لماذا تخرج مظاهرات حاشدة في بلدان غربية وعالمية، ولا تخرج مثلها في دولنا وبين شعوبنا الأقرب والأكثر دينا ونخوة وحرقة؟
🧵
🧵
يكشف هذا السؤال، ضمن ما يكشف الطوفان، مثلبتين كبيرتين تبدوان متناقضتين، لكنهما متسقتان فعليا، في المشروع السياسي العربي/ الإسلامي/ المشرقي، حسبما تحب أن تنظر.
أولا، وبحكم أن معظم دول ما يسمى "العالم الثالث" هي دول ما بعد استعمارية، فهي قد ورثت وقدست قيمة الدولة/ الأمة التي انبثقت منها، تحررا فعليا بالحرب أو ضمنيا بمنح الاستقلال،
ولذا، وللمفارقة، فلم يكن أخطر ما ورثته من الحداثة فلسفتها أو ماديتها (كما يرى المسيري رحمه الله ومدرسته)، بل تمثله في دول قومية خلال الحربين وما بعدهما، لكنها تراكمت بشكل أكبر في نظام عالمي جديد رسخ علاقات الهيمنة وقيم الاستقلال وجسدها وقيدها في اقتصاد سياسي عالمي شمولي.
في الحقيقة، يبدو هذا واضحا بعد أفول موجة الوحدويات (Pan-كذا)، التحررية واليسارية ثم القومية والعربية، وأخيرا الإسلامية، التي بدأت شعورية عاطفية ثم إنسانية (عبر مدرسة الحجاز) وأخيرا جهادية (متبلورة على يد الشيخ عبد الله عزام رحمه الله).
تبلور ذلك بموجة الدمقرطة الثالثة عربيا وما بعدها، المتجلية بالإسلام الديمقراطي بذروة النموذج التركي ثم بترسخه مع الربيع العربي بكل تياراته وشعاراته وتجلياته، من الإخوان مرورا بطالبان وليس انتهاء بجهاديي ما بعد القاعدة، حيث يحضر الجزئي فوق الكلي، منطلقا وصيرورة، والكارثة أنه غاية
ثانيا، وقع اختراق آخر للحداثة على مستوى المخيال السياسي، مقدما سؤال الجدوى المادي على سؤال المعنى الروحي/ العاطفي، فصار أي نشاط/ فعل سياسي يقيم بالورقة والقلم، باستبعاد دوره وجانبه الأخلاقي أو التراحمي أو التعاطفي، وهذا ينطبق مثلا على عدم وجود مظاهرات في مناطق يمكن بها التظاهر
خطورة هذا المسار هو أنه يقتل إمكانات اختراق الجدار الزجاجي للتاريخ، كما رأينا بالطوفان، وبالتالي فهو يعزز شروخا قائمة وضعت أسسها كما قلنا بالنقطة الأولى.
لا تقلل هاتان النقطتان من التركيز على البيئة السياسية العربية القمعية والأمنية، وأن انتصار الثورات المضادة كان التفكيك التنظيمي لبنى عالية الميوعة (بتنظيمات الربيع) أو صلدة (بالأحزاب)، لكن ما أحاول قوله هو إن استمرار المشروع الحالي بوضعه لن يقلل هذه الاستحالة، ما لم يكن يزيدها
يأخذنا هذا للسؤال الافتتاحي، وهو أن هذه الحراكات هي ضمن ما يسمى بأدبيات التنازع ب"الحركات الاجتماعية الجديدة"، والتي تعد حركات تعبيرية، بالمقارنة مع القديمة أو الكلاسيكية التغييرية (وأبرز توضيح لذلك هو حركة الحقوق المدنية الكلاسيكية مقابل "أرواح السود مهمة" الجديدة).
ما يقوله ذلك هو أن هناك فضاء سياسيا قابلا للحراك، توجد به قدرة على التنظيم والتعبئة والممارسة السياسية، لكن غايته بالمحصلة هي التعبير، والذي يبدو أننا، في خضم بحثنا الدامي الطويل عن التغيير، قد
أضعنا كليهما.
أضعنا كليهما.
جاري تحميل الاقتراحات...