د. عبدالله الجديع
د. عبدالله الجديع

@abdulaah_d

6 تغريدة 13 قراءة Aug 11, 2024
1️⃣سلطة الثقافة الغالبة لإبراهيم السكران
يعد كتاب (سلطة الثقافة الغالبة) محل احتفاء كبير بين الحركيين، إذ ينطلق من مسلمّات العديد من رموزهم، وكان محور ما اهتم به إبراهيم السكران الحفاظ على الهوية، وفي اندفاعه لهذا كان يعتمد على شخصيات معينة فيصف أبا الأعلى المودودي بأنه أحد (الروّاد ذي الأثر المتجاوز للحدود)، لقد كان هؤلاء الرواد بنظره مدافعين عن المنطقة في وجه مؤامرة كبرى!
يقول: (بعض الشباب المتطلع للثقافة اليوم يتوهم أنه يعيش انفتاحًا وتجديدًا بين مجموعة من المنغلقين، ولا يعلم أنه ضحية لمؤامرة سياسية كبرى تستهدف من خلال نوافذ مختلفة إعادة ترميم الإسلام لينسجم مع مصالح اللاعبين الكبار) [ص١٩]
يعتمد السكران في كتابه على الهجوم التام على الأفكار الغربية، ويغفل عن الشرقية حيث كان العالم الشيوعي، إذ ينشر هذا العالم فيما عرف بالحرب الباردة، خطابًا ثوريًا، يسعى لأن يحول شعوب المنطقة العربية إلى اتجاه مصادم للولايات المتحدة على سبيل المثال لحساباته.
2️⃣يغفل السكران عن كون المودودي وسيد قطب وغيرهما نشأوا في ظل هذا الخطاب، ولا يعني أنه وجد عندهم كلامًا ضد أفكار الغرب أنهم ينطلقون من الهوية العربية الإسلامية، إذ إنهم يرددون خطابات يسارية ضد العالم الغربي، وأوضح هذه الأمثلة كتاب سيد قطب (معركة الإسلام والرأسمالية)، وكتابه: (العدالة الاجتماعية) إذ كان منسجمًا مع خطاب المعسكر الاشتراكي بتسميته بشعارات الإسلام!
لقد تعامل هؤلاء مع الأفكار الشيوعية على أنها طوق نجاتهم من الغرب، لذا صاروا يستدلون بأفكار الخوارج على عثمان تارة، ولذا لم يكن غريبًا على سيد قطب أن يصب غضبه على ذي النورين، كذلك كانت أفكار توزيع الثروات، تحت شعار (العدالة الاجتماعية)، والواقع أنهم قصدوا الأفكار الاشتراكية لذا لا يزال أتباعهم يتحدثون عن حقهم المزعوم إلى اليوم بنفط ومال الخليج العربي!
3️⃣ كان السكران ينظر بعين واحدة، فما دام رمزه الذي يتعرض له ينال من الغرب فهكذا يكون نبراسًا للحفاظ على الهوية في حين أنه يغفل ما تأثر به طيلة القرن العشرين! وهو حين يقدّم آراءه لا يمتلك شجاعة التواضع، بأنَّ ما يقوله رأي يمكن نقاشه، بل قفز إلى جعل كلامه وتحليله دين الله! فقال: (التفسير التآمري حقيقة قرآنية وواقع مشهود، لا ينكره إلا مستغفل أو مستفيد) وهو بهذا يلطف العبارة فحسب، فمن ينكر حقيقة قرآنية ليس مسلمًا! فيجعل سيف التكفير مسلطًا فوق رأس من يناقشه، ولا ضمان متى ينزله على المخالفين الذين هم عنده ضمن دائرة المغفلين أو العملاء للغرب! [ص٢١]
وفي سبيل رسم مؤامرة كبرى واتهام من يخالفه بأنه مشارك فيها يسأل أسئلة تدل على سطحيته، فيقول:
(لماذا لا نجد ولا مثقفًا واحدًا يطرح إشكاليات التعارض بين نصوص التراث والثقافة الإفريقية؟) ليصل إلى القول: (كل كتبهم ومقالاتهم …. تنوح فوق خطوط التماس بين نصوص الوحي وثقافة الغرب الغالب)
وهكذا تتحول نصوص التراث التي تشمل مختلف الآراء المنقولة تاريخًا، بما فيها من تجربة بشرية تحتمل الصواب والغلط، إلى نصوص وحي! رغم أنَّ التراث يشكل كل ما كتب من قبل، وليس جميعه وحيًا! ومع ذلك في سبيل التأكيد على الهوية يقول أين ردود المثقفين على غير الأفكار الغربية! رغم أنَّ كلامه غير صحيح، فكثيرون كتبوا في مهاجمة الشيوعية الشرقية، من مثقفين.
وقد تعامل الفقهاء قديمًا بطريقة تمييز مع العرف، فليست كل ثقافة مقبولة، بل فيها ما ينفع وفيها ما لا ينفع، وفيها ما يجوز وأخرى لا، ولابن عابدين رسالة بعنوان (نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف) ذاكرًا فيها شروطًا معينة للعرف المقصود، كأن يكون عامًا ومطردًا، وليس فيه محرم، ونحو ذلك.
أما عن الثقافة الإفريقية ففيها ما هو مرفوض ويتعارض مع التقدم مثل اعتقاد كثيرين في تنزانيا بأنَّ حليب الأم يجعل الأطفال كسالى، أو اعتقاد بعضهم أنَّ أكل طرف المصاب بالمهق يعالج السحر وغير ذلك، وفي التراث الهندي ما يعرف بالسُتي وفيها تقدم زوجة المتوفى على الانتحار، ومنعت هذه العادة مع الاحتلال البريطاني في الهند، وجرّمت.
ففي كل أمة في تراثها ما يحوي ما لا يتفق مع العصر، ولا تحدياته، ومعاييره، وقد يكون في التراث مواقف متطرفة تصادم تقدّم المجتمعات، على سبيل المثال تحريم بعض الفقهاء قديمًا تعليم النساء، هل هذا الموقف هو الوحي؟ بحجة أنه منقول؟ حتمًا لا، فهل حين يكون حق تعليم النساء مدافعًا عنه في الأوساط الثقافية يصحي دفاعًا عن أفكار غربية؟ أم كل من يخالف الإخوان اليوم هو غربي؟ لا خطوط واضحة في هذا أمام عبارات متسعة بالادعاء والاتهام في الوقت نفسه.
4️⃣ ويتغافل السكران وهو مشحون بادعاء الحرص على تفنيد الثقافة الغربية بزعمه، ومع ذلك فإنه لا يلتزم بمنهج السلف، رغم أنه هو الذي رفع لواء الدفاع المزعوم عنه فيقول كاشفًا معتقده:
(أهل السنة والجماعة …. أخذوا بقاعدة الإنكار السياسي العلني) [ص٦٦]
وهذا الذي قاله ليس صحيحًا! قال الشيخ ابن باز:
(ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير)
فالسكران إذ يأخذ بالنهج الثوري، الليبرالي، أو الاشتراكي، هو نفسه واقع فيما يدعي مهاجمته، فيجعل النموذج الغربي السياسي أساسًا ينسبه بعدها إلى أهل السنة، وهكذا باسم الهجوم على الثقافة الغربية، يضمن كلامه محتوى غربيًا، مزعوم النسبة إلى التراث!
5️⃣ ولم يفهم السكران العبارة، وطار على عجل إلى القول: هذا كلام محدث! فالكلام عن عدم الاحتكام إلى مغالطة الشخصنة هي في نسق الحجة، إذ تحمل ما عرف بالدَوْر، بأنه يرفض الفكرة تبعًا لصاحبها، ولما يقال لمَ رفضته يقول لسبب الفكرة! وهكذا يدور في حجته.
لذا جاء في القرآن (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) فطالبهم بالدليل على القول، لا رفض القول بحجة الأشخاص!
هذا الكلام المفهوم راح السكران يخالفه بأنَّ السلف قد ينقدون كتابًا ويسمون مؤَلفه! وهكذا سيعتبر أنَّ أي مراجع لكتابه ومخالف قد هاجم الأشخاص! بحجة تسمية المخاطَب رغم أنَّ هذا ليس مقصودًا من الكلام نفسه، إنما العبرة بالقول وأدلته بقطع النظر عن مصدره، فيما لا يكون من الرواية إذ هي مبنية على الثقة بالراوي، أما غير ذلك من الحجة فالعبرة بأدلة القائل.
6️⃣ وأخيرًا يعد كتاب السكران نموذجًا لتسطيح المسائل واختزالها إلى ثنائية نحن وهم، بدل التحقيق الجاد، والقدرة على التصور والتمييز والتفنيد، فهو كتاب دعائي في المقام الأساسي، يتضمن الدعوة لرموز معينة مثل المودودي، في سياق اتهام المخالف بالخضوع للثقافة الغربية.
لذا احتفت به الأوساط الحركية، فهو كتاب على وزن برامجهم باسم الرد على الشبهات وصناعة محاور، مع تضمين الأيدلوجيا السياسية في سياق غير معلن عنه بأنه توجيه سياسي، مثل قول السكران بأنَّ أهل السنة يأخذون بقاعدة الإنكار العلني السياسي، وهكذا يضع ادعاءه موضع التسليم ويمر عليه سريعًا دون أن يذكر دليلًا عليه، فهذه الكتب أسميها بدائل المنابر الصحوية، مثل الأكاديميات الإلكترونية التي تزرع مسلمات أيدلوجية، لا أنها تنشر علمًا ومعرفة.

جاري تحميل الاقتراحات...