د. عبدالعزيز الشايع
د. عبدالعزيز الشايع

@aamshaya

22 تغريدة 79 قراءة Jun 20, 2024
#ذكريات_الحج
١-في الحج قبل أكثر من ٣٠ سنة، حضرت إلى مخيم العلامة #ابن_عثيمين -رحمه الله- فوجدت خيمة فيها أربعة شباب، وبينهم شيخ لا أعرفه، فسلمتُ وجلستُ معهم.
فقال لي ذلك الشيخ: تريد شيئا..عندك سؤال.
فقلت: لا، أنا أريد الشيخ ابن عثيمين.
فلما خرجت أُخبرت أن ذلك الشيخ الذي لم أعرفه هو العلامة #الفوزان متعنا الله به، وكنت أسمع بالشيخ الفوزان وأقرأ له، ولم ألقه.
يتبع
٢-ثم جئت من الغد، فلقيت الشيخ #ابن_عثيمين ومعي "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية، وكنت قد اشتريتها من مكتبة الباز بمكة.
وكانت أوائل الكتب لذلك الجيل من مكتبة الباز، كنا ندخر ونجمع لأجل شراء الكتب من مكتبة الباز التي عند المروة، عند الذهاب للحج أو العمرة،
وكان الكتاب مفتوحا على موضع السؤال
فأخذ الشيخ مني الكتاب، وقال مباشرة: لا تحرص على هذه!
فقلت: وش لون، توني شاريه! (ظننته يقصد الكتاب)
فقال: لا تحرص على طي طرف الورقة لجعلها علامة على الفائدة فإن ذلك يتلف الورق مع الزمن :)
٣-وسألته عن شبك الإزار في الإحرام بمشبك أو أكثر، وكنتُ قد فعلته في لباس الإحرام، فقال لي: هذا لا بأس به، ما فيه شيء.
وكان هذا قبل ظهور ما يسمى ب(إحرام التنورة)،
فلما ظهر (الإحرام المتصل)، أجازه الشيخ ابن عثيمين. والمسألة فيها خلاف مشهور معروف لدى أهل العلم وطلبته.
وكان الناس يشترون لباس الإحرام ولوازمه من (الميقات)، وكانوا إلى وقت قريب ينامون في الميقات، ويطبخون غداءهم وعشاءهم فيه.
(فائدة):
الإحرام: هو نية الدخول في النسك.
لباس الإحرام: الإزار والرداء.
والعامة تسمي (لباس الإحرام) (إحراماً)، والخطب سهلٌ.
٤-وكانت هذه أول حجة لي مع بعض الشباب من الأقارب والأصحاب، وكان عمري ( ١٧ سنة)، وكان معنا سيارتان:
-(ددسن -غمارة)، أذكر أن كفراتها ممسوحة من كثر السير عليها، والحافظ الله.
-(هايلكس-غمارتين) للشيخ عبدالعزيز الجليل -الأخ الأكبر للقارئ الشيخ خالد الجليل- أعارها لنا لنحج عليها، ولم يحج معنا.
وكانت إعارة السيارة للحج في ذلك الوقت أمراً معتاداً وكثيراً.
٥-كان انطلاق رحلتنا للحج من حي ظهرة البديعة بالرياض.
(مسألة وحكاية): الفقهاء يقولون: "مَن ملك زاداً وراحلة، وهو عاقل بالغ، وجب عليه الحج".
وكانت السيارة هي راحلتنا، ومطاعم الطرق المتواضعة هي زادنا والحافظ الله.
أذكر توقفنا عند أحد المطاعم، وكان معنا شابٌ يحب الغداء المالح، ويحب الشاي الحالي، فقال له صاحبه ممازحاً، -وكان حاذقاً ذكياً-: كأنك (نملة قصبية).
(سؤال): معشر المتابعين الكرام: مَن يفهم هذا التعريض (نملة قصبية)، فهو ذكي حاذق، يصلح لحل مشكلات المسائل، واستنباط دقائق الأحكام؟
٦-وصلنا إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة، وأخذنا عمرتنا، ثم خرجنا مباشرة إلى منى، وبكرنا بالخروج إلى منى، لاختيار المكان المناسب لنا، وكان الحال أن من جاء مبكراً، اختار المكان الأفضل، وكان هذا قبل قيام حملات الحج الرسمية.
اتجهنا إلى آخر منى، قبل وادي محسر، عند جسر الملك عبدالعزيز، ونصبنا خيمتنا هناك ، وكان الغالب على حجاج الرياض الإقامة عند جسر الملك عبدالعزيز، لبعده عن الجمرات، التي يكثر عندها الافتراش، ومرور الناس وترددهم. وكان بيننا وبين الجمرات نحو ( ٣ كيلو).
وحدود منى: من وادي محسر إلى جمرة العقبة الكبرى.
٧-كنا نمر على مخيم سماحة الشيخ ابن باز في طريقنا لرمي الجمار -ومن توفيق الله، أن مخيم الشيخ كان على طريق ذهابنا وإيابنا- وندخل ونصلي مع الشيخ، ونجلس لاستماع أجوبة الشيخ على أسئلة الحجاج، وكان الشيخ قد خصص لذلك خيمة كبيرة كالسرادق، وكان الشيخ يجلس في أوقات متفرقة وطويلة للإجابة على الأسئلة.
وكان الشيخ يجلس للناس في الحج، في كل سنة، على مدى أكثر من ٥٠ سنة.
ولو دُونت هذه الفتاوى وحفظت، في جميع هذه السنوات، لجاءت فتاوى الحج والعمرة فقط، في نحو ( ٣٠ مجلدا) وأكثر.
٨-كان التنقل بين منى وعرفة، ثم عرفة ومزدلفة، ثم مزدلفة ومنى، بسيارتنا (الهايلكس) -التي استعرناها من الشيخ عبدالعزيز الجليل كما تقدم-، وكانت السيارات الصغيرة تدخل للمشاعر المقدسة، ثم بعد ذلك بسنة أو سنتين مُنع دخول السيارات الصغيرة للمشاعر، وقُصر الدخول على السيارة التي تحمل تسع ركابا فصاعداً (كالجمس)، ثم قُصر ذلك على (الباصات) فقط، مع الحملات الرسمية.
٩-كان تواصلنا مع أهلنا في الرياض عن طريق (هاتف العملة) بواسطة (القروش): نصف ريال معدن، وريال معدن.
وكانت التواصل معهم كل يومين، أو ثلاثة، لبعد (هاتف العملة) عنا، وعدم توفر (العملة) معنا.
واليوم يكلم الحاج أهله في أي ساعة من ليل أو نهار.
١٠-في تلك السنة، وقعت حادثة الشغب الشهيرة بمكة -حرسها الله-، وتصدى لها جنودنا بحزم وقوة، وكانت الحادثة في اليوم السادس أو السابع من ذي الحجة، ووصل الخبر للرياض وسائر البلاد، وقَلِقَ أهلنا علينا، ولم نعلم بها ونحن في (منى) إلا لاحقاً، لعدم وجود وسائل تواصل.
فلما جاء اليوم العاشر يوم العيد، اتصلنا نحن الشباب بالأهل للسلام والمعايدة عن طريق (هاتف العملة)، فأخبرونا بتفاصيل الحادثة، وقلقهم علينا، فذكرنا لهم أن كثيراً من الحجاج في (منى) لم يعلموا بالحادثة.
١١-في يوم من أيام التشريق أصابني عارض صحي معتاد في الحج، فذهبت إلى المركز الصحي التابع للحرس الوطني، وكان قريباً من خيمتنا، وكان بالمركز عدد من الأطباء، وكانوا يجلسون في خيام وغرف مفتوحة، وعندما وقفت عند الطبيب، إذ بالجند والحرس يدخلون المركز ويصطفون، فغشيني ما غشيني، فإذا بالملك عبدالله -عندما كان وليا للعهد-، يدخل ومعه الأمراء سلطان وبدر وغيرهم لا أذكرهم الآن، وسلّم علينا واطمأنَّ علينا، وعلى أوضاع المركز، وسكن الروع.
وكان من عادته-رحمه الله- المرور على المرافق التابعة للحرس للإشراف والسلام والمعايدة.
تتمة وقائع #ذكريات_الحج (وهي الرحلة الأولى للحج ) الليلة -إن شاء الله-.
دمتم بخير وعافية.
١٢-جلسنا إلى اليوم الثالث عشر، ولم نتعجل، ولم يكن شأن التعجل في الحج في تلك الأيام مشهور بين أهل العلم وطلبته، ولا مطلوباً مقصوداً، بل كان الغالب يرغبون في التأخر.
وكانت (منى) شبه خاليه من الحجاج، والحركة المرورية، فذهبنا لرمي الجمار بسيارتنا الصغيرة، من جسر الملك عبدالعزيز إلى جسر الجمرات القديم، وصعدنا جسر الجمرات بسيارتنا (الهايلكس).
١٣-وكان مخيم الشيخ ابن عثيمين في تلك السنة، قريبا من الجمرات، فمررنا عليه-نحن الشباب- للسلام، والتزود من الجلوس مع الشيخ، وأذكر أني دخلت المخيم، فوجدته واقفاً مع جملة من تلاميذه يماشيهم ويضاحكهم، وقد فرغوا قريباً من وجبة الغداء، فسألته عن مسألة موافقة العيد ليوم الجمعة، وإجزاء صلاة العيد عن صلاة الجمعة، فقلت له: يعني ما يصلي شيئا في الوقت ؟!
فقال: لا لا، بل يصليها ظهرا في بيته، هذا ما فيه خلاف، أو ما ينبغي يكون فيه خلاف.
وكان لقاء الشيخ ابن عثيمين في هذه الرحلة، أول لقاء به -رحمه الله-.
١٤- في ذلك الزمان، لم يكن هنالك ظهور لأحد من طلبة العلم الكبار المعروفين اليوم.
وكان عامة الناس لا يصدرون إلا عن الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين وأمثالهما.
فالقول قولهما، وعمل الناس على فتاويهما.
١٥-كانت جمرة العقبة (الجمرة الكبرى) متصلة بجبل صغير منذ القديم، وكان الناس يرمون الجمرة من جهة واحدة، ثم أزيل الجبل قبل مدة، وجُعل مكانه جدارٌ متصل بها، وأصبحت الجمرة نصف دائرة، ثم أزيل الجدار، وصارت جمرة العقبة على ما هي عليه اليوم.
١٦-بعد رمي جمرة العقبة، انحدرنا بسيارتنا من جسر الجمرات إلى للحرم لطواف الوداع، وأوقفناها قريبا من الحرم، وتواصينا على عدم التأخر.
فقلت لصاحبي: ما رأيك لو ذهبنا لمكتبة الباز -التي عند المروة- نشتري ما تيسر من الكتب، ثم نعود لطواف الوداع؟ فوافقني.
وفي ذلك مجازفة لأننا سنتأخر، ونؤخر الرفقة؟!
١٧-ذهبنا لمكتبة الباز، وذهب بقية الرفقة لطواف الوداع!
كان يبيع في مكتبة الباز فاضلان من اليمن، أحدهما من أسرة المعلمي من بني عمومة العلامة عبدالرحمن المعلمي رحمه الله.
وقد أخبرني فيما بعد أن العلامة المعلمي كان يمر بهم في طريقه لمكتبة الحرم المكي عندما كانت عند الصفا.
١٨-كانت المكتبة تزخر بالمطبوعات والمصورات، وغالب مطبوعاتهم في ذلك الوقت نصوص دون تحقيق وتعليق، وعامتها من طبعات دار الكتب العلمية.
ولم نكن نعرف -نحن الشباب- في ذلك الزمان والعمر إلا مكتبة الباز.
ومن الكتب التي اشتريتها في تلك الرحلة، كتاب "البداية والنهاية".
١٩-لما فرغنا من شراء الكتب، ذهبنا للسيارة، ووضعنا الكتب في صندوق السيارة، ثم أسرعنا إلى الحرم لأجل طواف الوداع، فإذا برفقتنا قد قابلونا من بعيد، قد فرغوا من الوداع، فقلت لصاحبي: نذهب من طريق آخر، حتى لا يغلظون علينا في العتاب.
فدخلنا الحرم لطواف الوداع، وكان الزحام شديدا.
فلما حضر الرفقة إلى السيارة، ووجدوا الكتب، تعجبوا من ذلك! ولما تأخرنا عليهم، فطنوا أن هذه الكتب لي ولصاحبي، قد اشتريناها قبل الطواف!
٢٠-أسف الرفقة على هذا التأخر، وقال أحد الأصحاب وكان جريئا: لو ذهبنا للرياض الآن، وتركناهما يدبران أمرهما، لأنهما تسببا في هذا التأخير؟!
فلما جئنا إليهم بعد نحو ساعتين، وجدنا الوجوه متغيرة، والعتاب شديد، وقد تحملنا ذلك لأجل الكتب.
فلما شرعنا في طريق العودة هدأت النفوس، وعاد الصفاء، والحمد لله رب العالمين.
(خاتمة): كثير من الناس يحبون حكاية الوقائع، والسرديات، ويفضلونها كثيراً على المقالات الأدبية، لأنها تاريخٌ لم يشهدوه، والنفوس متطلعة لذلك.
ومن الشواهد على ذلك ما ذكره العلامة الرحالة العبودي:
المقالات الأدبية التي كنا نتعب في إعدادها، لا تكاد تطلب اليوم، والحوادث والوقائع التي كنا نَعدها من السواليف، أصبحت تاريخاً مطلوباً.
تصويبات:
-(حاله) الصواب: (حالة).
-(تسع راكبا) الصواب : (تسعة ركاب).
-(مشهور) الصواب: (مشهوراً).
-(شبه خاليه) الصواب: (شبه خالية).
-(حتى لا يغلظون) الصواب: (حتى لا يغلظوا).
-(العتاب شديد) الصواب: (العتاب شديدا).
-(إلى للحرم) الصواب: (إلى الحرم).

جاري تحميل الاقتراحات...