خالد الدخيل
خالد الدخيل

@kdriyadh

4 تغريدة 1 قراءة May 31, 2024
لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت.
في عام ١٩٤٥، وتحديدا في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، طلب الرئيس الأميركي روزفلت الاجتماع بأهم ثلاثة ملوك في المنطقة. الملك عبدالعزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة، والملك فاروق ملك مصر، والإمبراطور هيلا سيلاسي، ملك الحبشة. لم يتوفر لي إلا سجل اللقاء بين الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت الذي نشره الكولونيل إيدي، بناء على أنه الذي تولى ترجمة الحوار بين الملك والرئيس. وقد رأى الكولونيل إيدي عام ١٩٥٣، أي بعد حوالي عشر سنوات من اللقاء التاريخي، أن ينشر ما دار بين الزعيمين. كان هدف روزفلت من اللقاء شرح الكارثة التي تعرض لها يهود ألمانيا أثناء الحرب العالمية والتي إنتهت بما يعرف الهلوكوست. وأن اليهود يرون أن مخرجهم من تلك الكارثة يكمن في ترحيلهم إلى فلسطين بعد ألفي سنة من هجرتهم منها. كان روزفلت يريد موافقة الملك على فكرة نقل اليهود إلى فلسطين. لكن الملك رفض ذلك تماما. قال الملك للرئيس حينها ما ذنب فلسطين في كل ما حدث لليهود في ألمانيا؟ الألمان هم الذين ارتكبوا جريمة الهلوكوست، لماذا تدفع فلسطين وأهل فلسطين الثمن؟ فلسطين بلد صغير وفقير وأخذ أكثر من نصيبه من مهجري الحرب، فما مبرر إضافة ٣ ملايين يهودي إلى ذلك؟ رد الرئيس قائلا: إن اليهود يخشون على أنفسهم من أن يعود الألمان ويرتكبون الجريمة ذاتها بعد نهاية الحرب بسنوات. عندها قال الملك: لماذا إذن ذهبتم إلى حرب عالمية لن تضع حدا للمشكلة إذا كان السلوك الألماني لن يتغير؟ قال الرئيس أنت لا تساعدني بهذا الموقف يا جلالة الملك. فقال له الملك لا استطيع أن أساعدك في هذه المسألة. الذي ارتكب الجريمة هو من يجب أن يعاقب، وليس من لا علاقة له بالجريمة لا من قريب ولا من بعيد. اللافت أن روزفلت في نهاية اللقاء تفهم موقف الملك واحترمه على صدقه وصراحته معه. كانت السعودية حينها بلدا فقيرا. مع ذلك اتخذ الملك موقفا سياسا نابع من رؤيته للأحداث وما قد يترتب عليها من تبعات، ومن مسؤولياته كقائد لدولة فتية لها مكانتها ومسؤولياتها في العالمين العربي والإسلامي.
في نهاية اللقاء تعهد روزفلت بأنه لن يتخذ قرارا بشأن المسألة اليهودية إلا بعد التشاور مع العرب. وقد أكد ذلك في رسالة بعث بها للملك بعد عودته لبلاده. لكنه توفي بعد اجتماعه بالملك بحوالي ستة أشهر. وخلفه الرئيس ترومان الذي قال أنه لا وجود في السجلات الأميركية لأي أثر لرسالة بعث بها روزفلت للملك. عندها صرح الملك عبدالعزيز بأنه سوف ينشر الرسالة كما ذكرت ذلك صحيفة النيويورك تايمز حينها. وبالفعل نُشرت الرسالة، ونقلت النيويورك تايمز مضمون هذه الرسالة في عددها الصادر في ١٩ أكتوبر ١٩٤٥. الشاهد هنا أنه بعد مرور ٧٩ سنة على موقف الملك أثبتت الأحداث صحة ذلك الموقف السعودي والمخاوف التي انطلق منها الملك برفضه حل المسألة اليهودية بنقل يهود ألمانيا إلى فلسطين. وقد أثبتت الأحداث منذ ١٩٤٨ بعد نظر الملك للأحداث حينها، وكارثية الحل الذي فرضه الغرب لحل المسألة اليهودية، وما ترتب على ذلك من تبعات كارثية على الإستقرار والسلام في المنطقة.
في هذا السياق التاريخي، وبعد ٧٦ سنة على قيام إسرائيل ليس غريبا أن موقف الرياض من اقامة علاقة مع إسرائيل مشروط بقيام دولة فلسطينية ضمن حدود ١٩٦٧، وعاصمتها القدس الشرقية، كما جاء في آخر بيان لوزارة الخارجية السعودية. يتسم هذا الموقف أولا بالتزام المملكة بمقتضيات القانون الدولي، وبالمسؤولية حيال حقوق المملكة ومسؤولياتها التي تفرضها مكانة المملكة ودورها العربي والإسلامي، وفي مقدمة ذلك حق الشعب الفلسطيني في دولته، وهو الطرف الثاني في القضية. ويأتي كل ذلك في هذا الظرف التاريخي بوحي من موقف المؤسس ورؤيته للقضية قبل ٧٩ سنة أثناء اجتماعه بالرئيس روزفلت.
في عام ١٩٤٥ رفض الملك عبدالعزيز حل المسألة اليهودية، وهي مسألة أوروبية محض، بترحيل يهود ألمانيا إلى فلسطين، كما رأى ذلك الرئيس الأميركي روزفلت أثناء اجتماعه بالملك. أما وقد فُرضت إسرائيل على المنطقة فرضا، فلا يسع الرياض والحال كذلك إقامة علاقة مع إسرائيل من دون دولة فلسطينية ضمن حدود ١٩٦٧، وعاصمتها القدس الشرقية.

جاري تحميل الاقتراحات...