هادي فقيهي
هادي فقيهي

@hadi_fq

21 تغريدة 2 قراءة Jul 08, 2023
ايلون مسك بعث إيميل يهدد بمقاضاة شركة ميتا بسبب اعتمادها على موظفي تويتر السابقين في بناء تطبيق ثريدز.
التهديد مضحك وغير قانوني، ولكن فرصة نستعرض التاريخ المذهل لتنقلات الموظفين في المجال التقني. حرية التنقل هي العمود الفقري للسيلكون فالي. القصة تبدأ مع هذين الشخصين:
ثريد مطول
على اليمين (صاحب النظارة) ويليام شوكلي، انيشتاين الثورة الحوسبية، شارك في ابتكار الترانزستور Transistor وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء في ١٩٥٦
على اليسار روبرت نويس، عالم فيزياء شارك في تأسيس شركة فيرشايلد لأشباه الموصلات ولاحقا شركة انتل (من أوائل شركات السيلكون فالي)
في منتصف الخمسينات شرق أمريكا كان مهد البحث والتقنية (بوسطن بقرب MIT وهارفارد)، ولكن شوكلي قرر ترك الشرق والانتقال إلى بالو ألتو قرب سان فرانسيسكو ليكون بجوار أمّه المسنة وأيضاً ليبدأ شركة هدفها تحويل الترانزستور إلى منتج تجاري.. سمّاها شوكلي لأشباه الموصلات.
من أوائل الموظفين الذين استقطبهم شوكلي إلى شركته الجديدة كان روبرت نويس، شاب في مقتبل العمر بذكاء خارق. أيضاً استقطب مجموعة من أفضل الباحثين في الفيزياء والرياضيات وعلم المعادن.
ولكن الشراكة فشلت.. شوكلي كان مدير عنيد، ومتسلط، وصعب المزاج!
لو أن شوكلي ظلّ في بوسطن لما كان لأسلوبه تأثير على مصير الشركة، والسبب هو بند عدم المنافسة في عقد العمل الذي يمنع الموظف من الانتقال إلى شركة منافسة مباشرة بعد عمله الحالي (قانون ورثته أمريكا من الاستعمار البريطاني)
ولكن في كاليفورنيا القصة كانت مختلفة.
faircompetitionlaw.com
قبل ٧٠ سنة من وصول شوكلي، المحكمة العليا في كاليفورنيا (عام ١٨٧٢) قضت بعدم قانونية أي عقد عمل يقيد حرية انتقال الموظف.
هذا القانون أصبح له تبعات تنافسية مهمة في عصر التقنية. استقطاب الموظف للاستفاد من مهارته المهنية أو قوته العضلية أمر.. استقطابه من أجل معرفته أمر آخر تماماً!
بمعنى.. هذا القانون سهل على شركات التقنية في كاليفورنيا أن تصبح أكثر تنافسية، لأن بإمكانها استقطاب المعرفة (أهم مصدر تنافسي) بدون قيود.. سهلّ أيضا من انتشار الأفكار وامتزاج العقول والوصول إلى أفاق غير مسبوقة في الابتكار.
وفعلاً هذا ما حدث مع مجموعة شوكلي..ثمانية من موظفي الشركة بقيادة روبرت نويس قرروا الانشقاق وتأسيس شركة منافسة (Fairchild Semiconductors).. المجموعة أطلق عليهم لقب الخونة الثمانية. وبدلاً من توقيع عقد عمل.. وقعوا على ورقة دولار.
تلك اللحظة تعرف الآن بلحظة مولد السيلكون فالي!
فيرشايلد توسعت بسرعة ووصلت إلى ٣٠ ألف موظف في غضون ١٢ سنة.
ولكن الشركة لم تحقق طموحات نويس التقنية.. فقرر في عام ١٩٦٨ الانشقاق مرة أخرى وتأسيس شركة جديدة -- شركة انتل حيث ابتكر الـ Microship
الابتكار مكّن ثورة الحواسب الشخصية والهواتف الذكية. من أهم ابتكارات القرن العشرين
أحد أكثر الأشخاص الذين تأثروا بفلسفة وأفكار نويس كان ستيف جوبز.. الذي اعتبره بمثابة المعلم والمرشد.
جوبز اتبع خطى معلمه وقام باستقطاب ستيف وازنياك من شركة HP ليشاركه في تأسيس آبل.
والشواهد على العلاقة بين حرية انتقال الموظفين والابتكار في السيلكون فالي لا تحصر.. مايكروسوفت وأمازون تستخدمها بشراسة
مثلاً شركة NVIDIA التي وصلت قيمتها إلى تريليون دولار قبل أسابيع أسسها موظف سابق في شركة AMD التي تعتبر منافسها الرئيس.
هذه القصة الأسطورية تلخص هذه الثقافة..
هذا الرسم البياني يوضح الفكرة.. متوسط بقاء الموظف في نفس الوظيفة في أمريكا ٤ سنوات.. ولكن في أكبر شركات التقنية المتوسط أقل من سنتين
ولعل السؤال الذي يخطر على البال: لماذا بعد هذا التاريخ يظنّ ايلون مسك أن بإمكانه مقاضاة META بسبب استقطابها لموظفينه (اللي طردهم بالمناسبة).
السبب هو تغير في ثقافة الحرية وليبرالية العمل في السيلكون فالي خلال السنوات الأخيرة.
دعونا نأخذ ستيف جوبز على سبيل المثال.. رغم استخدامه لسياسة الاستقطاب في تأسيس آبل، أصبح مدافع شرس ضد كل يحاول استقطاب موظفيه.
في ٢٠٠٥ أرسل تحذير صارم إلى رئيس قوقل يحذره من محاولة إغراء أي من مهندسي أبل
آبل وقوقل كانت حينها في صراع تطوير الهواتف الذكية
لأن شركات التقنية في كاليفورنيا لا يمكنها قانونيا منع الموظفين من الانتقال، لجأت إلى حيلة أخرى: اتفاقيات وديّة غير معلنة تلتزم فيها كل شركة بعدم التوظيف من الشركة الأخرى.
أحد هذه الاتفاقيات اشتركت فيها آبل وقوقل وأدوبي وانتل.. وغرّمت بسببها نصف مليار دولار
هذه الاتفاقيات غير قانونية لأنها تحجّم المنافسة، ولكن ما زالت مستمرة وقائمة لأن عائدها على قيمة الشركة يفوق الغرامات بأضعاف مضاعفة.
ولكن أثرها على المجتمع سلبي.. تعطل الابتكار وتسبب في رفع الأسعار وقلة الخيارات البديلة.
لماذا توافق عليها الشركات إذاً؟
من ناحية استراتيجية أي شركة تملك خيارين لتحقيق الربحية: الابتكار والاحتكار.
الابتكار يساعد الشركة على كسب عوائد عبر إعادة تعريف المنافسة وتوجيه المستهلك إلى منتج جديد.
الاحتكار يساعد على كسب عوائد عبر منع المستهلك من الحصول على أي منتج منافس.
بالنسبة لمعظم المستثمرين لا يوجد فارق بين السياستين. المهم العائد. وارن بافيت مثلاً مولع بالاستثمار في الشركات الاحتكارية.
أغلب الشركات في بدايتها تتبع أسلوب الابتكار حتى إذا سيطرت على قطاع معين في السوق لجأت إلى قتل المنافسة. ولكن يسموّه Moat لأن مصطلح احتكار غير مرغوب
الابتكار مكلف وخطير ويستهلك وقت.. ومجالس الإدارة تصنع حوافزها هدفها التركيز على الأداء العاجل.
الخيار الرشيد أمام كثير من الشركات هو الإبقاء على حياة منتجاتها لأطول وقت ممكن.
وفي عالم التقنية.. الاحتكار يتطلب قتل الأفكار عبر تقييد حراك أصحابها.
بالإضافة إلى اتفاقيات عدم الاستقطاب.. الشركات أصبحت تلجأ إلى الاستحواذات القاتلة، حيث تقوم بشراء شركات ناشئة بتقنيات واعدة ووضع التقنية في الدرج وتكليف فريق العمل بأعمال لا علاقة لها بمنتجهم الرئيسي..!
تكلمنا عن هذا في البودكاست بداية من دقيقة ٤٥
youtu.be
الملخص: استقطاب ميتا لموظفي تويتر لبناء تطبيق منافس يمثل عودة إلى الجذور الأصلية للسليكون فالي.. إلى التصرفات التي سمحت ببناء أكبر ثروة في تاريخ البشر في منطقة جغرافية محددة وأطلقت منتجات غيّرت حياتنا.
ايلون أكثر من استفاد من هذه السياسة في بناء شركاته: تيسلا وسبيس اكس!

جاري تحميل الاقتراحات...