فيصل بن ماجد السبيعي
فيصل بن ماجد السبيعي

@Saifkarrim

19 تغريدة 5 قراءة Feb 29, 2024
(تنزيه خالق الأرض والسماء .. عن مواطن إجابة الدعاء)
على الرغم من خلوّ القرآن المجيد من أي إشارة إلى تفضيل وقت عن وقت لدعاء المسلم لربّه وسؤاله والتضرع إليه، إلا أن كتب الموروث تطفح بالكثير من التأقيتات والتحديدات لأزمنة معينة يكون الدعاء فيها مستجابا.
وفي هذا قدحٌ في كمالات الله سبحانه وتعالى، الذي لا يشغله أمر عن أمر ولا شأن عن شأن. فالله - جلّت قدرته - قد فتح باب الدعاء على مصراعيه كل وقت وكل حين، تكرما منه وتفضلا؛ لأن الكريم لا يغلق بابه. قال عز من قائل: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) غافر 60.
كما قال سبحانه عن ذاته العليّة: ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه) النمل 62. وقال أيضا: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) البقرة 186. فهو لم يحدد وقتا هو أرجى من غيره للإجابة، ومع ذلك تكتظ/ المرويات بما لا يتواءم مع صفات الله المستحَقَّة له عزّ وجلّ.
ومنها رواية تفيد بأن الله تعالى "ينزل" إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من اللي، ويطلب من عباده أن يدعوه ويسألوه، وهذه الرواية مطعونة بثلاثة مَطاعِن:
الأول: أن الله سبحانه مُتَعَالٍ عن المكان وغير خاضع له، ولا متحيِّز أو متموضع فيه.
وعليه، فإن ما تضمَّنته هذه الرواية من انتقال الله من مكان إلى مكان، لا ينطبق على الله، بل هو خاص بالمخلوقات التي تنحكم المكان وتتأثر به حركةً وسكونا وبقاءً وانتقالا، واللهُ منزَّه عن ذلك كله.
المطعن الثاني: أن هذه الرواية - كجميع الروايات التي تحدد أوقاتا للإجابة - تُومِئ إلى أن الله تعالى قريب في أوقات وبعيد في أوقات أخرى، وسميع في أوقات وأقل سمعا في أوقات أخرى، تقدَّس الله وتنزَّه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرًا.
أما المطعن الثالث: فهو أن حالة (ثلث الليل) هي حالة دائمة ومستمرة في الأرض طوال الأربع والعشرين ساعة؛ فثلث الليل ينتقل من السعودية إلى مصر فليبيا، وهكذا في دوران لا ينقطع، ولذلك فإن في الرواية فهما سطحيّا جدا لحقيقة وجود الليل والنهار في كرة الأرض دائمة الدوران.
ومن الروايات كذلك رواية نَصُّها: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي فيسأل الله خيرا
إلا أعطاه". وهذه الرواية كسابقتها من حيث انتشارها بين الناس وفُشوّها فيهم، وأخذهم إياها كإحدى المسلمات التي هي كالقرآن لا تُرَدّ ولا تُناقَش.
وإن جارَينا القوم وقبلنا الحديث على سبيل الجدال، فإننا نقول: حيث إن سيدي رسول الله لم يخبر أحدا أي ساعة هي؛ فقد بدأ الناس - جراءةً على الرسول - بــ (التخمين) والتكهُّن، محاولين معرفة وقت هذه الساعة الثمينة؛ حتى (ينبِّهوا) الله الذي أغلق بابه ليفتحه ويستجيب لهم.
ثم إننا نتساءل: إذا كان الرسول الأعظم مِن أحرص الناس على تعليم أمته الخير، مصداقا لوصف ربه له بقوله مخاطبا المسلمين ومبشرا لهم :(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) التوبة 128.
فأين حرصه علينا في عدم إخبارنا عن وقت تلك الساعة حتى نغتنمها؟! ولماذا لم يسأله الصحابة عن ذلك؟! أيعقل أن آلاف الصحابة لم يخطر ببال أحد منهم أن يسأل الرسول هذا السؤال المهمّ؟!
وإذا كان السبب هو الحثّ على الدعاء طوال يوم الجمعة، فهو وقت طويل جدا لا يطيق أحد تمضيته في الدعاء، كما أن الرواية ذكرت أن هذا الذي وافق تلك الساعة كان (قائما يصلي)، فما تلك الصلاة التي تمتد يوما كاملا من طلوع الشمس حتى غروبها؟!
أما إذا لم يكن هذا هو هدف الرسول من إخفاء تلك الساعة وإبقائها لغزا محيرا، فنعيد الكَرّة ونسأل: لماذا لم يخبرنا بوقتها؟!
وقد تسابق مقدّسو المرويات - على علَّاتها - بدل أن يردوا الحديث لعدم مواءمته لأخلاق النبي وعظمة شمائله وصفاته وحرصه على المؤمنين
تسابقوا للتخمين؛ فقال قائل منهم هي ما بين أن يجلس الخطيب إلى أن تُقضى الصلاة!! حسنٌ، من أنبأك هذا؟! لا أحد يعلم؛ لأن الرسول لم يخبر أحدًا. ومنهم من قال - وهو القول الأشهر - إنها الساعة التي تسبق غروب شمس يوم الجمعة!! وبالإضافة إلى إعادة السؤال: من أنبأكم هذا؟!
فإن أولئك القوم لم يفطنوا إلى أن هذه الساعة من أوقات النهي عن الصلاة!! ولكن الرد جاهز لديهم، فقد قالوا إن الحديث ذكر بالفعل أن من سيفوز بتلك الساعة - عن طريق التخرُّص والتنبؤ - هو قائم يصلي، وهذه الساعة ساعة نهي عن الصلاة؛ إلا أن هناك حديثا مفاده أن من انتظر الصلاة فهو في صلاة.
ما أعجب هذا التبرير!! الرسول يقول (قائم) وهؤلاء يقولون (ينتظر)!!
وقبل أن أختم أقول: إن الله تعالى هو قيُّوم السماوات والأرض، وهو الذي لا يغفل ولا يسهو ولا يغيب ولا ينام ولا يتعب، وكل صفات النقص هذه - وغيرها - قد نَزَّه اللهُ ذاتَه العليَّة عنها في آيات بينات من الذكر الحكيم.
ورغم ذلك يأتي من يقول إن الله (متواجد) في أمكنة أكثر من غيرها، أو أزمنة أكثر من غيرها، وأنه (أقرب) في ظروف زمانية ومكانية معيّنة و(أبعد) في ظروف مغايرة!! لا أجد ما أعلّق به سوى الاستغراق في التسبيح وتنزيه الله عن ذلك كله.
وقد ملأتُ منشوراتي هذه بالكثير من علامات الاستفهام حول ما يتناقله الناس عن مواطن الإجابة وتأقيتاتها، وبعد أن استنفدت جميع علامات الاستفهام التي بحوزتي، أقتبس جزءا من آية كريمة، وأستعير من جميع البشر أصواتهم
لأجعلها صوتا واحدا هادرا كهزيم الرعد ممتلئا غضبا وسخطا وتغيُّظا وزفيرا، وأخاطب جميع المسلمين في أصقاع الأرض قائلا: أليس منكم رجل رشيد)؟!!
انتهى
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...