mamdouh elnaby
mamdouh elnaby

@55Elnaby

23 تغريدة 14 قراءة Nov 27, 2023
❝ما لم أستطع قوله لأحدهم بلغة أخرى❞
#عام_طه_حسين
في فيلم “kasaba”(البلدة) 1997، لنوري بلقة جيلان، يدور حوار عن الوطن والاغتراب، وحالة الحنين التي تنتاب المغتربين، والفرق بين الموت هنا والموت هناك، فإذا بالجدة تقول في قول حاسم: إن" الحنين إلى الوطن هو شقاء لا يشبهه أي شقاء”
2️⃣ ولا يدرك هذا المعنى إلا من عاش تجربة الاغتراب بعيدًا عن الوطن والأهل والأصدقاء والحبيبات اللاتي ما زالت روائح عطورهن تطارد المحبين. في تجربة مثيرة لأحمد زكريا يعود من جديد إلى الشعر بمجموعة شعرية ذات عنوان طويل وآخاذ “ما لم أستطع قوله لأحدهم بلغة أخرى”
3️⃣ بعد أن هرب منه إلى الترجمة مع رفيقة دربه ملاك دينيز أوزدمير.
تظهر معالم الشقاء الذي لا يشبهه شقاء، الذي يعانيه من اغترابه عن وطنه، دون أن يبوح بذلك صراحة، أو حتى يجأر به في أحاديثه، وفي كتاباته. تجربة تمزج بين القسوة على الوطن والأب والأصدقاء والحبيبة و الحنين إلى هذا الوطن
4️⃣ الذي يستحضره في كل ما يراه في الشوارع والحارات والموسيقى التركية ووجوه المغتربين، والمتشابهين معه في الهويات المنقسمة والمتشظية بفعل وطأة الغرب وقهر القنصليات وإدارات الهجرة كسعدي يوسف “ وصوته وهو يصرخ وحيدًا “ماذا أفعل في أرض غير عربية؟”، أو في صورة صديقه الألماني التركي الذي
5️⃣ كان يبحث “عن معنى للوطن واللغة الأم”، وفي صورة الجندي التركي الذي شارك في حرب في غير بلاده ، وقد صار “أبا لطفلة” عثر عليها مصادفة وهو يقلب في جثث العدو، وفي صوت أحمد كايا وهو يجتر محنة حبه لوطنه بصوته بعدما صار مطاردًا منفيًّا يغني “للنوارس التي تبكي، في مقالب النفايات،
6️⃣ ومخافر الشرطة الممتلئة بالغرباء”. يرثي موته وحيدًا في باريس وقد قتله “انتماؤه إلى الجبال”.
ورغم كل من لاذ بهم إلا أن وطأة الاغتراب أقوى وأنأ على النفس،فيبدو مزيجًا من مشاعر مختلطة مثل “زحام هذه المدينة / أشعر أنني واحد من أبنائها الضائعين بين هويتين، أو واحد من هؤلاء الغرباء
7️⃣ “الذين يتادرون بجرعات هائلة / من القطع الموسيقية قبل النوم” أو هؤلاء الذين“يلفهم القلق كسحابة / في طوابير انتظار الإقامات “ ومن ثم “تقتلهم الأسئلة الباردة في إدارات الهجرات حول تاريخ العودة”
حالة الهروب من الشعور بالحنين والخوف لم تفارقه، فمَن يدقق في اختياراته كمترجم
8️⃣ يكتشف وهو يستعذب ألم فراق الوطن، والحنين إليه، أنه يحمل “جراح كل الحروب التي هرب منها” حسب تعبير بيسوا، فيلوذ - دون وعي منه - بتجارب المنفيين والمضطهدين من الكتاب الأتراك، على نحو تجارب: ناظم حكمت، وأوروهان كمال، وتجربة السجن ومراسلاتهم، وتجربة عزيز نسين في مصر والعراق
9️⃣ وصباح الدين علي، بل إن الحنين يدفعه إلى البحث عن الروابط بين وطنه ومغتربه / منفاه، فيترجم “وحدة الموسيقى العربية والتركية” لمراد أوزيلدرم باحثًا عن دفء أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب، أو صورة مصر في الأفلام العربية التي كانت خير سفير لمصر في وقتها، وفي رغبة حقيقية للبحث عن حقائق
🔟 التاريخ بعدما التبس الحق بالباطل، وهو ما كان سببًا في غربته، يترجم “حقائق التاريخ” لألبر أورطايلي. يبحث عبر هؤلاء عن “وطن حقيقي ولغة أجنبية”
في الحقيقة يستعيد أحمد زكريا تجربة الألماني “إيريش أورباخ” عندما نُفي إلى إسطنبول، فجعل سنوات المنفى سنوات استعادة للتراث الأدبي الغربي،
⏯️ في كتابه “محاكاة الواقع كما يتصوره أدب الغرب” أو ما فعله إدوارد سعيد الذي شعر بوطأة الاغتراب، فلاذ بالمنفي الأكبر “جوزيف كونراد” فقدم عنه أطروحته، ثم راح يستعيد تجربته في أكثر من سياق، بالطبع مع الفارق بين التجارب وتأثيراتها، ونتائجها.
الحقيقة أن ما لم يقله علنًا قاله نيابة
♶ عنه الشعر بغضب وحدة، أو الشاعر الذي خبأه مثلما خبأ حبه وحنينه إلى وطنه، وخوفه من الوحدة وأن يموت “دون أن يحس به غيره”، أو حتى ألا تتذكره الحبيبة التي ربما قد تكون وفية “تحكي غرامي في مساء بارد / لحفيدة لا تحمل اسمه”، وباللغة الجديدة التي أراد أن يخفي هويته فيها.
〶 فالمجموعة الجديدة “ما لم أستطع قوله لأحدهم بلغة أخرى”، تقدم لنا معاناة الشاعر / أحمد من افتقاده لوطنه الذي اغترب عنه طيلة خمس سنوات أو أكثر، تظهر حبه لوطنه، الذي يعلن بالنفي أنه “ لا أبحث عن بلادي” في تعبير مناقض لداخله وسعيه للبحث عن بلاده عبر صور جديدة وليس صورة خرائط
◀️ ومعالم، فهو لا يبحث عن بلاده بالشكل الفيزيقي وإنما يبحث عن “كلمات لم يكتبها الشعراء بعيدًا عن بلادهم / عن بلاد لا تحاول أن تحذف الربيع من الكتب المدرسية “ وأيضًا عن غضبه وثورته عليه “أيها الوطن القذر” ويدعوه لأن يخرجه “من رأسك الصفيح / وألق بذكراي في النيل”
☢︎ بل نراه من شدة غضبه لحبه إليه يتبرأ منه “وألا أشوه اسمك المنحوت في ملامحي / عندما أحاول مثلا / أن أقنع بائع البازار بأنني لست سائحًا”
أحمد لم يذرف الدموع أو يرثي الديار أو يتذكر مراتع الطفولة وملهى الأصدقاء، أو حتى استغل منصات التواصل الاجتماعي لإظهار افتقاده لوطنه،
👇 بل على العكس تمامًا، نراه شخصًا - في مجموعته الشعرية - لا أقول غير مبال وإنما يدعى اللامبالاة، بأن “يتسكع في شوارع إسطنبول والبوسفور، ويمشي من أيوب سلطان إلى بلاط، ويجلس في أدرنه قابي، ويستند إلى سور القسطنطينية القديمة. في الحقيقة ما يفعله ليس مبالاةً، وإنما هو هروب من الألم،
⏯️ هروب من وقع مدينته القديمة التي تطارده في كل مكان يتجول فيه، فهي حاضرة بقوة دون تصريح مباشر، إلى هذه الشوارع وتلك الأماكن، فنراه يخفي وجعه وألمه وهو يتحدث بلغة أخرى غير تلك التي كتب بها الشعر، وقرأ بها وعشق بها، وحتى قرأ بها ناظم حكمت قبل أن يقرأه بهذه اللغة التي يختبي خلفها
❌ حنينه يظهر في هذا الخوف وذاك التردد في رغبته “أن أكتب عن خوفي / أن تهترئ بلادي”، أو عن خوفه من هاجس “مدينة عملاقة أغرتك ثم ابتلعتك” وعن خوفه افتقاده لغته الأم وبدونها كما يقول “كأني بغير لغة الأم، أصير يتيم المعنى”، أو خوفه من الموت وحيدًا، دون أن يطرق بابه جاره الذي لا شيء
🅿️ الذي لا شيء يجمعنا سوى حلم الحياة الآمنة”. وعن “النهايات السريعة التي تمر علينا” ولكن وهو يسمع “أغانٍ شعبية لشعب آخر ، وفي مدينة غريبة”، الوقت ليس كما صوره المنفيون بطئ وممل، بل على العكس تمامًا هو سريع، لأن لديه الرغبة في أن تطوى الصفحة، وهو يستعيد صورة هذا الوطن المفقود
♨️ الذي يسلي نفسه بأنه ربما ولد فيها فهو “ولد أكثر من مرة: بجوار النيل والبوسفور”، ليست هذه التسلية الوحيدة لذاته المغتربة، والمستلبة، التي يسعى إلى استعادتها بحيل من قيل أن يقنع الذات التي يخاطبها كشخص منفصل عنها: أن تصاحب شجرة في مدينة غريبة، ويمكن أن تلقي باسمك في الهواء “
✳️ أو “أن تصاحب شغفك بالبيوت الخشبية / وأن تفكر في الحكايات”، أو أن يخترع مفهومًا جديدًا للمدينة فتصبح “كلمة فضفاضة كأحلام الغزاة، ومعقدة كالنقوش الحجرية”.
ومن الحيل التي يستعيض بها أحمد زكريا لمواساة الذات في مغتربه، لئن كان محمود درويش “ يحن إلى خبز أمه”، فإنه يحن إلى
💹 “رائحة أبيه”، الذي يستدعيه ويجري معه حوارًا، بل يأخذه في رحلة متخيلة حيث منفاه يطوفان معًا في شوارع أسكودار أبيه، ويدعوه إلى تأمل أفعاله وهو بعيد “ليتك شاهدت ديسمبر في أوسكودار معي يا أبي” ، وما يشعره في جو إسطنبول القارس في الشتاء، شكو له عن وجعه بأن “نسيم البسفور لا يداوي
✳️ يداوي إلا أهل البسفور” بل يتخيل أن والده حضر ويرشان “الحمام بالقمح….” ويغنيان معًا “في الطريق إلى إسكودار وجدت منديلاً”، ويتسكع “بين القبور القديمة”
تجربة قاسية، بلغة شجية وصورة باذخة في المفارقة والألم، تجربة موجعة تجعلك تلعن الغربة والذين كانوا السبب فيها.

جاري تحميل الاقتراحات...