بسام الهويمل
بسام الهويمل

@bhoymal

18 تغريدة 129 قراءة Jun 17, 2023
اليوم، أُكمِل عاماً كاملا في البيت دون أن أرى فيه وجهَ إنسان ولله الحمد.
عزلة تامة تعرّفت فيها إلى نفسي كما خلقها الله وأرادت أن تكون.
كنتُ أجريت عمليَّة في الرأس ألزمتني الفراش مدة بلا حراك.
صيَّرَتني رجل (قبو) دوستويفسكي.
بين كتب الفكر والأدب، أنفقت اثنتي عشرةَ شهراً.
ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً في معزل عن الذي يدور خلف الباب. في الماضي،أطيق ثلاثة أشهر،عندها يبدأ الملل يتسرب إلى حسّي الاجتماعي فأخضع له وأخرج.
أحسست بثقل في القلب،و ركبني هم،حتى صادقت القطط التي تسير فوق السور وأطلقت عليها الألقاب. فهذا:طريم،وذاك الأعور،وهذه الشامية،والأخرى صيته!
عشت أحاسيس عشرات الأدباء والكتاب الذين قرأت لهم. المعرّي،وهنري جيمس،و سارتر الذي يقول:الآخر هو الجحيم.
إنني أُدرك خطأ سارتر بمجرّد النظر إلى عينيه، فالآخر ليس جحيماً،بل الدرك الأسفل من النار.
و لأنني لم أكن(في انتظار غودو)لم أذق ألَم الترقُّب لحظة واحدة. كنت كمن ينتشي بالتدرّج.
تبين لي في هذا العام،أنني أهملت نفسي إلى حد الإتلاف. ندمت مثل ندم ابن عمر حين فرط في قراريط كثيرة.
ندم صادق ممزوج بدافع التغيُّر.
بدافع الرجوع إلى الروح التي تنتظرني.
نفسي التي لا تُجيد تمثيل أدوار لم تخلق لها. زاد الدافع، أنني للتو وضعت قدمي في مركب الأربعين. إن عمري ينتَصِف.
لم تكن حياتي في السابق صاخبة،فقد تعلّمت بمرور الوقت الحد من رغباتي.
لم أكن الأول في لعبة بلوت داخل استراحة. كنت في الظل،وحدي مع الآخرين.
ومع ذلك شعرت أنني في متاهة. لم أجد نور في آخر النفق. كل النور الذي وجدته كان لقطارات مسرعة أرادت أن تُهشم عظامي. لكنني تلافيتها بمعجزة إلهية.
اعتقدت أن عبارة:البحث عن الذات،خاصة بالناجين من معتقل أوشفيتس.
و مفرادت مثل:صفاء و هدوء،ترف لفظي لا يتواجد إلا في حنجرة أرستقراطي جرب كل شيء.
لكن،استطعت أنا البروليتاري الإمساك بها.
عرفت السكينة والنقاوة حين قلت لنفسي(لا)بصوت عال.
تقلبت في هدوء يشبه هدوء مدرسة أطفال في عطلة صيف.
مرَّ بي أن الدكتور مصطفى محمود تغيّر بعد المرض الذي عزله في شبابه عن المجتمع. حين تعافى أصبح يعرف كل شيء، ويتحدث مثل عبدالله بن مسعود!
أنا لا أريد أن أعرف أي شيء،فقد عرفت ما يكفي،ورأيت ما يجعلني أحمل بيدي سلاح همنغواي،أو أُلقي بنفسي من منارة فرجينيا وولف. أريد أن أبقى ساذج شيللر.
ألقت بي الدنيا في مجالس، السياسيين،و المشايخ،والأدباء،وأساتذة النغَم،وسقط طلبة العلم،والمكفّرين،والزنادقة،العيَارين، وأصحاب الإبل،والمزارعين،و المعاتيه.
وحين أعود بالذاكرة إلى خلفٍ، أجدني تقلّبت في أفكار ومذاهب وأذواق يعجز عنها ابن ثمانين عام!
كنت مثل نهر يتجدد، يرفض الأسَن.
ظننت أن هذا التعدد ثمرة المَلل بداخلي.
فلما رجعت إلى سلوكي في القراءة، وأنني أقرأ عدة كتب في اليوم الواحد،لاحت لي طيبتي. لم أمارس ذلك لأنَّ سآمة بداخلي تؤثر في طاقتي. كان بي جوع إلى المعرفة. إلى ثراء ثقافي. إلى سلوى.
إني تائه في أرض الله بعد هبوط الوالد من جنة الله. أنا لا أُلام.
نحن البشَر، نسخة واحدة في التكوين، إلا أننا نختلف في الطباع. مِنا من يتغير بكلمة ناعمة، ومنا من يتغير بكلمة قاسية، برغم الأنف. أنا أتغيَّر بالثانية!
بكلمة تجعلني أتفكر فيها أياماً بل أشهر.
كلمة بمثابة ضربة عمود في الرأس.
بكلمة تشبه شدّة الغضبة في:(أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟!).
لذلك لم أتعجب في يوم، امتناعي التصريح بالحب، أو الكلام العاطفي تجاه الآخر.
كنت أعبر بالأفعال،بالوقوف بالجانب، بالهدايا، بالعذاب الليلي حين لا أستطيع المساعدة.
الألم كان يحررني من سطوة التقصير الذي لا حيلة لي فيه.
إنني أجد نفسي،وألمس حقيقتي في هذه الدائرة من التعبير غير المفهوم.
كان الله جل في علاه، بجانبي تماماً، في كل شؤوني. إنني أشعر به شعور حقيقي. بإحساس مؤمن. كنت إذا ذهبت إلى غيره يعاقبني بالحرمان. وحين أقصده، يكون العظيم أمام عيني. تحت أقدامي!
لقد سامحتني أمي وستسامحني على كل ما أقترف، أعلم ذلك.
والله سبحانه أرحم بي منها وسيفعو عني دون شك يعتريني.
حين كنت في الصف الرابع الابتدائي، أظلّتنا سحابة سوداء في مدينة الرياض وأنا ألعب الكُرَة مع الأطفال في الشارع.
حين رأيتها، جريت مثل مجرم مُطارَد إلى مجلس بيتنا القديم وأغلقت الباب
سجدت فوراً خوفاً من عقاب يفتك بنا جميعاً، وأنا أقول:
استغفر الله،سبحان الله،يا الله، يالله، يا ربي!
إنّ هذه السجدة هي ورقتي الرابحة يوم الحساب. ما سواها حقير في عيني.
سوف أتمثّلها أمام إلهي و خالقي حينئذ.
سأقول له وأنا في غاية الحياء و السرور:أحمدك أن هديتني وأنا بعدُ طفل، حين اخترتني لأهرب إليك وحدي، بينما يكمل اللعب.
لن يعذبني الله ..
وليذهب من يشتهي لي النار إلى داهية.
إنني لم أبتعد كثيراً حين أرى أمي،وجدي عبدالله، أو أحد أخوالي. نحن جينات واحدة. أخَذَت جيناتي في بدايات التكوين تهرب هنا وهناك،لكنها عادت في النهاية إلى أصلها، بعد عملية تطهير قصيرة.
حين رأيت-عاداتهم، طباعهم-علمت أنني نسخة عنهم.
في صغري، لكم تمنيت أن أكون أحدهم، لفخري الكبير بهم.
للتو بدأت أمسك الريشة، ألوّن ما تبقى من عمري وفقَ تكويني.
للتو بدأت أصنع ألحاناً يقوى صوتي تأديتها. لن تكون نشازاً وسَط الجوقة.
للتو كتبت البيت الأول من قصيدة طويلة تعبّر عن حقيقتي وحدي.
لا بد أن يكون لكم يا أيها الأصدقاء(للتو)الخاصة بكم،قبل أن يمضي العمر وأنتم ترددون لاحقاً.
تمهّلوا، أو توقفوا قليلًا. تلفّتوا في الجهات الأربع، أُنظروا آثاركم.ما الأرباح وما الخسائر؟
ما شكل خارطة طريق المستقبل الذي تظنون أنه غاية؟
إننا نلهث..
نجري.. نحو اللانهائي.
نخَاف..
نجمع حطاماً، وأوهاماً فارغة.
فلنتحرّر مثل موَاليد، ولننظر مرة أخرى، من فوق إلى الدنيا.
أخيراً..
والله لم أكتب ليُقال لي"حمداً لله على سلامتك"فذلك آخر ما يعنيني بعد عام كامل. لا أشتهي أن أراها. إنها تدهن الحديث بقطران.
إنك إن وجدت متعة أثناء القراءة وارتسمت على شفاهك ابتسامة، فذلك الذي يعجبني مع درجة الحرارة هذه!
وإن أنت وجدت دافعاً للتفكير بالمكتوب فذلك الذي أريد.

جاري تحميل الاقتراحات...