جبرتي تويتر
جبرتي تويتر

@ElGabarty_

25 تغريدة 10 قراءة Oct 05, 2023
#ثريد
أثر الكوبرا: قانون العواقب غير المتوقعة
خلال فترة الحكم البريطاني للهند، أزعج الحاكم البريطاني لمدينة دلهي أن ثعابين الكوبرا السامة تنتشر في كل مكان هناك، فقرر حل المشكلة بمنح مكافأة لكل من يأتي بكوبرا ميتة.
في البداية، لاقى هذا النظام قبولا من المواطنين الذين راحوا يقتلون كل ما يجدون من هذه الثعابين وتسليمها للسلطات للحصول على المكافأة، فنجح هذا النظام في تقليل أعداد الكوبرا في شوارع المدينة. كان من المتوقع نتيجة لذلك أن تقل تدريجيا أعداد الثعابين الميتة التي يجلبها الهنود،
لكن حدث العكس: تزايدت أعداد الكوبرا الميتة التي يتم تسليمها وتضخم إجمالي المكافآت المصروفة في مقابل ذلك. بعد تحقيق الحكومة في الأمر، اكتشفت أن السبب وراء ذلك هو أن عددا كبيرا من الهنود أقاموا مزارع لتربية ثعابين الكوبرا لقتلها وتسليمها للحصول على المكافأة، خاصة وأن
تكلفة تربية كوبرا واحدة أقل بكثير من قيمة المكافأة مقابل تسليم كوبرا واحدة ميتة. بعدما اكتشفت الحكومة أمر هذه المزارع أدركت أن برنامج المكافآت قد فشل في حل المشكلة فقامت بإلغاءه. لكن كان هذا القرار يعني أن كل الثعابين التي كانت تملأ المزارع أصبحت بلا قيمة لأصحابها وأن الاحتفاظ
بها ورعايتها سوف يكون مكلفا بعد وقف المكافآت، فما كان منهم إلا أن تخلصوا من الثعابين التي كانت لديهم، فامتلأت المدينة بمزيد من الثعابين وازدادت المشكلة الأساسية سوءا.
من هنا جاء مصطلح "أثر الكوبرا" الذي صاغه عالم الاقتصاد الألماني "هورست سيبرت". هذا المصطلح يشير إلى النتائج العكسية التي تحدث عندما نقدم حلا بسيطا ومتسرعا لمشكلة دون أن يكون لدينا إلمام بجوانبها وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى أن تزداد المشكلة الأساسية تعقيدا أو يخلق مشكلة أسوأ منها.
وأثر الكوبرا مثال لما يعرف بقانون "العواقب غير المقصودة" أو "النتائج غير المتوقعة". وكل اكتشاف أو ابتكار جديد أو قرار يأتي ومعه عدد من هذه النتائج، بدرجات مختلفة. وهذه النتائج منتشرة وتتكرر في عدد كبير من الظروف والمواقف ولا أحد يستطيع التنبؤ بها، فمن الممكن فقط التقليل من آثارها
ولكن من الصعب محو هذه الآثار. وقد ذكر عالم الاجتماع الأمريكي "روبرت ميرتون" في كتاباته بعض الأسباب التي تؤدي إلى ظهور هذه النتائج، وفصلها "ديتريش دورنر" أستاذ علم النفس الألماني في كتابه "منطق الفشل"، الذي صدر في عام ١٩٩٦.
الفئران والقطط والموت الأسود
أول هذه الأسباب وأهمها أن التعقيد سمة أساسية في كل منظومة بها عدد كبير من الأجزاء التي تتفاعل فيما بينها أو مع البيئة المحيطة، وأن العالم عبارة عن شبكة على درجة كبيرة جدا من التعقيد والعلاقات الكثيرة المتداخلة.
وأفضل الأمثلة علي هذه المنظومات هي المجتمعات البشرية وعلاقة الإنسان بالعالم الطبيعي وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل، وقبل كل هذا النفس البشرية. وتقول "مارجريت ويتلي": إن المثال الأوضح لقانون العواقب غير المقصودة هو ما يحدث في كل مرة يحاول الإنسان أن يغير البيئة الطبيعية من حوله."
حدث ذلك في منتصف القرن الرابع عشر عندما اجتاح أوروبا وباء الطاعون فيما يعرف تاريخيا بـ "الموت الأسود" أو "الطاعون العظيم". لم يكن أحد يعرف سبب الوباء أو كيفية السيطرة عليه، فكان من الطبيعي أن تسبب ذلك في حالة من الرعب أدت إلى انتشار شائعات تقول بأن الوباء سببه مؤامرات يقوم بها
اليهود لتلويث آبار المياه في البلدان المنكوبة، وأعمال سحر شريرة تقوم بها ساحرات هناك. نتج عن ذلك إعدام أعداد كبيرة من اليهود وحرق بيوتهم، وكذلك حرق العديد من السيدات المتهمات بممارسة السحر الأسود. وأيضا قتل آلاف القطط - ضمن حيوانات أخرى - لارتباطها بهؤلاء السيدات ولاعتقاد سائد في
وقتها أن القطط أقران الشياطين. كان الطاعون قد انتقل من آسيا إلى أوروبا عن طريق التجار بواسطة فئران سفن وقوارض أخرى تحمل حشرات مصابة بالمرض. تسبب اختفاء القطط في زيادة كبيرة في أعداد الفئران المصابة وبالتالي الحشرات الحاملة للمرض، فساعد ذلك - ضمن عوامل أخرى - في انتشار الطاعون على
نطاق أوسع وموت ما يقرب من ثلث سكان أوروبا في ذلك الوقت، ونصف السكان في بعض القرى هناك.
وجزء كبير من النتائج والعواقب غير المتوقعة سببه الفهم الخاطئ للعالم وعدم الإلمام بالطبيعة البشرية والميول العاطفية، والاعتقاد بأن العالم والنفس البشرية والمجتمعات تعمل في خطوط مستقيمة
من الأسباب والنتائج، وأن ما نجح في الماضي في ظرف أو سياق معين يمكن أن ينجح أيضا في زمان ومكان وسياق آخر. خداع النفس - عندنا ثقة كبيرة في فهمنا للعالم وأننا نعرف كيف يعمل العالم وكيف تعمل النفس البشرية.
السبب الثاني أن لهذه المنظومة ديناميكيات تتغير بشكل مستقل عن مركز للسيطرة،
ومن الصعب، إن لم يكن مستحيلا، التنبؤ بحالتها المستقبلية. الإنترنت مثال واضح لهذا النوع من التصرف. السبب الثالث هو تحقيق مكاسب سريعة أو حل مؤقت سريع كنوع من التسكين دون التفكير في النتائج على المدى البعيد، أو حتى الاهتمام بمحاولة معرفتها.
السبب الرابع والأخير أن بعض عناصر هذه المنظومة غير مرئية، لكنها تؤثر في عمل المنظومة، وكلما زادت المنظومة تعقيدا، زاد عدد هذه العناصر. الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي مثال لهذه الخاصية حيث كل مستخدم عنصر في المنظومة ويمكن أن يؤثر في حالتها العامة. ما لا تراه أكثر تأثيرا دائما.
وقد تأتي النتائج غير المقصودة أحيانا في شكل آثار جانبية إيجابية ومفيدة كما حدث مثلا مع الأسبرين والفياجرا. الأسبرين بالأساس مسكن للآلام وخاصة آلام الصداع، وهذا هو الاستعمال الشائع له، لكن وُجِد أيضا أنه مانع لتجلط الدم وقد يساعد في منع الأزمات القلبية والتقليل من حدة بعض أنواع
السكتة الدماغية وأضرارها. أما حبوب الفياجرا فقد تم تطويرها بالأساس لكي تستخدم في خفض ضغط الدم، وأثناء إجراء التجارب عليها اتضح أنها تنفع أيضا في علاج حالات الضعف أو العجز الجنسي عند الرجال.
وهذا النوع من الآثار يظهر في بعض الاكتشافات العلمية التي جاءت مصادفة،
وهو ما يعرف بـ "السرنديبية" أو "الصدفة السعيدة"، وهو التوصل إلى اكتشاف مهم ومفيد دون قصد أثناء البحث عن شيء آخر. ويقول لويس باستور: "في مجال العلوم تأتي الفرص للعقول المستعدة." أمثلة
وقد يحدث العكس عندما تكون هناك آثار جانبية سلبية غير مقصودة بالإضافة إلى الهدف الأساسي المطلوب
تحقيقه. وهذا النوع من النتائج شائع في تأثيرات التكنولوجيا. فمثلا نتج عن انتشار وسائل النقل والمواصلات مشكلة الزحمة المرورية والتلوث وحوادث الطرق. وهذا النوع من النتائج ارتبط بشكل قوي ومتكرر بالثورات الصناعية وايضا في عالم الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. نشر المعرفة وأيضا
الإشاعات أو أن تستخدمها جماعات العنف مثل داعش في تجنيد أعضاء جدد والتأثير بالخوف والصدمة.
سوق سوداء
في محاولة للحد من الزحام المروري وزيادة التلوث الناتج عن عادم السيارات في شوارع العاصمة المكسيكية وبعض المدن الكبرى، قامت السلطات هناك بتنظيم استخدام السيارات حسب آخر رقم على
اللوحة المعدنية للسيارة. السيارات التي تنتهي الأرقام على لوحاتها المعدنية بالأرقام من ١ إلى ٤ يسمح لها بالسير أيام الإثنين، والتي تنتهي بالارقام من ٥ إلى ٨ أيام الجمعة وهكذا. أي أن أصحاب السيارات مسموح لهم باستخدامها يومين أو ثلاثة كل أسبوع على أكبر تقدير. لكن كان هناك من تضطرهم
ظروف عملهم إلى استخدام السيارة يوميا، فماذا حدث؟ قام الكثيرون بشراء أكثر من سيارة بحيث تغطي أرقام لوحات السيارات أيام الأسبوع. وفي معظم الأحيان كان الكثيرون يشترون سيارات قديمة متهالكة مما يتسبب في زيادة التلوث بالإضافة إلى الزحام المروري.
كان هناك قانون مماثل في العاصمة الكولومبية بوجوتا، وللتحايل عليه كان الكثيرون يقومون بشراء لوحات معدنية مزيفة بأرقام تسمح لهم بالقيادة طوال أيام الأسبوع، فهذا أرخص بكثير من شراء سيارات إضافية. النتيجة أنه بدلا من أن يحل القانون مشكلة الازدحام المروري تسبب في خلق مشكلة أكبر

جاري تحميل الاقتراحات...