فيصل بن ماجد السبيعي
فيصل بن ماجد السبيعي

@Saifkarrim

28 تغريدة 42 قراءة Feb 25, 2024
مقدمة كتابي (صوت من خارج الصندوق)
وسيصدر قريبا عن "دار إرفاء للنشر والتوزيع"
"لقد جاءت موضوعات هذا الكتاب نتاجا لرحلة طويلة من القراءات الجادة المتنوعة، والتأملات العميقة والمتأنية في آيات القرآن المجيد، امتثالا لأمر ربنا تبارك وتعالى في قوله:
(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد 24. ثم البدء بمقارنة ما ورد في الموروث الإسلامي بالنص القرآني المعظَّم، وكذلك النظر الفاحص الكاشف لما يطرحه أعداء الإسلام من شبهات، والاعتماد على القرآن في تفنيدها ودحضها.
وهي رحلة امتدت لما يَنيف على العشرين عاما، سبقتْها قراءات عشوائية كأي قارئ صغير قد بدأ للتو يتذوق طعم الحبر. وقد وجدت أن أخطر ما يواجهه المسلم الوسطي المعتدل المتّزن، هما فريقان متضادان تماما، وكلاهما يقع في أقصى الطرف بالنسبة للآخر، وقد قال الشاعر أبو النجم العِجْلِيّ:
عليك بأوساط الأمور فإنّها
طريقٌ إلى نهجِ الصّوابِ قويمُ
ولا تَكُ فيها مُفْرِطًا أو مُفَرِّطًا
كلِا طَرَفَي قَصْدِ الأمورِ ذميمُ
أما الفريق الأول، والذي يقبع في أقصى اليمين، فهم المتشددون في الدين والمتنطعون فيه، والمنادون بتجميد الفكر الإسلامي عند فهم السلف
معتبرين أي محاولة لنقد الموروث - الذي هو إنتاج بشري - تعديا سافرا على الدين تجب معاقبة صاحبه، بعد كيل التهم الجُزاف له بشكل يكاد يخرجه من الدين كله.
وأما الفريق الثاني المُنزوي في أقصى اليسار، فهم الملحدون والربوبيون واللا دينيون، والذين انخلعوا من الدين جملةً وتفصيلا
ولكنهم لم يكتفوا بهذا الانخلاع، بل أخذوا على عواتقهم مهمة محاربة الدين وإثارة الشبهات حوله، باعتباره علامة على التخلف والرجعية، وباعتباره حجر عثرة يقف في طريق التقدم والرقي والحضارة، بزعمهم.
والحقيقة أنني لم أجد كبير جهد في التصدي لهذين الطرفين المتناقضَين؛ ذلك أن الإسلام نفسَه دين حصين منيع ضد أي محاولة لجعله مكروها عند الناس، سواءٌ بالتشدد فيه أو بالارتداد عنه. وليس أَدل على ذلك من أنه أسرع الأديان انتشارا على مستوى العالم
وأن الناس لا يفتؤون – خاصةً العلماء والعقلاء - يدخلون فيه من الشرق والغرب زرافات ووِحدانا. كما أن عباءة التشدد التي لبسها البعض ردحا من الزمن، قد أصبحت كالأسمال البالية، ولم تعد تستر عوار هذا المنهج؛ فسماحة الإسلام وقبوله للتأقلم والتكيُّف مع احتياجات الناس دون المساس بالثوابت
جعلتْه يبرز من وراء تلك العباءة ويمزقها، معلنا عن حضوره الإنساني العظيم، في كافة نواحي الحياة.
إلا أنني - عند المقارنة - وجدت أن نقدي لمنهج المتشددين استلزم جهدا أكبر من الفريق الآخر؛ ذلك أن الفريق الآخر ذو حجج واهية وشبهات متهالكة هرِمة أكل عليها الدهر وشرب.
أما الفريق الأول، فإنه من الصعب اقتلاع واجتثاث أفكارهم التي يتعصبون لها، من توقيرهم لكل ما هو قديم بغض النظر عن توافقه مع القرآن أم لا، إذ إنهم يُتوِّجون رؤوس جميع السلف بهالات من القداسة تجعل مجرد استهجان ما أتى به بعضهم من طوامَّ يشيب لها رأس الوليد، استهزاءً بالدين وسخرية منه.
ومما أثلج صدري حقيقةً، هو ما نمى إلى علمي مؤخرا من أن الأمير المُلهَم المجدِّد، سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أيّده الله؛ قد أزمع على تبنّي مشروع مبارك، يهدف إلى تنقية وغربلة مرويات الموروث الإسلامي مما علق بها، من وضع الوضّاعين ووهم الواهمين وتدليس المدلسين
وكذلك ما تسرب إليها من أساطير الأمم الأخرى، وكل ذلك بما يتواءم مع القرآن المجيد، وعظمة الدين، وسماحة الشريعة، وكمال الشخصية المحمدية المشرَّفة. وهي – دون شك – خطوة شجاعة من رجل مِقدام واعٍ برسالته التي يحملها، وفاء لدينه قبل كل شيء.
وسيكتب التاريخ بمداد من نور، هذا الجهد الجبار الذي أسأل الله أن يوفق سموه لإتمامه على أكمل وجه، وأن يجزيه عن الإسلام خير الجزاء معاشا ومآلا.
وقد احتوى الكتاب - أيضا - على نقد وتصحيح لبعض الأفكار والاعتقادات المترسخة لدى الكثيرين، والتي لا ينبغي للمسلم الواعي أن يصدّقها
ولا أن يفهم أن الدين يؤيدها ويعضّدها؛ ذلك أن الدين الإسلامي دين واقعي وعقلاني، وبعيد كل البعد عن الخرافات والأباطيل التي تسرّبت إلينا – مع شديد الأسف – من أديان أخرى أو من أمم أخرى، سواءٌ كانت أمما بائدة أم باقية.
وقد يحتجّ مَن يرفض ما ذهبنا إليه في نقد وتعرية تلك الترّهات، بأن هناك علماءَ أفاضلَ أوردوها في مصنّفاتهم، كما أن هناك علماءَ لا يزالون يؤمنون بها، ولا يجدون غضاضة في تصديقها. ولهؤلاء أقول: إن الرجال يُعرفون بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال، ولا أحد فوق النقد سوى الله وكتابه ورسوله
وبيننا وبينهم القرآن المجيد، ثم العقل والمنطق.
وقبل الختام، أودّ التوضيح بأن منهجنا لا علاقة له بمنهج مَن يُسمَّون بـ (القرآنيين)، وهم قوم يرفضون الأخذ بجميع الأخبار والآثار والسِّيَر، دون وجود مسوِّغ لهذا الرفض.
كما أنهم يرفضون الأخذ بأفعال النبي الأكرم وأقواله جملةً وتفصيلا، وذلك دون أي مبرر مقبول للرفض. أما نحن فنأخذ بجميع الأحاديث والأخبار والآثار والسِّيَر، ما لم يوجد مانع من الأخذ بها، اتكاءً منا على القرآن ثم العقل والمنطق، كما لا نفتأ نردد.
وكذلك نأخذ - معتقدين بوجوبها الباتّ - كيفية الصلاة والصيام والحج الزكاة، وهو ما يسمى بـ (السنّة الفعلية المتواترة)، والتي اكتسبت صفة الثبوت القطعي لعدم إمكان تحريفها؛ حيث امتدّ خطّ التواتر الفعلي دون انقطاع منذ عهد النبوة المباركة إلى اليوم، فأصحبت كالقرآن تماما.
ولا يمكن معرفة تلك الكيفيات عن طريق أقوال الرسول؛ لأن كتب الحدبث جميعها، تخلو من حديث واحد - مرفوع لا موقوف - تكلم به النبي الأكرم موضا تلك الكيفيات، وإنما - مثالا - قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال عن الحج: "خذوا عني مناسككم".
أما الأقوال المنقولة عن النبي وعن الصحابة، وما أورده أصحاب السِّيَر، فإننا نعرضها على القرآن، فما وافقها أخذنا به، وما عارضها رفضناه؛ لأن القرآن نص قطعي الثبوت محفوظ من لدن المولى عزّ وجل. أما أقوال النبي وغيره، فهي نصوص ظنّية الثبوت؛ إذ لم يتكفّل الله تعالى بحفظها.
ومن المعلوم أن محاكمة الظنّي أمام القطعي، هو أمرٌ يوجبه العقل والمنطق. أما ما لم يوافق القرآنَ ولم يعارضْه، فهو مقبول، شريطة ألا يتضمن تحريما أو تشريعا غيرَ مذكور في القرآن؛ ذلك أنها أمور قد اختصّ اللهُ بها، فلا حرامَ إلا ما حرّمه الله في كتابه
أو قِيسَ عليه قياسا منضبطا (كالحكم بتحريم المخدرات لاجتماعها والخمرَ في علة إذهاب العقل). كما أنه لا تشريع إلا ما شرَّعه الله في كتابه. هذا وإنّ ما نقبله من أقوال النبي، مما لا تحريم فيه ولا تشريع، لَهُوَ من أَجَلِّ الأقوال وأعظمها بعد كتاب الله
لأنها قد تضمّنت الحكمة النبوية التي قال الله عنها: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) البقرة 151.
وهو ما لو تركه المسلم لفرَّط في خير كثير، ولخسر كنزا عظيما من مُذَهَّبَات القول وبديع الكلام الذي اشتمل على خير وفير، مَن تركه فقد غُبِنَ ووُتِرَ وكاد يفلس؛ لأنه حرم نفسه من أن تفوز بقبَس مبارك، من مشكاة الهَدي النبوي التي يكاد سَنَاها يذهب بالأبصار ويخلب الألباب.
فإن اعترض معترض وقال: كيف تقول هذا وأنت تزعم ظنيّة ثبوت أقوال النبي؟! قلت له: إنه لا يَضير المسلمَ ولا يضره، الأخذُ بتلك الأقوال وإن لم تثبت صحة نسبتها لمقام النبوّة المشرَّفة، ذلك أنها ستعود عليه بالنفع، وما كان نافعا؛ فلا يهم إن كان النبي قد قاله أم لا.
وإن كان اللسان الطاهر لسيدي رسول الله، حريًّا بأن يكون قد نطق بها؛ لأن عليها طَلاوَة الهَدي النبوي، ووَضاءة الحكمة البالغة.
وأختم بدعوتك - عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة - إلى النظر إلى هذا الكتاب على أنه محاولة للمشاركة في مجابهة خطر الفريقين المذكورَين في صدر هذه الديباجة
ولا أزعم أنني قد أحطت بكافة الأفكار إحاطةَ السِّوار بالمعصم، فهذا ما توصلتُ إليه بعد محاورات ومناوشات مع كلا التيارَين، وهذا الكتاب يحتوي – في ما يحتوي - على حصيلة مناقشتهم في حوارات طويلة، سواءٌ بطريقة شخصية مباشرة، أو عبر منتديات الرأي إبَّانَ ازدهارها.
وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يغفر لي إنْ أنا زللت عن الجادّة سهوا أو قلةَ علم، وما كان فيه من الصواب فالله هو المحمود عليه، وما كان غير ذلك فأنا وحدي من يتحمّل جريرته.
فيصل المرعيد – الرياض 2023
fm1594@yahoo.com
انتهى
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...