د.الخضر سالم بن حُليس
د.الخضر سالم بن حُليس

@holees11

10 تغريدة 90 قراءة May 17, 2023
عثر أحد الفضلاء على خطأ في مقال لي فاحتفى به وغمرته السعادة، وكتب ردًا ينضح عدائية عنيفة، لا تليق بمنتسبي العلم، لغة مليئة بألفاظ التشنيع، وأسلوب الردود القاسية في مفرداتها، المتندرة في عباراتها، فعجبت لهذه اللغة المشبعة بالعداء، المتحرفة للردع، وكأن التصحيح مفاصلة علمية.
لغة متعجرفة وعرة تستهلك الأخوة، وتدمر الود، وتحرق القيم.
ترى من أين اكتسبت أجيالنا العلمية هذه اللغة العنيفة في ردودها؟ من أين جاء الولع بالردع في تعقيباتها، والاحتفاء باستدراكاتها على غيرها، ويسبق الرد كمية كبيرة من التأطير والإدانة والتحذير والتهويل والتنكيل بالكاتب وما كتب.
نفرتُ ذات مرة من «أحكام القرآن» لأبي بكر الجصاص (ت:370) لما فيه من تأنيب لزملائه العلماء، وتألمت من قسوة ابن جرير(ت:310) مع أبي عبيدة (ت: 208)، وحزنت لما مارسه ابن حزم (ت:456) من رهاب التطرف اللفظي على عدد من زملاء العلم أثناء انتصاره لأقواله،=
حتى ترجم له الذهبي (ت:748) مستنكرًا لسانه الحاد بأنه «لم يتأدب في الخطاب»، وكان الزمخشري (ت:538) يسقط مخالفيه بمسالخ علمية في ضواحي «الكشاف»، وكنت أرقب سلوك ابن العربي (ت:543) مع متانته العلمية وإعجابي الشديد به، كيف يُلهب بسياطه اللفظية مخالفيه أثناء التعقيبات والردود.
وهذه السقطات اللسانية، ليست روح العلم، ولا هي لغته التربوية السامية، ولا سمته الفذ النبيل، فإن كانوا يستندون إلى تلك الإصدارات وبها يقتدون، فليست موطنًا للاقتداء، ولا محلا للاستخدام، بل هي من سقطات الأخلاق، وأخطاء الكبار المطوية.
ثم رأيت تأثر عدد من الطلاب بردود المعاصرين وإيلامهم في الرد وسلاقته، فإذا بهم يستعيرون ألسنتهم ويكررون عباراتهم، كأنها جزء من كسب العلم، وتكملة لأدوات الطلب.
والتلذذ بتتبع الردود العلمية، والمناوشات المعرفية، واحتدام ساحات المعترك العلمي، يكتسب المرء هذا السلوك دون شعور.
على أي حال كتبت له الرد الآتي:
لا يزال العلماء يستدرك بعضهم على بعض منذ عصر التدوين، ويعقب بعضهم على بعض بلغة يكسوها الحياء، ويصحبها جزيل الاحترام وإن كان في ندرتها حدة وتطرف لفظي، إلا أنها من سقطات الكبار المطوية، وقد سجلت مدونات العلم نماذج مشرقة في كتب التفسير والفقه والأصول،
علماء يكسون ألفاظهم أحسنها، يحرصون على تجويد العلم، فلم يكن يدغدغهم هذا الولع والاحتفاء بالأخطاء، والتجهم للرد، كان الحفاظ على الود، وحراسة الأخوة، وتقدير الجهود، وكميات الاعتذار، مقدمًا عند الاستدراك، وكان جمال التبرير (لعله سها، ربما فاته، سبق لسان، زلة قلم، لعله قصد…).
بل كانوا يدركون خطر هذا المنزلق، فصانوا أنفسهم من وروده، وخافوا على أحوالهم من شهوده، حدّث تلميذ الطبري(ت:310) أحمد ابن كامل(ت:359) أنه سأله ذات يوم أن يروي له تفاصيل هزيمته للمزني(ت:264) وتفوقه العلمي عليه بحضور جمع كبير من فقهاء الشافعية، ولكنه تورع عن ذلك وأبى، =
وأغلق الموضوع على الفور، وكان لا يحب أحاديث الزهو وحكايات الافتخار.
هذا الموقف يحفر في الجذور والحضور.
العلماء عرضة للغلط والوهم وتنبيههم بلغة يكسوها الود والإفادة، إرشاد لهم وتصويب لمسارهم، وتجويد لأداء عملهم، أما التندر، والإساءة، والفرح بتسويق الأخطاء، فليس من العلم في شيء.

جاري تحميل الاقتراحات...