عبدالمحسن السبهان
عبدالمحسن السبهان

@abdmsn_alsabhan

34 تغريدة 65 قراءة Oct 12, 2023
زيد الشمري الذي رافق الرحّالة محمد أسد وقابل الشيخ الشهيد عمر المختار
امتلأت حياة زيد منذ نعومة أظفاره بالأحداث المثيرة، فقد كان صبيًا مقاتلًا في فرقة غير نظامية من قوات الجمال التي كانت تمولها الحكومة التركية في شبه جزيرة سيناء في أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم محاربًا…
بين المدافعين عن موطن قبائل شمر (حائل)، ثم عمل مهربًا للسلاح في الخليج العربي، وعمل في تجارة الخيول في مصر، ثم جنديًا في العراق، ثم عمل مرافقًا للرحّالة النمساوي محمد أسد لخمسة أعوام عبر أرجاء الجزيرة العربية. ٢/
يقول عنه الرحّالة محمد أسد: "على الرغم من أنني قد قطعت تلك الصحراء (النفود الكبير) قبل ذلك في اتجاهات مختلفة، ولأسباب متباينة، فإنني لم أجرؤ على عبورها بمفردي دون دليل من البدو، وهكذا كان زيد دليلي ورفيقي في تلك الرحلة. الآن، في أواخر صيف سنة ١٣٥١هـ (١٩٣٢م)، كنا نرتحل معًا، ٣/
كما فعلنا كثيرًا من قبل، نشق طريقنا عبر الكثبان الرملية الموحشة المقفرة، نتوقف كلما وصلنا إلى إحدى الآبار التي تفصلها بعضها عن بعض مسافات طويلة، نستريح ليلًا تحت قبة من نجوم ترصّع السماء؛ وفي الآذان صوت أبدي رتيب لوقع أقدام الجمال فوق الرمال الساخنة، وأحيانًا، يرتفع حداء زيد ٤/
منشدًا بصوت أجش على وقع خطا الجمال، نستريح ليلًا، يعد زيد القهوة العربية ويطهو الأرز، ونخوض أحيانًا منافسات عنيفة، ينساب النسيم البارد على أبداننا في راحة الليل ونحن ممددان على الرمال، ثم تشرق الشمس بين هامات الكثبان الرملية، حمراء كالدم، لتصب حرارتها بعنف كالألعاب النارية، ٥/
وأحيانًا أرى معجزة الأعشاب التي تبدو ميتة وجافة حين تنساب إليها قطرات من الماء بالمصادفة. كانت تلك المنطقة موطنه وموطن قبيلته، فهو من قبائل شمر، التي تحيا على المشارف الشرقية والغربية لصحراء النفود الكبرى، وحين تهطل أمطار الشتاء المفاجئة الغزيرة، تتحول تلك الكثبان الرملية إلى ٦/
مروج تموج بالعشب والكلأ، فترعى إبل قبائل شمر على ذلك الكلأ عدة أشهر من كل عام. كانت تلك الصحراء تسري في دم زيد، وكان قلبه يخفق متجاوبًا مع نبضها. ربما كان زيد أحد أفضل الرجال الذين قابلتهم في الجزيرة العربية، وأنضرهم، جبهة عريضة، وبدن نحيل، قامة متوسطة الطول، وممشوقة، ٧/
مملوء بحيوية فائقة، فوق بشرته القمحية اللون تبرز وجنتان قويتان، وشفتان مزمومتان حازمتان تزيد من جاذبيته، وفي آن واحد تختلط أمارات الحزم بالجمال الحسي مما يكون جاذبية مميزة لصحراء العرب، عدا الاعتزاز بالذات، مع مودة إنسانية حميمة وصادقة. ٨/
كان زيد خليطًا رائعًا من الطبيعة البدوية وصدقها من دون انفعالات سريعة الاشتعال، كما اكتسب الحكمة العملية التي تميز أهل المدن دون أن يكون ضحية لآفات حياة المدن المعاصرة، وكان يعشق المغامرات مثلي دون اختلاق ولا اصطناع". ٩/
وعن لقاء زيد الشمري بالشيخ الشهيد المجاهد عمر المختار، فالقصة بدأت في سنة ١٣٤٨هـ (١٩٣٠م) منذ أن التقى الرحّالة محمد أسد بالشيخ العالم المناضل أحمد السنوسي "السنوسي الكبير" قائد الحركة السنوسية، التي تناضل من أجل الاستقلال السياسي، والسنوسي لم يضارعه أحد في تأريق مضاجع ١٠/
المستعمرين في شمال إفريقيا، وكان في المدينة المنورة منفيًا، ولا سبيل إلى عودته إلى ليبيا، بعد ثلاثين عامًا من القتال ضد الاستعمار الإيطالي لبلاده، وبعد سبعة أعوام في رحلات مكوكية من البحر الأسود حتى اليمن. وقد قضى ساعات معه بصحبة محمد الزواوي، يناقشون الوضع الميؤوس منه ١١/
للمجاهدين الذي كانوا يناضلون في برقة في ليبيا تحت قيادة عمر المختار. وتبين أنهم إن لم يتلقوا مساعدة عاجلة وفعالة من خارج ليبيا، لن يتمكنوا من الصمود.
ولمعرفة أحمد السنوسي بمشاعر محمد أحد أسد الداعمة والمؤيدة تجاه القضية السنوسية، استدار ونظر نظرة مباشرة إلى عينيه ١٢/
وقال: "هل تذهب إلى طبرق باسمنا، وتتعرف بنفسك ما يجب عمله لمساعدة المجاهدين؟ ربما كان بإمكانك أن ترى الأشياء أوضح مما تراه أعيننا".
فنظر إليه محمد أسد، ودون كلمة، هز رأسه بالموافقة.
وهذا الموقف جعل محمد يحبس أنفاسه، لجسامة هذه الغامرة. ١٣/
فمد أحمد السنوسي يده إلى رف فوق رأسه وتناول مصحفًا ملفوفًا في قماش حريري، ووضعه على ركبتيه، وتناول اليد اليمنى لمحمد أسد بين كفيه، ووضعها على القرآن الكريم، وقال: "أقسم يا محمد، بالله الذي يعلم ما تخفي الصدور، أنك ستظل مخلصًا للمجاهدين…".
فأقسم محمد أسد. ١٤/
وكانت هذه المهمة تتطلب سرية مطلقة، لأن علاقة محمد أسد بالسنوسي الكبير معروفة، وتحت أنظار البعثات الأجنبية في جدة.
فبدأت رحلة محمد أسد ومرافقه زيد الشمري إلى ليبيا في شعبان ١٣٤٩ هـ (يناير ١٩٣١م)، وكانت رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر. ١٥/
وتطلب الإعداد للسفر بضعة أسابيع، وشمل تبادل الرسائل سرًا مع المجاهد عمر المختار في طبرق في ليبيا، ومع المراكز السنوسية في مصر.
وانطلقوا من ميناء ينبع سرًا إلى مصر، في ليلة بلا قمر، خفية، عابرين البحر الأحمر في أحد المراكب الشراعية العربية، ونزلوا على أحد السواحل المهجورة ١٦/
جنوب مصر, بعد أربع ليال قضوها على ظهر المركب "الدهو"، من دون أوراق أو جواز أو تأشيرة دخول.
وتنقلوا في مصر في هيئة زي حجازي، وفي مصر كثير من أهل مكة والمدينة الذين يذهبون إلى هناك لأغراض التجارة أو البحث عمن ينوون أداء فريضة الحج، كان ذلك من المشاهد المألوفة في ريف مصر ١٧/
ومدنها، وكان محمد أسد يتحدث اللهجة الحجازية بإتقان، فساعد ذلك على تنقلهم بحرية في مصر.
حتى انطلقوا عبر الصحراء الغربية لمصر، مجتنبين عيون الجواسيس الذي يعملون لمصلحة إيطاليا لرصد المتسللين عبر الصحراء الغربية المتاخمة لليبيا. ١٨/
وبعد رحلة طويلة مضنية وصلوا إلى ليبيا، إلى وادي يسمى "وادي التعبان"، وهو الموقع المتفق عليه مسبقا للقائهم بعمر المختار، وكان بالنسبة إليهم اسمًا على مسما، فقد وصلوا وهم في غاية التعب والإجهاد.
وقد كانت ليلة باردة مظلمة ظلامًا دامسًا، لم تظهر في سمائها نجوم، ويسودها صمت عميق. ١٩/
وفي مكان خفي، في منطقة أشجار كثيفة، ينتظرون لقاء أسد الجبل الأخضر "عمر المختار"، بعد أن ربطوا خيولهم إلى نتوء صخري.
وبعد إجراءات أمنية مشددة، قدم إليهم عمر المختار راكبًا جواده، وعلى كل جانب، يسير رجلان وآخران من خلفه، وساعده أحد الرجال على الترجل من على ظهر الجواد، ٢٠/
وكان يسير بصعوبة بسبب إصابته في اشتباك مع العدو قبل عشرة أيام. وكان رجلًا متوسط القامة، قوي البنية، تحيط بوجهه لحية بيضاء قصيرة، وخطوط عميقة في وجهه، وعيناه عميقتي المحجرين، فيهما ظلمة معاناة وشجاعة فائقة. ٢١/
فصافح عمر المختار محمد أسد بقبضة قوية وقال: "مرحبًا يا بني". وكانت عيناه وهو يقول ذلك تمسحانه بدقة واستحسان، عيني رجل أصبحت المخاطر خبزه اليومي.
فوضع أحد الرجال بطانية على الأرض، جلس عليها عمر بثقل إصابته. وأشعلوا نار صغيرة تحت جانب الصخرة، وعلى الضوء الشاحب للنار الصغيرة ٢٢/
راح عمر المختار يقرأ رسالة أحمد السنوسي التي أرسلها مع محمد أسد. فقرأها بعناية، ثم طواها، ووضعها على رأسه لحظات -وهي علامة احترام وإخلاص- ثم استدار إلى محمد أسد مبتسمًا، وقال: "سيدي أحمد -أطال الله عمره- يقول عنك كلامًا طيبًا. يقول: إنك مستعد لمعاونتنا، ولكني لا أعلم من أين ٢٣/
تأتي المساعدة، ما عدا معونة الله، القادر، الكريم. لقد وصلنا إلى نهاية النفق".
فقال محمد أسد: "ولكن الخطة التي يعرضها سيد أحمد "السنوسي"، ألا يمكن أن تشكل بداية جديدة؟ إذا كان من الممكن ترتيب إمدادات منتظمة للكَفْرة (بلدة في ليبيا) وتصبح قاعدة عمليات للأيام القادمة، ٢٤/
ألا يمكن بذلك السيطرة على الإيطاليين؟".
فيقول محمد أسد أنه لم ير في حياته ابتسامة مُرة كتلك الابتسامة التي لا أمل فيها على وجه عمر المختار، ولا كلماته التي رد بها قائلًا: "كَفْرة؟…ضاعت الكفرة. احتلها الإيطاليون منذ أسبوعين…". ٢٥/
فذهل محمد أسد من تلك الأنباء، لأنه والشيخ أحمد السنوسي قد وضعا الخطط على مدى الشهور الماضية، وكانت كلها تعتمد على أن تكون الكفرة مركز المقاومة المنيع. ٢٦/
كان في صوت المجاهد عمر المختار همٌّ ثقيل، ولكن بلا قنوط، وهو يشرح المسار الطويل الذي لا بد من سلوكه من أجل الحرية، وكان يدرك أنه لم يبق أمامه إلا الموت، إلا أن ذلك لم يحمل له أي جزع ولا خوف، ولم يكن بالطبع يسعى إليه؛ إلا أنه أيضًا لم يحاول أن يتفاداه. ٢٧/
وبعد لحظات استقرت عينا الشيخ عمر المختار برضا على وجه زيد الشمري، ووضع يده على كتف زيد، وقال: "مرحبا بك يا أخي من موطن آبائي. من أي عربٍ أنت؟".
أخبره زيد أنه ينتمي إلى قبيلة شمر، فأوما عمر المختار مبتسمًا، وقال: "إذًا، أنت من قبيلة حاتم الطائي، أكرم رجل عرفه العرب…". ٢٨/
فوضع أحد رجل عمر المختار بعض التمر على قطعة قماش أمامهما؛ ودعاهما إلى تناول تلك الوجبة البسيطة، فأكلوا بعض التمر. ونهض الشيخ عمر المختار، وقال: "حان وقت ذهابي يا إخواني، نحن قريبون من النقطة الإيطالية الحصينة في "بوصفية" فقد أوشك الليل على الانحسار". ٢٩/
ثم ودّع زيد الشمري ومحمد أسد الشيخ الشهيد عمر المختار الذي لن يروه بعد ذلك أبدًا، فقد أسره الإيطاليون بعد ثمانية اشهر، وشنقوه.
وبعد هذه التجربة القصيرة الفذة التي عاشها زيد الشمري ومحمد أسد واستغرقت يومين وليلتين فقط في برقة، عادا إلى الأراضي المقدسة عبر طريق المخاطر نفسه. ٣٠/
ولم تنجح مهمتهم في مساعدة المجاهدين بالإمدادات، ذلك بسبب عدة ظروف، منها إنجاز الإيطاليون قسمًا كبيرًا من حائط الأسلاك الشائكة الذي يفصل ليبيا عن مصر، وإقامة مناطق حصينة، وزادوا من دوريات الطائرات. ٣١/
والشيخ المجاهد الشهيد عمر المختار -رحمه الله- غني عن التعريف، ولكن يجب أن أذكر نبذة عنه، وإن كانت بسيطة. هو عمر بن مُختار بن عمر المنفي الهلالي، ولد في ١٠ محرم سنة ١٢٧٥ للهجرة، الموافق ٢٠ أغسطس سنة ١٨٥٨م. ٣٢/
واستشهد في ٣ جمادي الأولى سنة ١٣٥٠ للهجرة، الموافق ١٦ سبتمبر سنة ١٩٣١م. المُلقب بشيخ الشهداء، وشيخ المجاهدين، وأسد الصحراء. قائد الحركة السنوسية في ليبيا، وأحد أشهر المقاومين العرب والمسلمين. ينتمي إلى بيت فرحات من قبيلة منفة الهلالية، التي تنتقل في بادية برقة. ٣٣/
رحمهم الله جميعًا. ٣٤/٣٤
- المرجع: كتاب (الطريق إلى مكة) للرحّالة النمساوي محمد أسد.

جاري تحميل الاقتراحات...