د. سعد ~
د. سعد ~

@s_hadeth

10 تغريدة 42 قراءة Nov 12, 2023
اشتُهر أنّ البخاري يروي الحديث بالمعنى، ويتصرف بالألفاظ اختصارًا وتقطيعًا، وأنّ هذا أنزل كتابه درجة عن صحيح مسلم؛ لأن هذا الأخير كان يحترز في الألفاظ ويؤديها كما هي، وقد أشار إلى هذا الحافظُ ابن حجر في معرض المفاضلة بين الكتابين وسبب تقديم المغاربة لصحيح مسلم.
#فوائد_حديثية
وبرّرالحافظ ذلك: بأن البخاري صنّف صحيحه في طول رحلته، فقد روي عنه أنه قال: «رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر» فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه فلا يسوق ألفاظه بنفس الدقة التي سمعها من شيوخه أول مرة، بل يتصرف فيه ويسوقه بمعناه.
خلافًا لمسلم الذي صنف صحيحه في بلده، وكانت معه أصوله، وفي حياة كثير من شيوخه.
وعندي: أن هذه المفاضلة خاطئة من أصلها؛ لاختلاف منهج التصنيف عند الشيخين -وإن قصد كل منهما ما صح من الأحاديث- وبُنيت على عجلةٍ بغير استقراء كاف للأحاديث التي قيل: إن البخاري رواها بالمعنى!
وقد تتبعت الأحاديث التي:
١- اتفق عليها البخاري ومسلم في المتن والإسناد، وعددها (٧٣) حديثًا، فلم أجد بينهما اختلافًا مؤثرًا في المعنى، بل كثير منها مروية بنفس اللفظ، حتى الطوال منها!
٢- والأحاديث التي كرّرها البخاري سندًا ومتنًا، وعددها (١٠٧) حديثًا، ولم أجد كذلك اختلافًا مؤثرًا.
وأما اتكاء الحافظ على قول البخاري السابق، فلا حجة فيه لعدة أسباب، منها:
١- أن البخاري قال: «رب حديث» وهذا يدل على قلة ذلك عنده، فليس هو منهج دائم له في التحمل والتصنيف!
٢- أن قوله: «رب حديث» يشمل أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهي كثيرة جدًا، فلا يستخدم للمرفوع فقط!
٣- أن البخاري عندما قال عبارته تلك لم يقصد بيان منهجه في التصنيف، ولا كيفية تصنيفه لكتابه الجامع الصحيح، بل لم يتعرّض لذكر صحيحه أصلًا، فلم يقصد بيان منهجه في تخريج الأحاديث وانتقاء الألفاظ وضبطها، فهذا كله لا يُستفاد من قوله ذلك.
٤- كان البخاري على طريقة المحدثين: يكتب الحديث الواحد من عدة وجوه، ويرويه عن عدة شيوخ، عاليًا ونازلًا، فإذا عزب عنه طريق فعنده مئة طريق يسدُّه ويقوم مقامه! فكان ماذا؟! ناهيك عن قوة حفظه ومتانة ذاكرته التي هي محل إجماع بين شيوخه وطبقته، فضلا عمن بعدهم!
وقد تلقف المخذول أبو رية كلمة الحافظ هذه؛ ليطعن في صحيح البخاري ويشكك في ثبوت ألفاظه، وذكر مثالًا حديث سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كرره البخاري في موضعين من صحيحه، سندًا ومتنًا، مع اختلافٍ في سياقه، وهذا يدل على تصرف البخاري بألفاظ الحديث كما فهم المخذول!
قلت: والحديث مروي عند البخاري بإسنادين! لا بإسناد واحد:
- فالموضع الأول منه: قال البخاري: «حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: سّحر النبي.
[وقال الليث]: كتب إليّ هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه، عن عائشة قالت ..» وذكره.
- والموضع الثاني منه: قال البخاري: «حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ...» وذكره.
فكما ترى: فالحديث بإسنادين لا بإسناد واحد، فالأول: ساقه البخاري من طريق الليث عن هشام، والثاني: ساقه من طريق عيسى بن يونس عن هشام!
والحمد لله.
سعد الشيخ.

جاري تحميل الاقتراحات...