قال الرافعي «لو أنني سُئِلت أنْ أُجْمِلَ فلسفة الدين الإسلامي كلها في لفظين، لقلتُ: إنها ثبات الأخلاق،
ولو سُئِل أكبر فلاسفة الدنيا أنْ يُوجز علاج الإنسانية كله في حرفين، لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق،
=
ولو سُئِل أكبر فلاسفة الدنيا أنْ يُوجز علاج الإنسانية كله في حرفين، لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق،
=
ولو اجتمع كل علماء أوروبا ليدرسوا المدينة الأوربية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثبات الأخلاق.
فليس ينتظر العالم أنبياء ولا فلاسفة ولا مصلحين ولا علماء يبدعون له بدعا جديدًا؛
وإنما هو يترقب من يستطيع أن يفسر له الإسلام هذا التفسير، ويثبت للدنيا أنَّ كل العبادات الإسلامية هي وسائل عملية تمنع الأخلاق الإنسانية أنْ تتبدل في الحي فيخلع منها ويلبس، إذا تبدّلت أحوال الحياة فصعدت بإنسانها أو نزلت؛
وإنَّ الإسلام يأبى على كل مسلم أن يكون إنسان حالته التي هو فيها مِن الثروة أو العلوم، ومِن الارتفاع أو الضعة، ومِن خمول المنزلة أو نباهتها؛
ويُوجب على كل مسلم أنْ يكون إنسان الدرجة التي انتهى إليها الكون في سموه وكماله، وفي تقلُّبه على منازله بعد أن صفي في شريعة بعد شريعة، وتجربة بعد تجربة، وعلم بعد علم....
ولكن الإسلام يقرر ثبات الخلق ويُوجبه وينشئ النفس عليه، ويجعله في حياطة المجتمع وحراسته....
الأخلاق في رأيي هي الطريقة لتنظيم الشخصية الفردة على مقتضى الواجبات العامة، فالإصلاح فيها إنما يكون من عمل هذه الواجبات، أي من ناحية المجتمع والقائمين على حكمه.
وعندي أن للشعب ظاهرًا وباطنًا، فباطنه هو الدين الذي يحكم الفرد، وظاهره هو القانون الذي يحكم الجميع، ولن يصلح للباطن المتصل بالغيب إلا ذلك الحكم الديني المتصل بالغيب مثله؛
ومن هنا تتبين مواضع الاختلال في المدنية الأوربية الجديدة؛ فهي في ظاهر الشعب دون باطنه، والفرد فاسد بها في ذات نفسه إذا هو تحلل من الدين، ولكنه مع ذلك يبدو صالحا منتظمًا في ظاهره الاجتماعي بالقوانين وبالآداب العامة التي تفرضها القوانين،=
فلا يبرح هازئًا مِن الأخلاق ساخرًا بها؛ لأنها غير ثابتة فيه، ثم لا تكون عنده أخلاقًا يُعتد بها إلا إذا درَّت بها منافعه، وإلا فهي ضارة إذا كانت منها مضرة، وهي مؤلمة إذا حالت دون اللذات.=
ولا ينفك هذا الفرد يتحول لأنه مطلق في باطنه غير مقيد إلا بأهوائه ونزعاته، وكلمتا الفضيلة والرذيلة معدومتان في لغة الأهواء والنزعات؛ إذ الغاية المتاع واللذة والنجاح، وليكن السبب ما هو كائن.
وبهذا فلن تقوم القوانين في أوربا إذا فني المؤمنون بالأديان فيها أو كاثرهم الملحدون، =
وبهذا فلن تقوم القوانين في أوربا إذا فني المؤمنون بالأديان فيها أو كاثرهم الملحدون، =
وهم اليوم يبصرون بأعينهم ما فعلت عقلية الحرب العظمى في طوائف منهم قد خربت أنفسهم من إيمانهم فتحولوا ذلك التحول الذي أومأنا إليه، فإذا أعصابهم بعد الحرب ما تزال محاربة مقاتلة ترمي في كل شيء بروح الدم والأشلاء والقبور والتعفن والبلى،=
وانتهت الحرب بين أمم وأمم، ولكنها بدأت بين أخلاق وأخلاق.
وقديماً حارب المسلمون، وفتحوا العالم، ودوخوا الأمم؛ فأثبتوا في كل أرض هدي دينهم وقوة أخلاقهم الثابتة، وكان وراء أنفسهم في الحرب ما هو مِن ورائها في السلم، وذلك بثبات باطنهم الذي لا يتحوَّل، ولا تستخفّه الحياة بنزقها،=
وقديماً حارب المسلمون، وفتحوا العالم، ودوخوا الأمم؛ فأثبتوا في كل أرض هدي دينهم وقوة أخلاقهم الثابتة، وكان وراء أنفسهم في الحرب ما هو مِن ورائها في السلم، وذلك بثبات باطنهم الذي لا يتحوَّل، ولا تستخفّه الحياة بنزقها،=
= ولا تتسفّه المدنيات فتحمله على الطيش.
=
=
في الكون أصل لا يتغير ولا يتبدل، هو قانون ضبط القوة وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الحكمة. ويقابله في الإنسان قانون مثله لا بد منه لضبط معاني الإنسان وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الكمال.
وكل فروض الدين الإسلامي وواجباته وآدابه، إن هي إلا حركة هذا القانون في عمله؛ فما تلك إلا طرق ثابتة لخلق الحس الأدبي، وتثبيته بالتكرار، وإدخاله في ناموس طبيعي بإجرائه في الأنفس مجرى العادة، وجعله بكل ذلك قوة في باطنها، =
فتسمى الواجبات والآداب فروضا دينية؛ وما هي في الواقع إلا عناصر تكوين النفس العالية، وتكون أوامر وهي حقائق....
فالمحافظة على الضوابط الإنسانية القوية التي هي مظاهر الأديان فينا، ثم إدخال الواجبات الاجتماعية الحديثة في هذه الضوابط لربطها بالعصر وحضارته،=
فالمحافظة على الضوابط الإنسانية القوية التي هي مظاهر الأديان فينا، ثم إدخال الواجبات الاجتماعية الحديثة في هذه الضوابط لربطها بالعصر وحضارته،=
ثم تنسيق مظهر الأمة على مقتضى هذه الواجبات والضوابط، ثم العمل على اتحاد المشاعر وتمازجها لتقويم هذا المظهر الشعبي في جملته بتقويم أجزائه، هذه هي الأركان الأربعة التي لا يقوم على غيرها بناء الشرق.=
=
والإلحاد والنزعات السافلة وتخانيث المدنية الأوروبية التي لا عمل لها إلا أن تظهر الخطر في أجمل أشكاله، ثم الجهل بعلوم القوة الحديثة وبأصول التدبير وحياطة الاجتماع وما جرى هذا المجرى،=
والإلحاد والنزعات السافلة وتخانيث المدنية الأوروبية التي لا عمل لها إلا أن تظهر الخطر في أجمل أشكاله، ثم الجهل بعلوم القوة الحديثة وبأصول التدبير وحياطة الاجتماع وما جرى هذا المجرى،=
ثم التدليس على الأمة بآراء المقلدين والزائفين والمستعمرين لمحق الأخلاق الشعبية القوية وما اتصل بذلك، ثم التخاذل والشقاق وتدابر الطوائف وما كان بسبيلها، تلك هي المعاول الأربعة التي لا يهدم غيرها بناء الشرق.
فليكن دائما شعارنا -نحن الشرقيين- هذه الكلمة: أخلاقنا قبل مدنيتهم».
«وحي القلم» للرافعي (2/ 62 - 67) في كلامه على «ثبات الأخلاق»، باختصار.
«وحي القلم» للرافعي (2/ 62 - 67) في كلامه على «ثبات الأخلاق»، باختصار.
جاري تحميل الاقتراحات...