"ومن غريب أصول العشق أن تقعَ المحبّة بالوصف دون المعاينة، وهذا أمرٌ يُترقّى منه إلى جميع الحب، فيكون الهمُّ والوجد والسهر على غير الإبصار، فإن للحكايات ونعت المحاسن ورصف الأخبار تأثيرًا في النفس ظاهرًا."
-ابن حزم الأندلسي -بتصرف يسير-
بينما أنا وصديقٌ نخوض نخوض في بعض الحديث،
-ابن حزم الأندلسي -بتصرف يسير-
بينما أنا وصديقٌ نخوض نخوض في بعض الحديث،
إذ استطردتُ وجئتُ على ذكر عالم النفس النمساوي كارل يونغ ومذهبه في النفس البشرية ومكوناتها، ومن سجيّتي إني إذا تحدثتُ عما أحبّ أن يتلبّسني الفرح وتسري في جسدي الحماسة، فبينا أنا كذلك أخبرني هذا الصديق أن فتاةً يعلمها خاضت معه حديثًا مشابهًا واستشهدت بيونغ نفسه.
فما أخبرني بذلك إلا وسكنتُ بعض الشيء، وغادرني الاهتمام بما كنا فيه إليها، فصرتُ أسأله عنها وعن طباعها وهيأتها، وخصالها وخِلالِها، وهو يخبرني برأيه فيها وأنا أزداد شوقًا إلى شوقِ، وأُنسًا إلى أُنسِ، حتى استولى ذكرها عليّ، فأستزيده من الإخبارِ عنها، وأتلذّذ بهذا الحديث تلذذًا في
عميقِ الروح، وروحي تتمثّل قول الشاعر: "يا نسيمَ الروحِ قولي للرشا، لم يزِدني الوِردُ إلا عطشَا".
في الثقافات أساطير عديدة تُرمِز إلى ذلك السرّ الذي يحيط بالحب والهيام، ويحاول تفسير سطوته وسحره وطبيعته العجيبة، منها مذهب قدامى اليونانيين أنّ الإنسان كان كائنًا ذا رأسين وأربعة
في الثقافات أساطير عديدة تُرمِز إلى ذلك السرّ الذي يحيط بالحب والهيام، ويحاول تفسير سطوته وسحره وطبيعته العجيبة، منها مذهب قدامى اليونانيين أنّ الإنسان كان كائنًا ذا رأسين وأربعة
أيادٍ وأرجل، وأنّه انفصل في قديم الزمان، فما زالَ الإنسان منذئذٍ يجد من ذلك وحشة في نفسه، ونقصًا وجوديًّا في أصلِ كينونته، وشوقًا إلى نصفه الثاني، فمن ذلك كان الحب، فكل روح في حالة بحث عن الروح التي فُصِلَتْ عنها قديمًا.
وللأمانة فلديّ في هذه المسألة مذهبان، مذهب أُقِيمُ عليه حياتي وأسير به في الناس وأعلنه على رؤوس الأشهاد، ومذهب يُقيم حياتي ويُقعِدها، ويهيمن على باطني وترجوهُ أعمق ذرّة من ذرات كياني. فأما المذهب الذي أسيرُ به هو أن "ما هذا إلا أساطير الأولين"، وأنّ الحب ليس سوى أسطورة شعبية تصف
الحال النفسي الذي يضبط إشباع الغريزة وأحوال الزواج، وكل محاولات رفعه إلى أفق القداسة هو من فعل شعراء وأدباء من شأنهم العام رفع تجاربهم العاطفي مراتب غير حقيقية، ويضفون عليها معانٍ ليست فيها. أما ما تنطق به ذراتي وباطني هو أنه في حال تعارض وجود الحب مع حقيقة وجودي، فسأقول أنّ الحب
موجود مقدس وأنّ وجودي ليس متيقن الوجود، فلا يقينَ في العالم سوى الحب، وأنّ "كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة" كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.
رجوعًا إلى ريان (وهو اسمٌ على وزن اسم الفتاة، أستعيره لها في هذا النص)، التي توسلتُ إلى صاحبي (وقد غدا وقتها ليس بصديقي، وإنما رسولًا بيني وبين أنموذج القداسة ومعدن الأفراح)، توسلتُ هاتفًا من داخل روحي: "وإذا سألتُك أن أراكَ حقيقةً، فاسمحْ ولا تجعلْ جوابيَ لن ترى" أن يكمل نعمته
نعمته عليّ ويريني كيف تبدو، فأراني إياها، فإذا أنا أمام فنّ من الجمال والإبداع لا يكون.
جمالٌ من النوع الذي يتضاءل وجودك أمام عينيكَ إزاءه، ويقودك إلى الشك في مشاريعك الكبرى في الحياة وقيمتها، ما معنى أن أُنقِذَ المرضى أو أصلح العالم إن لم يكن مآل ذلك الوقوف أمام عينيها،
جمالٌ من النوع الذي يتضاءل وجودك أمام عينيكَ إزاءه، ويقودك إلى الشك في مشاريعك الكبرى في الحياة وقيمتها، ما معنى أن أُنقِذَ المرضى أو أصلح العالم إن لم يكن مآل ذلك الوقوف أمام عينيها،
والصلاة في ليل جفونها، ما الأمجاد الحربية والإنجازات العلمية أمام روح بذلك البهاء، ووجه بتلك الراحة، ما الإبحار والإرساء إلّم يكونا من ضلال العالم وإلى مرفئها، ما الطيران في الفضاء إذا لم يكن "سلالمَ كي إلى عينيكِ أرقَى"، ما السفر والارتحال إلّم يكونا إلى وطن آمن مطمئن، إليها.
وإذا كانت الفنون الأدبية تُقيّم بالاستناد إلى قواعد الصنعة ومعايير الجمال في الجنس الأدبي، فهي بجمالها جنسٌ أدبي مستقل، يضع قواعد خاصة بها ومعايير لا يبلغها سواها، وإذا كانت النساء يندرجنَ ويقيّم جمالهنّ بالواقعية والسريالية والرومانسية،
فهي مدرسة تشكيلية وحدها لمّا يهتدِ إلى وحيها الفنانون، المدرسة "الريّانية" والتي ليس لها إلا لوحة واحدة مكتملة الخلق، ابتدأت واختتمت الجمال فلا قبلها قبلٌ ولا بعدها بعدُ. "فدقَّتْ وجلَّتْ واسبكرَّتْ وأُكمِلَتْ، فلَو جُنَّ إنسانٌ مِنَ الحُسنِ جُنَّتِ"، ما شاء الله ما أسحرها.
ما الحلّ إذًا في من استولى عليه الهيام، وغلب عليه الوجد، ومن هو في شُغُل يشغله عن الناس وأحوالهم، والحرب وأوزارها، وهو متيّمٌ بامرئ لا محالةَ لا يدري بوجوده بالأصل، وما الحل في من هو إلى ذلك:
"قليل التشكي للهمومِ تصيبه
كثير الهوى، شتّى النوى والمسالكِ
"قليل التشكي للهمومِ تصيبه
كثير الهوى، شتّى النوى والمسالكِ
يرى الوحشة الأنسَ الأنِيسَ ويهتدي
بحيث اهتدَتْ أم النجومِ الشوابكِ
تكلّ متونُ الصافناتِ إذا جرت
تباريهِ، أو تدمى نسور السنابكِ"
وما الحلّ والطريق طويل، والسبل متقطعة، و"المدى غُربَةٌ وَمَطَر"، والمسافات تتسع بين المرء وبين ما يحبّ، وأمله يبتعد عنه يومًا بعد يوم،
بحيث اهتدَتْ أم النجومِ الشوابكِ
تكلّ متونُ الصافناتِ إذا جرت
تباريهِ، أو تدمى نسور السنابكِ"
وما الحلّ والطريق طويل، والسبل متقطعة، و"المدى غُربَةٌ وَمَطَر"، والمسافات تتسع بين المرء وبين ما يحبّ، وأمله يبتعد عنه يومًا بعد يوم،
كيف السبيل مع ذلك إلى إضافة من ستكون أُمّ الآمال، وستبتلعها كلها لتكتسب قيمتها منها، فستكون إثر ذلك أقتَل الآمال. ما الحلّ والفؤاد منهك، والأمل أقتَلُ ما يجده السائر، آخِر ما خرج من صندوق باندورا، ما الحل والحال أنّ:
"وإنَّكَ بين اثنين فاختر ولا تكن
كمن أوقعته في الهلاك حبائلُهْ
فمن آملٍ يفنى ليسلَمَ ربُّهُ
ومن آملٍ يبقى ليهلَكَ آملُهْ
فكن قاتلَ الآمال أو كن قتيلها
تساوى الردى يا صاحبي وبدائلُهْ"
كمن أوقعته في الهلاك حبائلُهْ
فمن آملٍ يفنى ليسلَمَ ربُّهُ
ومن آملٍ يبقى ليهلَكَ آملُهْ
فكن قاتلَ الآمال أو كن قتيلها
تساوى الردى يا صاحبي وبدائلُهْ"
سأخالف معهودي هذه المرة وأقول هنالك حل، لا أدري ما هو أو كيف أصل إليه، لكنني أرجو أن أراها ويتجلى لي جلالها فأراها عيانًا وأستجلي معاني الحياة فيها، ولعلّي أغلِب الفلاسفة حين أسمع صوتها فأدرك كنه الطرب وماهيته وأشرحه لهم، ولعلّي أفكّ لعنة الوجود وأدرك حقيقة العالم،
فقط حين تصافحني يداها لتصلني بأصل الكون.
"هَلّا وضعتِ يدكِ الصغيرةَ على قلبي لكي تزولَ عنه الصحراء. لكي تهربَ الذئابُ منه وصدى قِفارها. لكي يرحلَ العنكبوتُ الذي يتنفّسُ في رئتي، لكي يغادرني الخدرُ الذي ينتابُ أشياء الرفوفِ والأدراجِ فأحسبُ أنني منها،
"هَلّا وضعتِ يدكِ الصغيرةَ على قلبي لكي تزولَ عنه الصحراء. لكي تهربَ الذئابُ منه وصدى قِفارها. لكي يرحلَ العنكبوتُ الذي يتنفّسُ في رئتي، لكي يغادرني الخدرُ الذي ينتابُ أشياء الرفوفِ والأدراجِ فأحسبُ أنني منها،
لا يخلّصني من الغبار إلا صباحُ الخادمةِ بأرياشها الاصطناعيةِ ورقعتها البليلة الساحرة. هلّا لمستِ بإصبعكِ صمتَ الغرفة، التي تغرقني بهوائها الفاسدِ وأشباحِها التي تتدلى من السقف والجدران. -بسام حجار"
جاري تحميل الاقتراحات...