عبدالرزاق الصاعدي
عبدالرزاق الصاعدي

@sa2626sa

27 تغريدة 2 قراءة Jul 14, 2023
قال: إذن تريد وظيفة معيد في اللغة! قلت نعم. تناول الهاتف وأجرى مكالمة، سمعته يقول: (استدعوهم الآن ليقابلوا الطالب فهو قادم من جدة) ثم قال لي: اذهب إلى شعبة الدراسات العليا بجوار كلية الشريعة، وستُجرى لك المقابلة اليوم إن شاء الله، ونتيجة المقابلة غدا، تجدها عندي هنا إن شاء الله.
جلست في أحد المكاتب في شعبة الدراسات العليا بجوار كلية الشريعة أنتظر لجنة المقابلة.. في الممر طالب أفريقي وآخر من آسيا يتحدثان اللغة العربية الفصحى.. استرقتُ السمع: يتدارسان مسألة لغوية من مسائل أصول الفقه، مسألة في حروف الجر، الطالب الأفريقي يسأل الآسيوي:
أجابه الطالب الآسيوي: تجد هذه المسألة مفصّلة في الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي.. الجنى الداني، أعرف هذا الكتاب جيدا، وهو في مكتبتي.. وبعد ساعة ونصف رأيت ثلاثة من الأساتذة العرب المتعاقدين، استدعاني أحدهم إلى غرفة مجاورة، لإجراء المقابلة، التوتر والقلق يمتزجان بسكينة المكان!
جلست أمامهم، شيوخ أزهريون يعلو وجوههم الوقار والحكمة (عرفتهم فيما بعد: أحمد عبداللاه هاشم رئيس اللجنة ومعه عبدالعزيز فاخر ومحمد عبدالحميد سعد) رحمهم الله جميعا، سألني أحمد هاشم: أتعرف كتاب سيبويه؟ قلت نعم. قال من حققه؟ قلت: عبدالسلام هارون، قال كم مجلد هو؟
قلت خمسة، وهو عندي، قال: هل له طبعة أخرى؟ قلت: نعم، طبعة بولاق، قال: إذا قال سيبويه: "أخبَرَني الثقة" فمن يقصد؟ قلت يقصد الخليل، قال: غلط، يقصد أبا زيد الأنصاري.. ولم يسألني في النحو، وكان الدكتور أحمد رجلا حازمًا كريمًا، حين رآني مرتبكا قال لي: لا تقلق يكفي أن عندك كتاب سيبويه.
ثم سألني عبدالعزيز فاخر عن ألفية ابن مالك، من شرحها؟ قلت: ابنه بدر الدين وابن هشام وابن عقيل، قال: هل تعرف الرضي الاستراباذي؟ تلكّأت وغمغمت، ثم سألني سؤالا لا أذكره الآن، لكن أذكر أنني قلت في الجواب: الصَّلَمنكي (صحّفته إذ جعلته بالصاد) قال لعلك تريد: الطلمنكي.
وسألني د. محمد عبدالحميد سعد أسئلة في النحو، قال: هل يجوز الابتداء بالنكرة؟ قلت: قال ابن مالك: (ولا يجوز الابتدا بالنكرهْ * ما لم تفد كعند زيد نمرهْ) ثم التفتَ إلى رئيس اللجنة: فقال الدكتور أحمد هاشم: انتهت المقابلة.. خرجت من عندهم وأنا أتقلقل؛ إذ أخفقت في بعض الإجابات.
وفي صباح الغد: رجعت إلى الدكتور على ناصر فقيهي، كما طلب مني، فأخبرني بأنني اجتزت المقابلة، وكانت وثائقي بيدي فحصها ثم أعطاني خطابًا إلى مدير شؤون الموظفين، وأكملت إجراءات تعييني معيدًا وأخذت خطابًا لفرع الديوان، وفي يوم الثلاثاء أو الأربعاء صدر قرار تعييني معيدًا (سنة تجربيبية)،
وبعد الظهر كانت سيارتي الكريسيدا تزفّني زفّا باتجاه جدة، نظرت إلى جبل عير عن يساري فكان مألوفًا هذه المرة، رأيته أجمل مما كان، والحق أنني أرى كل شيء جميلا، حتى الشاحنات، كان الطريق طويلا يتمدّد كأحلامي، وكانت الفرحة تؤانسني، وكنت أفكر في الأسبوع القادم، أسبوع الدوام كما قالوا لي.
مرحلة جديدة بدأت في حياتي.. مرحلة المدينة المنورة والجامعة الإسلامية، أما الجامعة العزيزية (جامعة المؤسس) التي علمتني وأمضيت فيها أحسن سنوات عمري فقد أصبحت من الماضي اليوم، لم تعد من اهتماماتي، وهكذا الإنسان، ابن يومه، أمسه خلف ظهره وغده أمام عينيه.. هكذا الحياة كلها.
اليوم الأول من أيام الماجستير، كان يوم السبت، المحاضرة الأولى، الساعة الثامنة صباحًا، في المبني الذي أجريتُ فيه المقابلة، ليس في القاعة أحد إلا أنا وطالب آخر يلبس غترة بيضاء فوقها عقال، ربما أنا وهو من نلبس العقال، سأتعرّف عليه!
بادرني بالسلام على العادة في هذه الجامعة التي أحببتها من أول نظرة، لا يتركون لك فرصة، دائما يسبقونك بالسلام، قال: أنا عبدالله العتيبي، قلت أهلا وسهلا، وأنا عبدالرزاق الحربي (قلت الحربي ولم أقل الصاعدي) وقبل أن نكمل تعارفنا دخل علينا الأستاذ.. أين رأيت هذا الأستاذ؟
عرفتُهُ! هو الذي أجرى لي المقابلة الأسبوع الفائت، رئيس اللجنة (د.أحمد هاشم) أخبرنا أن المحاضرة في النحو، وأننا سنبدأ بكتاب سيبويه، وأن علينا أن نقتني طبعة عبدالسلام هارون، وأننا سندرس بابين في الكتاب باب الأفعال التي تستعمل وتلغى (ظنّ وأخواتها)، وباب البدل، ثم أبوابا في المقتضب.
بعد المحاضرة أكملنا التعارف أن وزميلي عبدالله العتيبي، قال لي: درست في المعهد المتوسط والمعهد الثانوي في الجامعة ثم في كلية اللغة، وأخبرته بأنني من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.. انقطع حبل التعارف بدخول أستاذ آخر، تأملته فعرفته، كان ممن أجروا لي المقابلة.. أستاذ أزهري سمح الوجه،
قال أنا (عبدالعزيز فاخر) وهذه مادة الصرف، وعليكم أن تقتنوا شرح الشافية للرضي، بتحقيق محمد نور الحسن ورفيقيه، وسنبدأ الدراسة في هذا الكتاب من أوله، وحدّثَنا عن الرضي وعن ابن الحاجب وعن الصرف، وأنه شطر العربية، وقال لنا كلاما لم أفهم بعضه، لأنني لم أدرس الصرف قط!!
بعد المحاضرة أكملنا تعارفنا، لم أكن أعلم أن هذا الطالب سيكون (مدير الجامعة فيما بعد) في مرحلة من مراحل العمر، وحتى هو لم يكن يعلم ذلك! انشرحت له نفسي، ودود، نبيه، لبق، يتوقّد ذكاء، وفيه الكثير من شهامة العربي الأصيل، وقبل أن نكمل تعارفنا دخل علينا أستاذ آخر، عرفته أيضا..
كان أستاذنا الثالث: د. محمد عبدالحميد سعد، قال: سندرس الباب الخامس من مغني اللبيب لابن هشام (باب: في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها) وهي عشرة، وحدثنا الأستاذ عن ابن هشام وأنه أنحى من سيبويه، وأننا سنستعين على كتابه هذا بحاشية الشُّمُنّي وحاشية الأمير والدسوقي،
بعد المحاضرة الثالثة أكملنا التعارف أنا وزميلي عبدالله العتيبي. ثم قال لي: هل معنا أحد في هذه الشعبة؟ قلت: سمعت أن طالبا آخر سيكون معنا، أعرفه، هو زميلي في جامعة الملك عبدالعزيز، أجرى المقابلة وسيلتحق بنا قريبا، اسمه: عبدالعزيز عاشور.
بعد أسبوعين، علمنا أن المشرف على الشعب (الشيخ عبدالله الغنيمان) ممتعض من فتح شعبة بطالبين اثنين فقط، وعلمنا أيضا أنه يفكر في إغلاقها، لكن شفع لنا وجود اسم زميلنا عبدالعزيز عاشور، فكلما سألونا عنه قلنا: سيحضر الأسبوع القادم، نقول ذلك من (الكيس) فنحن لا نعلم عنه شيئا.
وبعد شهرين يئسَت الجامعة من عبدالعزيز عاشور فقررت استمرار الشعبة بالطالبين أنا وزميلي عبدالله، وكأنها تقول: فيهما بركة. فكنا ندعو لزميلنا عبدالعزيز عاشور ونعترف بفضله في إنقاذ الشعبة، أما هو فلم يحضر لأنه عُيّن مدرسا في وزارة المعارف، ونسي إخبار الجامعة، وكان في نسيانه خيرٌ لنا.
في يوم الأحد جاءنا د. محمد يعقوب تركستاني، في مقرر فقه اللغة، والتركستاني أستاذي في الجامعة العزيزية بجدة، عاد إلى جامعته بعد انتهاء إعارته، كلّفنا بتكليفات متنوعة، ومنها بحث مصغّر للمقرر، كان هو الأستاذ السعودي الوحيد في منهجية الماجستير، انتفعنا منه كما انتفعنا بأساتذتنا.
ثم جاءنا أستاذ أزهري لم أره من قبل، عرّفنا باسمه: (دردير أبو السعود)، وقال: هذا مقرر العروض، وستدرسون البحور والزحافات والعلل من كتاب الخطيب التبريزي، الوافي في العروض والقوافي، كنت مستعدا للعروض، فأنا تلميذ عبدالمحسن القحطاني، فكان المقرر حبيبا إلى نفسي.
كانت الدراسة تمضي في طريقها المرسوم، لكنّ مقرر الصرف نغّص أوقاتي، لم أكن أعرف مصطلحاته ولا علله التي يخطفها أستاذنا عبدالعزيز فاخر خطفا، لأنها من مبادئ هذا العلم التي درسها الطالب في المرحلة الجامعية، أما أنا لم أدرس في الصرف شيئا ذا قيمة، وأشرت إلى هذا فيما سبق.
كنت ألجأ إلى زميلي عبدالله العتيبي بعد محاضرات الصرف، وأسأله عن بعض المصطلحات والعلل، وزميلي صرفي بارع، تخصّص في هذا العلم فيما بعد، وحقق كتابين من شروح الشافية الحاجبية، أحدهما لركن الدين الإستراباذي ت715هـ، والآخر للأرّاني الساكناني ت734هـ
لم أفهم مراد ابن الحاجب والشارح الرضي في قولهما: (ويعرف القلب بأصله كناءَ يناءُ مع النأي وبأمثلة اشتقاقه، كالجاهِ والحادي والقِسِيّ، وبصحّته، كأيِسَ، وبقلّة استعماله، كآرام وآدر، وبأداء تركه إلى همزتين عند الخليل نحو جاءٍ أو إلى منع الصرف بغير علة على الأصح نحو أشياء فإنها لفعاء)
وقول ابن الحاجب والشارح الرضي: (... إلا بثبت ومن ثم كان حلتيت فعليلا لا فعليتا وسُحنون وعثنون فُعلولا لا فعلونا، لذلك وعدمه!، وسَحنون إن صح الفتح ففَعلون لا فَعلول كحمدون) قلت في نفسي وأنا أسمع هذا الكلام: (أنا وشْ جابني من جدة لهذه الجامعة)؟
وقول الرضي: (ولا يجوز أن يكون التاءان أصليتين في حلتيت وكذا النونان في سمنان لما سيجيء من أن التضعيف في الرباعي والخماسي لا يكون إلا زائداً إلا أن يُفْصَلَ أحد الحرفين عن الآخر بحرف أصلي كزَلْزَال).. لقد تركت الأدب الرومنسي ووقعت في شباك ابن الحاجب والرضي وعبدالعزيز فاخر!

جاري تحميل الاقتراحات...