Mohamed Elmasry
Mohamed Elmasry

@Melmasry04

22 تغريدة 225 قراءة May 14, 2023
امبارح، لما كتبت عن عادل إمام، مفكرتش إن كلامي هينتشر للدرجة دي، كان غايته فقط التعبير عن المحبة والتقدير للراجل
بس لما انتشر، حسيت ضروري أكمل كلام عن باقي مسيرته (١٩٩٣ لـ٢٠١٠) والتي تغير فيها مشروعه من فرد يواجه السلطة.. لأن يصبح ضمن السلطة
وكيف انهزم كل ده قصاد يناير ٢٠١١
(١)
لحد سنة ٩٣، أفلام إمام كان مسيطر عليها الفرد ضد السلطة. وممكن نقول إن ده وصل لأعلى تجلياته البصرية والفلسفية في آخر المنسي.. والإرهاب والكباب. لما الفرد كان مُحاط بالناس وجزء منهم وهما اللي بيحموه
ثم حَصل حاجة كبيرة شقلبت كل شيء؛ حين اغتيل الدكتور فرج فودة في يونيو ٩٢
(٢)
كان الشغل على المنسى بيخلص، وإمام بيفكر في الخطوة الجاية
والخطوة الجاية دي كانت ممتلئة بالأسئلة والارتباك! لإن مش بس إرهابيين هما اللي قتلوا فرج فودة، ده فيه قبول مُجتمعي لده!
"هما دول الناس اللي بتراهن عليهم يا عادل؟"
(٣)
عشان كده الفيلم التالي مباشرةً كان الإرهابي، للمؤلف الكبير لينين الرملي، وفي اعتقادي إنه محاولة إمام لفهم إيه اللي بيحصل؛ فهم الأصولية وفهم الناس
بس الأمور ساءت مع عرض الفيلم، مع الهجوم عليه واستقصاد ديانة مؤلفه، وساءت أكتر بعدها مع محاولة اغتيال نجيب محفوظ أواخر سنة ٩٤
(٤)
في اعتقادي أنه لا يمكن فهم حاجات كتير عن تاريخ مصر، من غير تفكيك ارتباك لحظة نص التسعينيات دي.
في التسعينات كل شيء بقى ماسخ، وكل المعاني بقت مُمَوّهة، والمد الديني المتطرف العنيف بقى هو البديل في ظل غياب المعنى. ودي لحظة خاف فيها المثقفين والفنانين جدا؛ على حياتهم وعلى البلد
(٥)
هنا حصل تغير عنيف في مسار إمام، تزامن مع تغير عنيف في مسار الفنان الكبير وحيد حامد؛ التوجه مبقاش فرد يتحدى السلطة (من الغول لحد المنسي)
هنا بقى فيه إدراك لإن المجتمع بقى بين النظام الفاسد والتطرف الديني، وأنهم -كمثقفين- برة الحسبة؛ هكذا وُلِدَ طيور الظلام.. وكانوا أحمد راتب
(٦)
في الفيلم التالي مباشرة، النوم في العسل، بيتحول عادل إمام من فرد مع الناس.. لإنه رئيس مباحث العاصمة -مرة واحدة!-. إمام -وقبله وحيد حامد- قرروا إنهم يكونوا "مع النظام" ضد التطرف. مكانهم مع السلطة؛ صحيح هيقودوا الناس ويهتفوا "آه" .. بس إحنا جوا النظام اللي مبقاش ينفع يتهز
(٧)
المسار ده بيبان أكتر في فيلم إمام التالي "رسالة إلى الوالي"، واللي هو فيلم ضعيف لكن بالغ الأهمية؛
الفيلم، اللي عن رسالة بيحملها فارس من عصر محمد علي للحاضر، وفي أهم مشاهد الفيلم بيُلقيها على "الوالي"، على حسني مبارك مباشرةً، بيطالبه فيها ياخد باله ويحارب وإن كلنا معاه
(٨)
"باسمك سنطارد كل اللصوص، لصوص الحضارة والإنسانية، لصوص الحق والحياة. باسمك سنضرب على أيدي المتاجرين بالدين"
لإن، كما يقول الفيلم، البديل لحسني مبارك هو التطرف الديني، وإن لو ده حصل تاريخ وهوية البلد دي هيتمحوا (علامات القاهرة الحضارية بتختفي حرفياً بمؤثرات رديئة في الفيلم)
(٩)
في تقديري إن إمام في اللحظة دي كان قرفان جداً، وإنه بدأ -من لحظتها- يحس بالعدمية، ويَغلب على مشروعه هذا الطابع "العدمي"
يمكن مهم هنا أشرح قصدي بالمشروع، وإن "هل يعني عادل إمام كان واعي بكل اللي بتقوله ده؟"
الفنان مش لازم يبقى واعي بشكل مادي يا جماعة، الفنان قلبه بيحركه!
(١٠)
قلبه بيحركه "مادياً" حتى؛ لإن -كمثال بسيط- لما تكون عادل إمام وبيتعرض عليك ١٠ أفلام في لحظة ولازم تختار واحد، قلبك هيروح مع اللي موافق إزاي بتشوف الدنيا.. حتى لو مش واعي بشكل عقلي بده
وقلب عادل إمام في نهاية التسعينيات، كان قرفان وفَقد المعنى. فقد الأمل في الناس والمكان
(١١)
وده بيفسر التحول الأخير في مسيرته في الألفية، من إنه "فرد بيواجه السلطة" زمان.. لإنه السلطة دلوقتي؛ وزير في التجربة الدنماركية.. رجل أعمال شديد الفساد (في مرجان وبوبوس وعريس من جهة) وهو دائماً -في دول وفي كل أفلامه التانية- راجل غني
(١٢)
حتى الأفلام المغايرة في الفترة دي، كانت نَبرتها مختلفة عن قبل كده، بقت عما هو معروف، وهو -إمام- مبقاش مصدق أوي؛ زي الموقف الكسول الأقرب للعدمية في تون السفارة في العمارة. والموقف الكسول من الطائفية في حسن ومرقص
وزي التحول من تحدى الواقع.. للأسى عليه في عمارة يعقوبيان
(١٣)
طبعاً كل الجزء ده من المسيرة اتأثر "فنياً" بصعود جيل جديد من الكوميديانات من سنة ١٩٩٧، وإن إمام بقى مُهدد لأول مرة، وبيبحث عن منطق جديد للبقاء. بس الكلام عن ده محتاج ثريد وسياق تاني لوحده
بس الأكيد إن الموقف ده كان عَدمي، ساخر، قَرفان، وكفران بالناس وبإن حاجة تتغير
(١٤)
وهنا تحديداً بييجي اللي بدأت بيه كلامي، عن هزيمة الجزء ده من مشروع عادل إمام قدام ثورة يناير ٢٠١١
مش هزيمته بمعنى إن الأفلام هتموت، لإن الأفلام الحلوة بتعيش، والأفلام اللي بتضحك بتعيش، وعادل إمام هيعيش ١٠٠٠ سنة كمان
بس هزيمته فلسفياً؛ هزيمة استقراؤه وبصيرته عن البلد والناس
(١٥)
عادل إمام كان معمي وعدمي في السنين دي لدرجة إن بصيرته الفذة خدعته! ومشافش في حركة كفاية أو شباب من أجل التغيير أو نقابة الصحفيين أو العيال الصغيرة الجديدة اللي ليها صوت.. مشفش في كل ده مؤشر لأي احتمال كويس أو أي أمل في البلد
ففضل مراهن، في الأفلام والواقع، على النظام القائم
(١٦)
كل ده بيتكسر قصاد يناير! قصادي! قصادنا -كشعب وبني آدمين وأمل-
الناس في الشارع! مع المنسي ومع أحمد بطل الإرهاب والكباب! ومش محتاجين يبقى بيقودهم "حكمدار العاصمة"! الناس بتقود بعض!
الناس.. أهيه.. ضد النظام! الناس -الذي بدا وأنهم قد فُقد فيهم الأمل- بُعِثت يوم ٢٨ يناير!
(١٧)
ومُوحي ومؤثر جداً إن آخر فيلم في مسيرة عادل إمام العظيمة اتعرض قبل الثورة بشهور قليلة!
وإنه فيلم، في نصه الجميل الأول، عن رَجُل عَجوز، ينظر لحياته القديمة التي تتداعى، يخاف من النسيان ومن الجنون، ويتساءل عن معنى وقيمة كل شيء عاش عشانه
(١٨)
ولما ٢٠١١ بتيجي، وكل حاجة بتتغير، هو كان كِبر، مبقاش قادر يلاحق ولا يكون فكرة ومشروع جديد، خصوصاً إن ارتباكه كان بيزيد لما ما اعتقد إنه أكبر مخاوفه اتحققت بوصول الإخوان للسلطة في ٢٠١٢، في انتخابات حرة وديمقراطية لمرة وحيدة في تاريخ البلد، الناس انحازت فعلاً للبديل الديني
(١٩)
وأظن من وقتها عادل إمام كان بينسحب تدريجياً، مشفتش مسلسلاته فمش هعرف أتكلم عنها، بس عارف إنه مكنش عايز يعملها ولا تعنيله شيء، وإن الأمر كله كان عن إحساس الرضا بإنه لسه النجم الأعلى أجراً في العالم العربي وهو في سنه ده، ولما هيسيب.. هيسيب وهو لسه في القمة
(٢٠)
ما المعنى من كل هذا؟ ما المعنى من كل تلك المسيرة وكل هذا الكلام؟
في رأيي، إن المعنى هو إن محدش ينفع يراهن ضد حركة التاريخ أو يفقد الأمل في الناس ، مينفعش فلسفة الفنان والمثقف تكون مع الحاكم مش المحكوم، لإن وقتها بوصلته هتختل، وحتى فنياً قيمة أعماله هتقل جداً حتى لو نِجحت
(٢١)
والمعنى كذلك في أن عادل إمام، هذا الفنان العظيم، قد أحبنا -نحن الناس- كثيراً كثيراً. واحتقرنا أحياناً. وخِسر قصادنا في النهاية
وفي كل الرحلة دي، ساب عدد كبير جداً من الأفلام العظيمة، والمسيرة التي -حتى في سلبياتها- مُلهمة ومهمة جداً
ربنا يمد في عمره ويبسطه كما بسطنا
(٢٢)
انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...