روي أن وزير المستنصر نزل عن بغلته أمام باب القصر وتركها تحت حراسة غلامه فهجم ثلاثة رجال على الغلام وأخذوا البغلة وذبحوها وأكلوا بعضها وباعوا الباقي فقبض عليهم وصلبوا عقاباً لهم في أحد الميادين. فلما أصبح الناس لم يروا إلا بقايا عظامهم إذ كان الشعب الجائع قد أكل لحومهم أثناء الليل
وقد نتج عن تدهور الاقتصاد المصري اضطراب الأوضاع الداخلية في البلاد، حتى إن منصب الوزارة قد تداوله أربعون وزيراً في تسع سنوات بعد قتل الوزير اليازوري
وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتاً قصيرة السقوف قريبةً ممن يسعى في الطرقات فأعدوا سلباً وخطاطيف فإذا مر بهم أحد شالوه في أقرب وقت ثم ضربوه بالأخشاب وشرحوا لحمه وأكلوه.
قال الشريف أبو عبد الله محمد الجواني في كتاب النقط: حدثني بعض نسائنا الصالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر فتقول: أنا ممن خطفني أكلة الناس في الشدة فأخذني إنسان وكنت ذات جسم وسمن فأدخلني بيتاً فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل فأضجعني
على وجهي وربط في يدي ورجلي سلباً إلى أوتاد حديد عريانةً ثم شرح من أفخاذي وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمي وأكل أكلاً كثيراً ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف أين هو فأخذت في الحركة إلى أن تخلى أحد الأوتاد وأعان الله على الخلاص
وحللت الرباط وأخذت خروقا من داره ولففت بها أفخاذي وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس فحملت إلى بيتي وعرفتهم بموضعه فمضوا إلى الوالي فكبس وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخ أو حصير وتعطلت دواوينه وذهب وقاره وخرج من نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن.
: الجوع الجوع وهن يردن المسير إلى العراق فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من القاهرة ومتن جوعاً
وعدم المستنصر القوت جملةً حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كل يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البر والصدقات في سني هذا الغلاء حتى أنفقت مالها وكان يجل عن الإحصاء في سبيل البر فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه وهو مرة واحدة في اليوم لا يجد غيره.
فكانت السبع سنين المذكورة يمد فيها النيل ويطلع وينزل في أوقاته فلا يوجد في الإقليم من يزرع الأراضي ولا من يقيم جسوره من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب وانقطاع الطرقات في البر والبحر إلا بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر ولم يوجد ما يبذر في الأراضي للزراعة .
وفشا مع ذلك الموت في الناس فكان يموت الواحد من أهل البيت في القاهرة أو مصر فلا يمضي ذلك اليوم حتى يموت سائر من في ذلك البيت.
وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفنوهم في الأنخاخ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم.
وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفنوهم في الأنخاخ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم.
ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هرباً من الجوع والفتن فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته
السبب الأساس لهذه المحنة التي تعرضت لها مصر هو اختلاف طوائف العسكر فيما بينهم وليس جفاف النيل ولا حتى الأوبئة التي تسببت في موت المزيد من المصريين فالنيل كان يصعد ويهبط والناس عاجزة عن زراعة الأرض المترامية القادرة على إطعام مصر وما حولها من شعوب المنطقة بسبب الخوف والرعب
تحير الخليفة المستنصر في أمره وكان أن كتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي وهو يومئذ بعكا يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملك البلاد والاستيلاء عليها.
فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه وأنه لا يبقى أحداً من عساكر مصر ولا وزرائهم فأجابه المستنصر إلى ذلك.
فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه وأنه لا يبقى أحداً من عساكر مصر ولا وزرائهم فأجابه المستنصر إلى ذلك.
فأخذ في الاستعداد للمسير إلى مصر واستخدم معه عدةً من العساكر وركب البحر من عكا وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء ومن العادة أن البحر لا يركب في الشتاء
فأخذ في الاستعداد للمسير إلى مصر واستخدم معه عدةً من العساكر وركب البحر من عكا وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء ومن العادة أن البحر لا يركب في الشتاء.
فسار في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكن له في الأرض
فسار في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكن له في الأرض
فنزل بدمياط وطلب إليه التجار من تنيس وافترض عليهم مالا.
وبعث إلى المستنصر سراً بأني لا يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على يلدكوش فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه.
ودخل بدر فتلقاه أهل الدولة وأنزلوه وبالغوا في إكرامه فأظهر أنه ما جاء إلا شوقاً إليهم وخدعهم .
وبعث إلى المستنصر سراً بأني لا يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على يلدكوش فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه.
ودخل بدر فتلقاه أهل الدولة وأنزلوه وبالغوا في إكرامه فأظهر أنه ما جاء إلا شوقاً إليهم وخدعهم .
أبداه من المحبة لهم وكثرة التملق وأعرض عن المستنصر ولم يذكره إلا بالسوء وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحداناً ورجالا في الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة
فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدولة ومقدميها في صنيع أعد لهم فمضوا إليه وقضوا نهارهم عنده وباتوا في أطيب عيش وأنعم بال وقد رتب أصحابه ليقتل كل واحد أميراً من الأمراء ويكون له جميع ما بيده.
فلما سكروا وامتد عليهم رواق الليل صار يخرج كل واحد من باب ويسلمه إلى غلام من غلمانه ويمضي إلى داره فيتسلمها بما فيها من الخدم والأموال.
فلم يصبح الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه وقد استولى كل رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له.
فلم يصبح الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه وقد استولى كل رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له.
وأخذ في القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحداً يشار إليه فقويت شوكته واشتدت وطأته وعظم أمره فحسر عن ساعد الجد وشمر ساعد الاجتهاد والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم وتطلبهم في القاهرة ومصر حتى أتى على جميعهم بالقتل.
ولم يدع بالبر الشرقي وجميع أسفل الأرض مفسداً إلا وقتله أو قمعه.
وقد تحكم في مصر تحكم الملوك ولم يبق للمستنصر معه أمر واستبد بالأمور فضبطها أحسن ضبط وكان شديد الهيبة وافر الحرمة مخوف السطوة قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلا خالقها منها أنه قتل من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية
وكانت له محاسن منها: أنه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين حتى ترفعت أحوال الفلاحين واستغنوا في أيامه ومنها حضور التجار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها في أيام الشدة ومنا كثرة كرمه وكانت مدة أيامه بمصر إحدى وعشرين سنة وهو أول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر.
جاري تحميل الاقتراحات...