AlBaheth | الباحث
AlBaheth | الباحث

@Al_baheth

34 تغريدة 4 قراءة May 05, 2024
قبل كلّ شيء ينبغي بيان محلّ الكلام بدقة، حتى لا يكون النصّ المستدلّ به أجنبيا عن محلّ الكلام، كما وقع من صاحب التغريدات
نظرية أهل السنة تبتني على أن من أحد طرق انعقاد الإمامة هي البيعة؛ ويتفرّع على ذلك عدة مسائل
١- أن نصب الإمام واجب الأمة، والذي يعيّن الإمام هم أهل الحلّ والعقد
٢- وجود شروط معتبرة في الإمام يجب على أهل الحلّ والعقد ملاحظتها عند تعيين الإمام
(كالإسلام والذكورة والعدالة والاجتهاد وسلامة الجسم وغيرها)
٣- وجود صلاحيات محدّدة للإمام لا يصحّ له تجاوزها
٤- وجود أمور تُبطل إمامة الإمام
(كالكُفر والفسق والابتداع وضعف العقل والرأي..إلخ)
ويترتّب على ذلك ضرورة وجود نصوص من النبي صلى الله عليه وآله تبيّن هذه المسائل بشكل واضح، وذلك لأنه لا معنى لإناطة البيعة على الأمة من دون بيان شرائطها ومن دون بيان واجبات الإمام وصلاحياته
بل يجب أن تكون الشروط والصلاحيات مبيّنة على نحو لا يقبل الاجتهاد واختلاف وجهات النظر بين المجتهدين؛ لأن فتح الباب لمثل هذا النوع من الاجتهاد ينافي دور الإمامة وخطورتها في الدين، بل سوف يقع الاختلاف في الإمامة نفسها فلا تتحقق أغراض الإمامة، بل لا يقع إلا الفساد، وكل ذلك مبرّر شرعا!!
قال الطاهر ابن عاشور عند حديثه عن الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله كتابته :
" فلا جرم أن كان الكتاب المعزوم عليه يتضمن التحذير من شيء سيقع مثل النص على أن أبا بكر هو الذي يلي أمر أمر المسلمين أو النصّ على كيفية تعيين الخلفاء للأمة وقاعدة البيعة، فإن الخلاف في ذلك قد جرّ فتنا على المسلمين نشأت من اختلاف في أدلة الاجتهاد=
قال المازري في المعلّم : (وقد قال بعض العلماء: الأظهر عندي أنه أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصّ على الإمامة بعده لترتفع بنصّه عليها تلك الفتن العظيمة التي منها حرب الجمل وحرب صفين) وهذا الذي قاله غير بعيد ولا شكّ أن المهاجرين والأنصار كانوا يومئذ في حال حيرة في مصير أمرهم بعد وفاة نبيهم"
(جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور، ج٢ ص٦٥٣)
وقد جاء في بعض كلماتهم ما يدلّ على عِظم أمر الإمامة في الدين وأنّ الخلاف فيها ليس ممّا يسهل أمره
قال أبو المعالي الجويني الشافعيّ:
"الكلام في هذا الباب ليس من أصول الاعتقاد، والخطر على من يزلّ فيه يُربي على الخطر على من يجهل أصله"
(الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص٤١٧)
وقال الشهرستاني:
"وأعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإمامة إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان"
(الملل والنحل ج١ ص٢٤)
فكلام السيد كان حول أدلة هذه المسائل التي تصحّح نظرية البيعة بعد الفراغ عن وجود منصب الخلافة في الإسلام؛ فالإتيان بنصوص تدلّ على أن سنة الله تعالى اقتضت الاستخلاف أو أن النبي صلى الله عليه وآله تحدّث عن الخلافة والخلفاء وشؤونهم لإثبات أصل الخلافة في الإسلام= خارج عن محلّ النزاع أصلا
وكذلك الإتيان بنصوص تُخبر عن وجود خلفاء بعده تجب طاعتهم= لا يدلّ على صحة هذه النظرية وتفاصيلها وكيفية تطبيقها
إذ إنّ معظم تلك النصوص محايدة تجاه كيفية انعقاد إمامتهم، كالأحاديث التي تأمر بالوفاء بالبيعة وتمنع الخروج على الإمام؛ وبعضها الآخر لا يتحدّث عن الخلفاء بل عن ولاة الأمصار، لظهور مصطلح "الولاة" فيهم
وأمّا حديث لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة فلا يدلّ على بطلان خلافة المرأة، وإنما يدلّ على عدم فلاحهم وتوفيقهم إن هم استخلفوها، ومن الواضح أن هذا ليس مساوقا لبطلان الخلافة؛ على أن المُناظر قد جوّز خلافة المرأة أثناء المناظرة!
وكذلك غيرها من النصوص التي ليس لها علاقة بموضوع الخلافة الفقهية، أو أن دلالتها على المطلوب يحتاج إلى تكلّف وقياس ما يتحدّث عنه النصّ على الإمامة؛ مثل الاستدلال بقوله تعالى:(لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين) على اشتراط الإسلام؛ بينما الآية تتحدّث عن موادّة الكفّار ومناصرتهم، والركون إليهم، والتعاون معهم لا عن خلافة الكافر
وكقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) في اشتراط العدالة في اختيار الإمام؛ بينما الآية تتكلّم عن وعد إلهي للنبي إبراهيم عليه السلام في جعل الإمامة في غير الظالمين من ذريّته!!
وأين ذلك من وجوب تنصيب الإمام العادل على الأمّة؟!
بل لماذا لا تكون الآية دليلا على أن الإمامة الشرعية لا تكون لغير ذريّة إبراهيم عليه السلام عبر التنصيب الإلهي كما حصل مع النبي إبراهيم عليه السلام؟!
وبالتالي هذه النصوص وأمثالها لا تفي لاكتمال نظرية البيعة وضوابطها عند السنة؛ ويشهد على ذلك الاضطراب الشّديد عند أهل السنة في كيفيّة تعيين الإمام وشرائطه وصلاحياته عندهم
فعلى سبيل المثال أُختلف في العدد الذي به تنعقد الإمامة!
فمنهم من ذهب إلى أنه يكفي في ذلك ما يصدق عليه "جماعة أهل الحلّ والعقد"، ومنهم من ذهب إلى اشتراط بيعه غالبية أهل الحلّ والعقد، ومنهم من ذهب إلى اشتراط ٥ أشخاص، ومنهم من ذهب إلى اشتراط 40 شخصا، ومنهم من اكتفى بواحد!
(لاحظ أبو الحسن الماوردي الأحكام السلطانية ص 22؛ الموسوعة الفقهية الكويتية ج ٦ ص 221؛ وفي القول بالاكتفاء بالواحد لاحظ عبد الملك بن عبدالله الجويني الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص 429)
على أن ضابطة أهل الحلّ والعقد ليست بتلك الوضوح، فمع تعدد أهل الحلّ والعقد وانتشارهم في البلدان= صار من الممكن أن يتصدّى بعض أهل الحلّ والعقد في موضع لتعيين إمام ويتصدّى آخرون لتعيين آخر ولا يُعلم من المتقدّم والمتأخّر!!
وقد طرح أبو يعلى الفراء هذا الفرض، فاختار أن المتقدّم هو الإمام، وعند عدم تعيّنه يُرجع إلى القرعة أو يحكم ببطلان كلا البيعتين!!
(لاحظ: أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية صفحة 25)
وأما شروط الإمام فمن أهم ما اختلفوا فيه اشتراط العدالة والاجتهاد في الإمام، فذهب المالكيّة والشافعيّة والحنابلة إلى الاشتراط، وذهب الحنفيّة إلى أن ذلك شرط أولويّة لا شرط صحّة
(لاحظ الموسوعة الكويتية الفقهية ج٦ ص 219)
واختلفوا أنه بناء على اشتراط العدالة في الإمام فهل تسقط إمامته بفسقه أم لا؟
(لاحظ: أبو الحسن الماوردي الأحكام السلطانية ص 42)
واختلفوا في جواز عقد الإمامة لأكثر من إمام في الأقطار المختلفة
(لاحظ: الموسوعة الفقهية الكويتية ج ٦ ص 226؛ عبد الملك بن عبدالله الجويني الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص 430)
ولا يخفى أن لازم الخلاف في هذا الأمر في غاية الخطورة إذ بناء على عدم شرعية الإمام لا تترتّب الآثار الشرعية على سلطانه، فيجوز إقامة إمامة أخرى في عرض إمامته؛ فلو اختلف المسلمون في هذا اختلافا سائغا شرعا للزم من ذلك فتح الباب لمثل هذه التصرفات الخطيرة ولا حجّة واضحة لمنع مثل هذه التصرفات لأن الفرض أن هذه مسألة اجتهادية!!
وأما بالنسبة إلى الإجماع فبالإضافة إلى عدم كفايته لحلّ هذه المشكلة، تبقى الأدلّة عليه غير واضحة، كما هو واضح لكلّ متتبع منصف
قال الطاهر ابن عاشور:
"عادتهم أن يكثر من ذكر الآيات والأحاديث التي يمكن أن تستروح منها حجّة الإجماع مع أن ذلك ليس شيء منها مفيدا للغرض المطلوب… إلى أن قال: ومن المعلوم أن سبيل المؤمنين هو أصل الدين وما هو معلوم ضرورة منه ولا نزاع في ذلك وهو الذي دلّت عليه العمدة الكبرى التي ذكرها المصنف وأمّا الإجماع عن اجتهاد فهو سبيل بعض المؤمنين وهم المجتهدون"
(التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح ج ٢ ص 97)
فيُستفاد من هذا النصّ أن النصوص الدالّة على اعتبار الإجماع مُشكلة الدلالة، وأن الذي هو حجّة فعلا هو الإجماع الكاشف عن حكم ضروري في الإسلام لا غير!
وأمّا الإجماع في الأمور السياسية التي من شأنها الاقتران بالقهر والجبر فهو ممّا لا يمكن إحرازه بحسب العادة، فلا يمكن إحراز قبول الجميع، ومجرّد عدم وجود معارض فهو أعمّ من القبول؛ إذ هو منسجم مع القبول ومع الرفض القلبيّ الذي لم يتعقّبه إظهار للاعتراض خوفا على النّفس والعِرض، فلا يمكن إحراز الإجماع في المسائل السياسية!
قال الطاهر ابن عاشور:
"الإجماع السّكوتي وهو حجّة ظنية، والأولى أن يُقتصر على الاحتجاج به على صدر الأمّة الذين عُرف من حالهم عدم السّكوت على الباطل، ويختصّ أيضا بغير المسائل التي كان يرون السّكوت فيها أسلم من الكلام، نحو مسائل الخلافة؛ لأنهم يخشون تفريق كلمة المسلمين كما قال عبدالله بن بن عمر"
(التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح ج٢ ص 104)
ولست أدري مع التفات ابن عاشور لهذا الأمر كيف سوّغ لنفسه الاحتجاج على خلافة أبي بكر بالإجماع كما في رسالته نقد علمي لكتاب "الإسلام وأصول الحكم"!!
(لاحظ: جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور ج٤ ص 1789)
تمّ الكلام
بحمد الله وقوّته…

جاري تحميل الاقتراحات...