أبرزها إدراك المسائل المؤثرة التي اعتبرتها المحكمة في أسباب حكمها المنتهي بالنقض، فلا يكفي علمك النظري بالأنظمة واللوائح، بل لابد من استقراء عبارة المحكمة وفهم النصوص بفهمها، وهذا لا يتأتى إلا بالتكرار والمداومة على الاطلاع، بغرض التأسّي بنهجها والصياغة على النحو الذي تنقض به.
(٢) استلّ من المبادئ العليا ما يخدم نقضك من القضايا المشابهة، وقد يكون ذلك ضمنيًا في الأسباب لا صريحًا وهنا يتضاعف الدور عليك بحسن سبك القاعدة وإقناع المحكمة بصحة انطباقها على ذات الواقعة، باختصار أوجِد القاعدة ثم أحسن توصيف واقعتك بما يجعلها خاضعة لها.
(٤) تذكّر أن هذا الطعن مختلف بالكلية عن طعنك أمام الاستئناف، فهو كما يُسمى في المصطلح القانوني (طريق غير عادي) فليس ثمّ إلا أحوال محصورة معروفة، والمحكمة لا تقضي نقضًا إلا بموجب تحقق أحدها حقيقةً، وهذا يجعل التريث والدقة سيدا مرحلة المهلة النظامية للطعن أمام العليا
(٥) احذر في طعنك أمام العليا أن تتناول مايشير إلى وقائع القضية، فإن سلطتها تنحسر عن الوقائع وتقتصر على رقابة صحة تطبيق الشريعة والنظام دون مسائل التقدير والواقع التفصيلية، وقد وافق نظام المملكة القوانين المقارنة في الحدّ من سلطة العليا عن تناول حيثيات القضية واقعًا..=
وهو أمرٌ فوق كونه مستقرٌ قانونيًا، متوائمٌ مع رحلة الدعوى واقعيًا ومنطقيًا، إذ لايسوغ إطلاقًا بحث مسائل موضوع الدعوى ودوام الطعن على التقدير القضائي وإلا لاستحال البتّ في الدعوى لأن كل نظر محل نظر، ولكن المنظم استهدف كون العليا محطة مخالفة النظام وما يتعلق بالأصول الكبرى..=
والقواعد الشرعية والنظامية، فإن تلك المسائل هي المستدعية أكثر للنظر النوعي والكفاءة العالية التي يتمتع بها قضاة العليا، أما مسائل الواقع والموضوع والتقدير فإنها تتحصّن بالمرحلتين القضائيتين ابتداءً واستئنافًا، لابد من تصورك ذلك أثناء اعتراضك لتأثيره على مآخذك على الحكم.
وفيصل ذلك نص المادة (١٩٨) مرافعات على أنه: (إذا قبلت المحكمة العليا الاعتراض شكلًا، فتفصل في موضوع الاعتراض استنادًا إلى ما في الملف من الأوراق، دون أن تتناول وقائع القضية.) وهذا النص يوجه إلى التركيز أثناء الطعن على أسباب الحكم فهي محط نظر العليا كليًا ..=
فأسباب حكم الاستئناف أو الابتداء المؤيد بأسبابه، هي الموضع الذي تتركز فيه اختصاصات العليا غالبًا، من مخالفة للشريعة أو الأنظمة أو خطأ في تطبيقها وتأويلها بحمل نص منها ما لا يتحمله، أو خطأ في تكييف نظامي وإسقاطه على واقعة مغايرة لقيوده وحدوده، كل ذلك في الأسباب فلا تذهب بعيدًا.
فخطأ صياغة النقض الجوهري هو تناول تفاصيل القضية والطعن أمام العليا كدرجة موضوعية ثالثة، ليست العليا كذلك إطلاقًا، يجب أن يسبغ المعترض اعتراضه ما تختص به المحكمة حصرًا دون تفاصيل أخرى، كإيراده نصًا نظاميًا وموضع مخالفته، أو تعريفًا قانونيًا لم تلتزمه الدائرة في تكييفها، وهكذا..=
وللتوضيح فإننا نضرب مثالًا للتمييز بين القانون الذي يدخل ضمن نطاق رقابة العليا والموضوع والواقع الخارجان عن نطاقها، فنورد مثالًا لذلك بمسألتين هما (التزوير والتشهير) فالتزوير جاء النظام ببيان حدوده وقيوده بشكل مفصّل، فقد جاء النظام الجزائي لمكافحة جرائم التزوير في مادته الأولى..=
معرّفًا التزوير بأنه: (كل تغيير للحقيقة بإحدى الطرق المنصوص عليها في هذا النظام ـ حدث بسوء نية ـ قصداً للاستعمال فيما يحميه النظام من محررٍ أو خاتمٍ أو علامةٍ أو طابعٍ ، وكان من شأن هذا التغيير أن يتسبب في ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي لأي شخص ذي صفة طبيعية أو اعتبارية.) =
نلحظ هنا أن المنظم وضع شروطًا وحدودًا يلزم توافرها لأجل أن يصح وصف فعلٍ ما بأنه تزوير، فإذا أدانت المحكمة متهمًا مع نقص أحد شروط المعرّف وذلك ككون التغيير هنا سهوًا لا عمدًا، أو أثبت المتهم حسن نيته فيه، أو لم يترتب عليه ضررًا أو أثرًا لأي كيان أو فرد، فإن رقابة العليا =
تمتدُّ إلى نقضه والرقابة عليه، بوصف جرم التزوير فكرة معرّفة لدى المنظم فعلى المحكمة التزام تعريفه إياه بحرفيّة تامّة دونما أدنى اجتهاد، فكان لذلك خطؤها هنا خطأ في التكييف والتوصيف، وإسباغ للواقعة وصفًا لم ينطبق عليه الوصف الجرمي المعتبر نظامًا =
يقابل ذلك (وهي مسألة قابلة للنقاش) جريمة التشهير مثلًا، فإن المنظم لم يسبغ عليها وصفًا ثابتًا أو تعريفًا قاطعًا، وإنما أطلق سلطة المحكمة لتفسيرها وفقًا لمتغيرات العصر وأعراف الزمان، مع استصحاب أقوال الفقهاء في أركانها وحدودها استئناسًا لا لزاما .. =
حيث نص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في مادته الثالثة على أنه: (يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة … كلُّ شخص يرتكب أيًا من الجرائم المعلوماتية الآتية: ٥-التشهير بالآخرين ، وإلحاق الضرر بهم ، عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة .)=
فلو ألحقت محكمة الموضوع واقعةً ما بمصطلح التشهير، فإن رقابة العليا هنا تقتصر على كون المحكمة استخلصت هذا الإلحاق استخلاصًا سائغًا من أوراق الدعوى، وحسبها بمنطقيته وإمكانه واقعًا وقضاءً، دون أن يكون لها التدخل الموضوعي في اجتهاد التقدير، لكونها محكمة قانون لا موضوع.
جاري تحميل الاقتراحات...