AlBaheth | الباحث
AlBaheth | الباحث

@Al_baheth

10 تغريدة 5 قراءة May 05, 2024
أولا -وقبل كلّ شيء- هناك نقطة لا يريد البعض أن يستوعبها؛ فقد اعترض البعض بأن الإشكال حول الاختلاف في تفاصيل الإمامة ولزوم الفتنة= لا يلزم منه إبطال أصل الإمامة ولا يلزم منه أن تكون الإمامة من أصول الدين!!
والحقّ أن هذا كلام من لم يفهم الإشكال المطروح؛ فمع التسليم بأنّ الإمامة من أصول الدين ومع التسليم بكونها من الفروع، يتفق الجميع -الشيعة ومخالفوهم- على أنّ الإمامة مشرّعة لإقامة الدّين وحفظ حوزة المسلمين وتوحيد كلمتهم في الأرض ونشر الدّين بالحقّ -كما أقرّ بذلك صاحب التغريدات-، وهذا يعني أن الدّين قد شرّع الإمامة على نحو يحقّق هذا المقصد؛ وإلا لزم نقض المشرّع الإسلامي للمقاصد التي بنى على تحقيقها وتحصيلها.
وعلى هذا إن كانت نظرية تشريع الإمامة المطروحة في مذهب من المذاهب مُفضية إلى الفساد وتفرّق الكلمة = كانت باطلة لا تصحّ نسبتها إلى الشارع.
والذي ندّعيه أن عدم انضباط نظرية الإمامة عند المخالف من جهة فقدان الأدلّة على أصل المشروعية، ومن جهة فقدان الأدلّة على شروط الإمام، ومن جهة فقدان الأدلّة على شروط أهل الحلّ والعقد عدداً وصفةً الأمر الذي يفتح بطبيعته باب الاختلاف فيما شرّعه الله لأجل رفع الاختلاف = كاشف عن بطلان هذه النظرية قطعا؛ ولا علاقة للأمر بموضوع كون الإمامة من الأصول أو الفروع.
وأمّا بالنسبة للردّ فقد قرأناه كاملا ولا نرى حاجة للتعليق على جميع الجزئيات التي ذكرها؛ إذ يمكن للقارئ ملاحظة ضعف الأجوبة المذكورة، وإقرار المخالف بغياب الأدلة على بعض المسائل.
وأمّا القول بأنه لا يجب على الله مراعاة المصالح وبيان هذه الشروط للأمّة فليس الكلام من باب الوجوب على الله أصلا، وإنما الكلام في ابتناء التشريع الإسلامي على مقصد يقتضي أن يكون الحكم محقّقا له، وإلا لزم انتقاض بيانات الشّارع المبيّنة للمقاصد، وهو مما لا يُظن بمسلم عاقل التزامُه.
ومن هنا نقول بأنّ من التزم تسويغ الشّارع الاختلاف في مسائل الإمامة والاجتهاد في كيفيّة انعقادها وإن أدى ذلك -كما وقع ذلك- إلى تفرّق كلمة المسلمين ووقوع المفاسد وفوات المصالح تحت ذريعة الاجتهاد = التزم بانتقاض مقصد الشارع، وإن لم يلتزم بذلك بأن التزم بأن المقصد من الإمامة هو جمع الأمّة على إمام واحد متعيّن يقودها إلى الحق ويرفع الفتنة في الأرض= فهو الذي نريد؛ ولا يمكن تحصيل هذا المقصد إلا بنظريّة واضحة المعالم لا تقبل الاختلاف المنافي للمقصد، وهو أمر لا واقع له في المذاهب الأخرى.
ونحن بدورنا سوف نلخّص الإشكالات على نقاط لإبرازها للقارئ وبيان أننا ما زلنا مصرّين على ما ادّعيناه وأنّ القوم لم يأتوا بشيء يدفع ما ذكرنا:
١- عدم وجود حديث واحد عند أهل السنة يوجب على الأمّة نصب خليفة عليها؛ وأمّا وجود أحاديث تأمر بطاعة الخليفة فهذا لا يساوق وجوب نصب خليفة على الأمّة كما هو واضح، بل لا حاجة لذكر ما يدل على وجوب الإطاعة أصلا؛ فإن الحكم ظاهر في كتاب الله، قال -عز من قائل- "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
وأمّا الأحاديث التي ذكرها في الأمر بطاعة البرّ والفاجر في المعروف فقد جاءت في الولاة وليس فيها ما يتعلّق بخليفة المسلمين، وقد اعترف هو بذلك، لكن ادّعى أن اللفظ عامّ يشمل الإمام الشرعيّ، ولم يلتفت إلى أن الخاص مقدّم على العامّ، فلو ثبت اشتراط العدالة أو العصمة في الإمام كان دليل الشرط مخصصا لهذا العموم، فلا معنى للاستدلال بالعموم لإثبات مشروعيّة إمامة الظالم المتغلّب!
٢- عدم وجود حديث ينصّ على الشّروط التي يجب تحقّقها في الخليفة، لا في الإسلام ولا في الذكورة ولا في العدالة ولا في الاجتهاد ولا في اعتبار الوحدة.
وأما التمسّك بحكم حرمة موالاة الكفّار ومناصرتهم لاشتراط الإسلام فلا يخفى أن هذا الحكم غير وارد لبيان شروط الإمام، على أنه قابل لاختلاف النظر، فلقائل أن يقول: إن الحكم معلّلٌ بأن ذلك يوجب وهن الإسلام وتسلّط الكفار على المسلمين كما هو واضح من الآيات، وهذا لا يستلزم بالضرورة أن يكون تنصيب الكافر موجبا لذلك، بل قد يكون الحاكم الكافر ممّن ينصر الإسلام والمسلمين ويقيم الحدود والفرائض لمراعاة المجتمعات الإسلامية المقيمة في أرضه، وقد يكون أفضل وأكفأ من بعض المسلمين الظلمة، والله تعالى ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم.
وأما التمسّك بحديث "لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" لإثبات شرط الذكورة وذلك بدعوى أن الفلاح يشمل الدنيا والآخرة فليس بشيء؛ إذ لا يلزم من عدم الفلاح عدم مشروعيّة الإمامة، والذي يدلّ عليه الحديث هو الفشل والوهن الدنيوي كما وقع ذلك في ملك بنت كسرى لأرض فارس على ما جاء فيه، وكما وقع في حرب الجمل على ما طبّقه أبو بكرة الراوي للحديث؛ فمن لاحظ الحديث ولاحظ مورد تطبيقه وجد ما ذكرنا، وهل كان النبي صلى الله عليه وآله عند ذكره للحديث يريد أن يبيّن أن فارس خالفوا شروط الإمامة بتوليتهم المرأة؟! هذا على أنّ وقوع الفشل في الآخرة لا يستلزم بطلان مشروعيّة الخلافة على مذهبه النّافي للتحسين والتقبيح، على أننا لا نظنّه يلتزم بهذا المعنى في تطبيق أبي بكرة الحديث في حرب الجمل.
وأما التمسّك بحديث "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر" لإثبات وحدة الخليفة ففي الحديث كلام من جهة شموله لحالة تعدّد الأقطار وسعة أرض الإسلام، فالحديث لا يحسم النزاع في المسألة، ولو التزم أحدهم بإطلاق هذا الحديث فلا ندري ما يقول في أحوال زماننا هذا! فهل يلتزم بوجوب قتل الآخر؟ أم يلتزم بحرمة الخروج على المتغلّبين؟! أم تختلف الأمّة في هذه المسألة الخطيرة!! ويحترم قول الأخير لأن الحديث ظنّي يسوغ الاجتهاد فيه؟!!!!
٣- عدم وجود حديث يبيّن صفة أهل الحلّ والعقد وعددهم، فلا يوجد نصّ يجيب عن إشكالية تعدّدهم في الأقطار وحصول البيعة في أماكن مختلفة مع عدم العلم بالمتقدّم والمتأخّر؛ وقد كان الجواب أن هذه مسألة اجتهاديّة ولا حاجة للخوض فيها!!
فنقول نعم، وهذا يؤكد كلامنا، خصوصا بعد ملاحظة إناطة إمامة الإمام ببيعتهم، فكيف يُختلف في هذا؟ وكيف يُترك الأمر فيه؟ وكيف لا يردُ فيه حديث ضعيف فضلا عن صحيح أو متواتر؟!!!
٤- عدم وجود حديث يبيّن صلاحيات الإمام وحدوده.
وأمّا الجواب بأن صلاحياته مقيّدة بطاعة الله والقيام بكتاب الله أو القيام بما يصلح أمور المسلمين فهو ليس بجواب؛ فإنّ السؤال عن كيفيّة معرفة الإمام مواردَ طاعة الله وموافقة الكتاب ومصالح المسلمين، فمتى يجب عليه الجهاد؟ ومتى تشرع له الهدنة؟ ومتى يحقّ له تولية بعض الناس؟ ومتى يحقّ له العزل؟ ومتى يجوز له منع المظاهرات؟ ومتى يجوز له السّماح بها؟ ومتى ومتى...؟
ولا طريق لذلك إلا بالاجتهاد المحض الذي يقبل اختلاف الأنظار بأوسع ما يكون؛ وهذا إقرار بأنّ الشّارع لم يبيّن حدود صلاحيات الإمام إلا بهذه العمومات التي تقبل الاختلاف على مستوى التطبيق، ومع الاختلاف ينتقض المقصد كما لا ينبغي أن يخفى.
هذا، ولم نجد جوابا على مسألة الإجماع، لا من ناحية دليل القاعدة، ولا من ناحية تطبيقها في الأمور السياسية، سوى قوله بأن الطاهر ابن عاشور لا يمنع التمسّك بالإجماع إذا حصل الاتفاق بعد الاختلاف، وقد وقع الإجماع على أبي بكر حين اتفقوا على أن يكون الخليفة من قريش، وهذا ليس من الإجماع السّكوتي عنده!
ولا يخفى أنه ليس الكلام فيما يلتزمه ابن عاشور، وإنما الكلام في إلزامه بما ذكرناه مع اعترافه بما ينفعنا في نقض الإجماع.
ثم إننا نقول:
أ- ماذا عن غيرهم ممّن لم يحضر السقيفة؟
ب- وماذا عن سعد بن عبادة -وهو من أهل الحلّ والعقد- الذي رفض البيعة إلى أن توفّي؟
ج- وماذا عن بيعة علي بن أبي طالب -عليه السلام- وبني هاشم التي وقعت بعد امتناع منهم؟ ولم يبايع علي إلا متأخرا على اختلاف في تعيين وقت ذلك! ولم يقع ذلك إلا بعد التهديد بحرق بيته -وهو بيت فاطمة بنت رسول الله- كما ثبت ذلك بالسّند الصحيح عند المخالف!!
فمع كل هذا كيف يُدّعى الإجماع؟! وكيف يُدّعى وقوع البيعة على وجه الرضا؟!
واعلم أنه يكفينا عدم ثبوت الإجماع، ويكفي في نفي ثبوته قدح الاحتمالات المنافية للإجماع، ولا يتوقّف ذلك على إثباته، على أنّ ذلك كلّه ثابت في محلّه مقرّر بالدليل، فليُنتبه لذلك.
ختاما نقول، لو كانت هناك نصوص توجب على المسلمين نصب الخليفة وتبيّن كيفيّة ذلك وتبيّن واجبات الإمام وصلاحياته، لذاعت واشتهرت لقوة الدّاعي عند المسلمين في نقلها والاعتماد عليها في مسائل الخلافة بعد تلك النزاعات التي حصلت بينهم منذ وفاة النبي صلى الله عليه وآله إلى عهد قريب؛ وعدم وجود هكذا النصوص كاشف عن أن هذه النظرية ليست هي المرادة من الشارع، فعدم بيان كيفيّتها مساوق لعدم إمكان الامتثال بها إلا بمنطق تبرير الواقع وما وقع من المتقدمين؛ ومع هذا لا يوجد ما يكفي لحسم المسائل الجوهريّة في هذه النظرية!!
ومن يقرأ أدلّة القوم في هذا الباب يجد ذلك واضحا؛ وهو أدلّ دليل على بطلان هذه النظرية.
وأمّا من يسأل عن دليل كون الإمامة بالنصّ أو أنها من أصول الدين؛ فنقول ألا يكفيك ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في حجة الوداع في خطبة له: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة؟
ومن لا يملك غير ردّ هذا الحديث إلا القول بأنّ الإسلام لم يكن عزيزا في زمنهم أو أنّ أئمة الشيعة لم يحكموا، فننصحك بمتابعة هذه المحاضرة
youtu.be
وألا يكفيك وقوف النبي صلى الله عليه وآله في غدير خم قبيل وفاته بعد أن نعى نفسه وأوصى بالتمسّك بالكتاب والعترة، فرفع يد علي عليه السلام أمام المسلمين وقال لهم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
فقالوا: بلى، فقال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه؟!
وأما من لا يملك غير ردّ هذا الحديث غير القول بأن المراد من الولاية هنا المحبة والنصرة وليس القيام بشؤون المؤمنين، فننصحك بمتابعة هذه المحاضرة
youtu.be
وألا يكفيك قول النبي صلى الله عليه وآله: "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية" في أن الإمامة من الأصول التي يكون مُنكرها ليس من أهل النجاة؟
والنقاش حول هذا الحديث ودلالته تجده في هذه المحاضرة
youtu.be
فابحث وتأمّل في أدلة الإمامية وقارن بينها وبين أدلة القوم في ذلك وستجد الفرق شاسعا بين استدلالاتهم واستدلالات غيرهم
ولا تكن ممّن قال الله عنهم: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ { الأنعام - ١١١}
وتذكّر أن الإمامة هي الباب المبتلى فيه الناس كما جاء في أحاديث العترة عليهم السلام
ومهما يكن من أمر فقد تنزّلنا في الكلام للرّد على صاحب التغريدات لإيضاح بعض الأمور واستغلال الفرصة لإجلاء الحق، وإلا فهو أقلّ من أن يُردّ عليه لسوء أدبه وضعف تحصيله.
والحمد لله وحده

جاري تحميل الاقتراحات...