التقوى والمروءة هي المقياس..
وقام النبي ﷺ بعقد معاهدة بين المهاجرين والأنصار أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، وهذا ملخص لبعض البنود:
وبهذه الحكمة والعبقرية الفائقة أرسى الرسول ﷺ قواعد مجتمع جديد، وكان النبي ﷺ يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس والحث على مكارم الأخلاق.
ومن الأمثلة على ذلك سأل رجل النبي ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف.

جاري تحميل الاقتراحات...