🇸🇦خالد بن عبدالرزاق آل كمال
🇸🇦خالد بن عبدالرزاق آل كمال

@Khalid_Al_Kamal

19 تغريدة 6 قراءة Aug 25, 2024
1
لا مانع من بعض الفلسفة - علم الاجتماع ..
أنثروبولوجيا الحواس:
العالم بمذاقات حسية" لعالم الاجتماع الفرنسي ديفيد لوبروطون:
الحواسّ تصنع العالم
يس لدى الإنسان من سبيلٍ آخر للوجود غير الإحساس بالعالم، وأن يظل عرضة لعمليات اختراقه ولتغيراته. العالمُ انبثاقٌ لجسم يخترقه،
2
إذ أن ثمة حركة دائبة تتم بين الإحساس بالأشياء والإحساس بالذات. فقبل الفكر ثمة الحواس. والقول مع ديكارت: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، يعني تجاهل الانغماس الحسي للإنسان في العالم. أما قولنا “أحس إذن أنا موجود” فهي طريقة أخرى للقول بأن الشرط الإنساني ليس كله روحانياً،
3
وإنما هو قبل كل شيء جسدي.
تفترض أنثربولوجيا الحواس الانصياع للانغماس في العالم، أي أن يكون المرء داخله لا أمامه، من غير أن ينفصل عن الحسّية التي تُغذّي الكتابة والتحليل. الجسد فورانٌ للمحسوس؛ وهو يندرج في حركة الأشياء ويمتزج بها بكامل حواسه.
4
وبين بدن الإنسان وبدن العالم ليس ثمة من قطيعة،
وإنما ثمة استمرارية حسية دائمة الحضور. والفرد لا يعي بذاته إلا من خلال فعل الإحساس، وهو يحس بوجوده بالأصداء الحسية والإدراكية التي لا تكفُّ عن اختراق كيانه.
البدايةُ السريعةُ للإحساس تكسِّر رتابة الشعور بالذات.
5
والحواس عبارةٌ عن مادةٍ تَصْنع المعنى؛ وهي في وجودها على خلفية عالمٍ لا ينضب عن السّيلان، تشكّل تكتُّلاتٍ تمكِّن من جعل ذلك العالم معقولاً. قد نتوقَّف عند إحساسٍ يكون له معنى أكثر من الإحساسات الأخرى بحيث يفتح أسرار الذكرى أو الحاضر،
6
غير أن الجمَّ الوفير من المحفِّزات تخترقنا في كل لحظة وتنزلق في مجْرى اللامبالاة. إن صوتاً أو نكْهةً أو وجهاً أو منظراً أو عطْراً أو تماسّاً جسدياً يفتح أمامنا الإحساس بالحاضر وينعش وعياً بالذات يكون غافياً طيلة اليوم، إلا إذا كان المرء منتبهاً باستمرار للمعطيات المحيطة به.
7
العالم الذي نعيش فيه يوجد من خلال البدن الذي يسير نحو لقائه.
إن إدراكاتنا الحسية، المتشابكة مع دلالات معينة، ترسم الحدود الغامضة للمحيط الذي نعيش فيه، وهي تُعبّرُ عن مداه وعن نكهته. كما أن عالم الإنسان هو عالم البدَن، وبناءٌ تولَّد عن حسِّيته التي تُصفّيها شروطه الاجتماعية والثقافية
8
وتاريخه الشخصي وانتباهه لوسطه.
الجسد، المنتصب بين السماء والأرض، باعتباره فرشةَ هوية الإنسان، هو المصْفاة التي بها يتملّك ماهية العالم ويجعلها ماهيته بواسطة أنظمة رمزية يتقاسمها مع أفراد مجموعته. الجسد هو الشرط الإنساني للعالم؛ وذلك المكان،
9
ذو الدَّفْق المستمر للأشياء، يتوقّف في صورة دلالات دقيقة أو في شكل أجواء،
ويتحول إلى صور وأصوات وروائح وأنسجة وألوان ومناظر…. الخ. الإنسان في الرابطة الاجتماعية يُشارك لا فقط بحصافةِ فكره وأقواله وأفعاله، ولكن أيضا بسلسلة من الحركات والإيماءات التي تساهم في التواصل،
10
من خلال الانغماس في الطقوس العديدة التي تتخلَّل سيولة اليومي.
إن كافة الأفعال التي تشكل نسيج الوجود، حتى التي لا تُدرَك منها، تُدخل الجسد في وجيهته.
الجسد ليس شيئا مُصطنعاً أو قالباً يحوي إنساناً عليه أن يمارس وجوده بالرغم من هذا العائق.
11
إنه على العكس من ذلك، فبما أن الجسد في علاقة عناقٍ دائمة مع العالم، فهو يرسم دروبه ويجعل استقباله مِضْيافاً. “وهكذا، حين نُجاوز الفكرة المسبقة للعالم الموضوعي، فإن ما نكتشف ليس عالماً باطناً بهيماً”. إنه عالمٌ من الدلالات والقيم،
12
عالمٌ من التواطؤ والتواصل بين الناس الحاضرين وبين وسطهم.
بالنسبة لنا شيءٌ يمكن بشكل أساسي أن نصنع له صورة.البصر يمارس سلطة على الحواس الأخرى في مجتمعاتنا الغربية، فهو المرجع الأول. لكن مجتمعات أخرى، عِوَضَ الحديث عن “رؤية للعالم
13
” تتحدث عن “تذوق” العالم و”لمسه” و”سمْعه” أو “شمه”، وذلك لتعبير أناسها عن طريقتهم في التفكير أو الإحساس بعلاقتهم بالآخرين كما بالمحيط.
نظرًا للظروف الطبيعية التي تحد من إمكانية الإبصار لدى الإسكيمو في المحيط الفريد للشمال الكبير، لا يتحدثون عن الفضاء بمفهومه البصري،
14
بل يولون أهمية أكبر للسمع والشم؛ لأن العالم لديهم خُلق من صوت، فتنصاع جغرافيتهم للتغيرات الجذرية التي تأتي بها الفصول وطول الليل والنهار والثلج والجليد؛ التي تحد من فاعلية الرؤية، وتمد في فاعلية السمع؛ ذلك لأن العالم لا يمنح نفسه إلا في شكل محسوس،
15
وكل شيء في الروح يكون قد مر أولًا بالحواس حسب ميرلوبونتي؛
لأن الجسد مثل اللسان، منبع مستمر للدلالات، غير أن الإدراكات الحسية تظل رهينة بالرمزيات المكتسبة. وللغة في بلورة الإدراكات دور حاسم، على الرغم من صعوبة ترجمة الإدراكات الحسية إلى كلمات.
16
نركز على البصر في علاقتنا بالعالم، وهو ما يجعل العمى أسوأ العاهات، غير أن البصر هو حاسة السطح وحده، حاسة ساذجة لأنها محبوسة في المظاهر، على عكس الشم والسمع، غير أنه من اللازم، على الرغم من ذلك، تعلم الرؤية؛ لأنها تمكن من النظر، لأن كل بصر تأويل ومنهج وفكر،
17
يظل متشبعًا بالقيم الأخلاقية والثقافية.
وبينما يخترق الصوت الإنسان، كما يخترق الإنسان ممرات له في صخب العالم الهادر، ويظل السمع هو الحاسة الجامعة للرابطة الاجتماعية؛ لأنه موطن اللغة، والحاسة التي تبرز حين يغيب البصر،
18
وهو ما يمنح كثافة العالم لحمَه ودمه. فبالصوت الجماعي يحس الإنسان بقوة الانتماء، في هتافات الجماهير وشعاراتها، يفصح عما وراء المظاهر، وينسج وجوده في سيلان الزمن؛ فحين تكون الرؤية مستحيلة يصير كل مسموع معلومات مهمة.
19
المصدر: دافيد لوبرتون، أنثروبولوجيا الحواس: العالم بمذاقات حسية»، ترجمة: فريد الزاهي، الطبعة الأولى 2020م.
انتهى
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...