ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

25 تغريدة 88 قراءة Mar 18, 2024
(كهف غير التاريخ التوراتي !!)
في ربيع 1947 وبينما شاب يرعى قطيعه، إذ شردت منه ماعز وتسلقت صخورا مرتفعة، أمسك الشاب بحجر وألقى به حيث الماعز، فإذا به يسمع خزفا يتكسر، تسلق الشاب الصخور ليرى، فإذا هو أمام كهف مملوء بالجرار!
حياكم تحت
الشاب هو محمد الذيب من عشيرة التعامرة، وقد كان يرعى أغناماً له قرب أريحا بفلسطين، تحديداً في وادي قمران، وما إن رأى الكهف والجرار المرتصة فيه، أيقن من فوره أنه أمام كنز سيغير حياته للأبد، لكنه لم يقترب، لقد تلبثه الخوف والرعب، فعاد أدراجه سريعاً إلى بيته .
كان الليل قد لف الأنحاء، فانتظر الذيب حتى قدوم الصباح، واصطحب معه أحد أصدقائه، وصعد به إلى الكهف، وبلهفة أمسكا بالجرار، فإذا بها لا تحتوي على مال أو ذهب، بل احتوت على دروج ولفائف من الرق بها كتابات قديمة غابرة أشبه بالطلاسم، مغلفة بقماش وكتان قديم لحمايتها.
جمع الشابان ما استطاعا من هذه الرقوق، وذهبا بها إلى بيت لحم، وبعد جملة من البحث، استطاعوا في الأخير بيعها لبعض التجار، على رأسهم "كندو" السرياني، مقابل 150 دولارًا، وبدوره عرضها كندو على مطران طائفته صموئيل، والذي أكد على قيمة هذه الرقائق، وكشف عن أنها مكتوبة بالعبرية القديمة.
لجأ صموئيل إلى علماء المدرسة الأميركية للبحث والتنقيب لأخذ رأيهم، ولحسن الحظ كانت المدرسة تمتلك نسخة فوتوغرافية من بردية ناش وهي أقدم الآثار العبرية التي يعود تاريخها للقرن الثاني قبل الميلاد، قام الدكتور يوحنا تريفر بمقارنة الخط واللغة الموجودة في الرقائق ببردية ناش.
فلمس تشابهاً كبيراً في الخط بين لفائف صموئيل وبين بردية ناش، فقرر تصوير اللفائف وإرسالها إلى الدكتور وليم أولبرايت أحد المتخصصين في آثار فلسطين في الولايات المتحدة، وبعد دراسة متأنية، أرسل أولبرايت مرة أخرى إلى يوحنا، ليخبره أن لفائفه ليست قديمة فحسب، بل أقدم من لفائف ناش ذاتها!
على إثر ذلك، شاع أمر هذه اللفائف في الأوساط العلمية، وبدأ العلماء في التوافد على مكان الاكتشاف، ولما علم التعامرة قيمة اكتشافاتهم سخروا أنفسهم للبحث عن مزيد من اللفائف، وبحلول عام 1956، وصل عدد كهوف المخطوطات المكتشفة في قمران وحدها إلى 11، فضلاً عن كهوف في مناطق متفرقة قريبة.
عبر تقنيات التأريخ الكربوني المشع، فضلاً عن تقنيات التحليل اللغوي، أرخ أقدم نص في هذه المخطوطات بحوالي العام 225 قبل الميلاد، أما أحدث نص، فقد تم تأريخه بحوالي 50 ميلاديا، وقد كتبت معظم هذه المخطوطات على رقوق من جلود الحيوانات فيما كتب بعضها وهو الأٌل عن ورق بردي وصفائح نحاسية.
بلغ عدد المخطوطات التي تم اكتشافها في كل هذه الكهوف أكثر من 15 ألف مخطوط، وهي عبارة عن مجموعة متنوعة من وثائق توراتية مكتوبة باللغة العبرية والآرامية واليونانية، وتتضمن هذه الوثائق، نسخاً كاملة من الكتاب المقدس العبري عدا سفر أستير، بالإضافة لمخطوطات خاصة بجماعة قمران.
المدهش أن نسخة الكتاب المقدس (العهد القديم) المتضمنة في الوثائق، هي أقدم نسخة مكتشفة من التوراة على الإطلاق، حيث أن أقدم نسخة في العالم قبل هذا الاكتشاف، كانت تعود للقرن ال١٠ الميلادي، أي أن نُسخة قمران من العهد القديم أقدم ألف عام من أقدم نسخة من العهد القديم في ذلك الوقت.
أمكن من خلال هذه النسخة المبكرة من العهد القديم التي وفرتها وثائق قمران، الاطلاع على مدى التحريف الذي أصاب "الكتاب المقدس" على مدى السنين، أما بقية الوثائق غير الدينية المكتشفة فقد أعطت العلماء فرصة للاطلاع عن قرب على الحياة والفكر والثقافة في تلك الفترة الزمنية المهمة.
بعد مطابقة نسخة العهد القديم لوادي قمران مع النسخ القائمة الأحدث، فيتحدث "مدخل أكسفورد إلى علم الآثار" عن اختلافات كبيرة وتحريفات صادمة من حيث اللغة والمحتوى، خاصة في سفري الخروج وصموئيل.
بالإضافة لنسخ العهد القديم، تضمنت الوثائق، مخطوطات خاصة بجماعة قمران التي قامت على الأرجح بكتابة هذه الوثائق وإخفائها، حيث يلقي هذا الجزء من المخطوطات، الضوء على عقيدة تلك الجماعة، وسلوكها، وحياتها، وتقويمها، وطقوسها المختلفة، فضلا عن تفاعلاتها مع الطوائف اليهودية الأخرى.
لكن السؤال من هي جماعة قمران؟
وما هي ملابسات كتابتها أو جمعها لهذه الوثائق، ولماذا أخفتها؟
ثمة نظريات عدة حول هذه الجماعة ومن تكون، لكن النظرية السائدة والأكثر شهرة، هي أنها طائفة يهودية تسمى بالأسينيين، قطنت قمران منذ القرن الثاني قبل الميلاد
انشقت هذه الطائفة عن اليهود واختاروا الانعزال والعيش في الوديان كوداي قمران، بعدما رأوا في أنفسهم أنهم البقية الحقيقية لبني إسرائيل المتمسكين بالعهد الحقيقي مع الله، لذلك نبذ هؤلاء كل متع الدنيا بما فيها النساء والمال، واختاروا العيش ضمن مجتمع منعزل، ملتزم بطقوس يهودية صارمة.
جماعة نذرت نفسها للعبادة فلا ينطقون بكلمة عن أمور الدنيا قبل شروق الشمس، بل يرفعون صلوات ورثوها عن آبائهم كأنهم يضرعون بها أن تُشرق عليهم
ثم يذهبون لممارسة أعمالهم، فيعملون بكل نشاط حتى مغيب الشمس، ثم يستحمون بماء بارد، ومن ثم يجتمعون للطعام ومن ثم الراحة والصلاة
عاش الأسينيون على عملهم بالزراعة، وحرموا الرق، وعبادة الأوثان، واختاروا التوحيد، وحافظوا على تطهر يشبه الوضوء ، وقد تأثرت المسيحية الأولى بهم، ويُعتقد أن يوحنا المعمدان وكذلك المسيح عليه السلام كانوا ينتمون إليهم، وبأنهم آمنوا بالمسيح كأحد أنبياء بني إسرائيل المصلحين.
رغم تخليهم عن الزواج، إلا أنهم حافظوا على أعدادهم لأكثر من قرنين من الزمان، بفضل استمرار انضمام يهود جدد إليهم، لكن في العام 66 من الميلاد، اشتعلت ما تعرف بالثورة اليهودية الكبرى ضد الرومان، فدكَّت روما حصون القدس بحلول عام 70 ودمَّرتها تدميرًا، ولم يكن الإسنيين استثناء من ذلك.
حيث طالتهم نيران روما، وعلى إثر ذلك جمعوا كل ما استطاعوا من كتابات مقدسة ووثائق ومخطوطات عامة، وبدأوا في وضعها داخل جرار، واختاروا إخفاء تلك الجرار في كهوف وشقوق مرتفعة يصعب الوصول إليها، وهي الوثائق التي عثر عليها التعامرة في منتصف القرن الماضي.
بالعودة إلى المخطوطات الخاصة بجماعة قمران أو الأسينين، نجد أنها تنقسم إلى عدد من النصوص، أولها ميثاق الجماعة وهو عبارة عن خمس أوراق من البردي تتضمن 11 عموداً، تنظم شئون الجماعة وعلاقتها الحالية والمستقبلية بما حولها، وعلاقة الفرد بالآخرين ممن هم خارج جماعته.
ثاني المخطوطات الخاصة بجماعة قمران، تأتي بعنوان "حرب أبناء النور وأبناء الظلام"، تجسد هذه المخطوطة خطة حربية متكاملة لحرب متوقعة ستخوضها الجماعة ضد كل أعدائها (الآشوريين والأدوميين والمؤابيين والعمونيين والإغريق..) وسيعينهم فيها الرب بملائكته وجنده، وسينتصرون فيها نصرا مؤزراً.
ثالث المخطوطات الوثيقة الدمشقية، تتضمن نقداً للفرق الدينية التي انعزلت عنها الجماعة، وتكمل لنا صورة التطور التاريخي للجماعة، وخلال النص تطلق الجماعة على أفرادها اسم "أبناء العهد الجديد" وهو الاسم الذي أدَّى ببعض الباحثين للربط بينها وبين المسيحية أو الماسونية الصهيونية العصرية!
مع بداية اكتشاف هذه المخطوطات عام 1947 استقرت في متحف آثار فلسطين، لكن بعد حرب 1948 انتقلت إدارة الضفة الغربية للأردن، فأصبحت الوثائق تحت مسؤوليتها، لكن في أعقاب هزيمة حرب 1967، واستيلاء إسرائيل على كامل فلسطين، استولت إسرائيل على المخطوطات ونقلتها لمتحف إسرائيل في القدس.
تدعي إسرائيل ملكيتها لتلك المخطوطات، لكن في الوقت ذاته تنازعها في ذلك السلطة الفلسطينية والأردن للاعتبارات التاريخية السابقة، ومنذ استيلاء إسرائيل على تلك المخطوطات، حجبتها تماماً عن العلماء والدراسين لأكثر من 40 عامًا، قبل أن تتيح الاطلاع عليها على مضض خلال آخر عقدين.
بسبب تأخرها في إتاحة المجال لدراستها، يتهم كثيرون إسرائيل بتزوير كثير من هذه الوثائق وإخفاء بعضها، خاصة تلك النصوص التي تمس أو تهدم سرديتها العقائدية، ويعضض ذلك ما أعلنه متحف الكتاب المقدس في أمريكا، بأن جميع القطع التي حصلت عليها من المخطوطات بين عامي 2009 و2014 كانت مزورة.

جاري تحميل الاقتراحات...