جلَس في مكتبه جيّد التهوية، قليل الإضاءة، ووضع أمامه الورقة التي بذل في سبيل شراءها وقت أكثر مما بذل في سبيل أي شيء في آخر خمسة سنوات تقريبًا، ونظر إليها وعلى وجهه ابتسامة منتصرة وكأنها، أي الورقة، هي صك حيازة الجنة، وتنهّد بعمق استعدادًا للمُهمة الشاقة التي وُضعت غصبًا أعلى…
…قائمة أولويّاته.
شحذ بقاءه وحيدًا في كهفه المُظلِم لسنوات طويلة حواسه، وجعلت منه جهازًا طبيعيًا لكشف الكذب، يستطيع دون مجهود أن يرصد أدنى ارتفاع في درجة حرارة جسد مُحدّثه، وأصغر ارتفاع لحاجِبٍ خائن يُشير لتوتر صاحبه، وأقل تغيير في طبقة صوت أي أحد وأقل ارعاشاته.
شحذ بقاءه وحيدًا في كهفه المُظلِم لسنوات طويلة حواسه، وجعلت منه جهازًا طبيعيًا لكشف الكذب، يستطيع دون مجهود أن يرصد أدنى ارتفاع في درجة حرارة جسد مُحدّثه، وأصغر ارتفاع لحاجِبٍ خائن يُشير لتوتر صاحبه، وأقل تغيير في طبقة صوت أي أحد وأقل ارعاشاته.
باختصار، كان يعرف، قبلهُنّ، أنهُنّ وقعنّ في حبه. فكان يرحل فورًا، ويحرق خلفه جسر الود، ويعود لكهفه البارد الآمن من وسوسات الشهوة، والآمن من الضعف كأثر جانبيّ لا مفر منه للمشاعر، والذي كان يُحصّنه من احتمالات جرح إحداهُن كمصير كان يراه محتومًا لمن يسوقها حظها السيئ إليه.
كان كل مرة يرحل بقسوة. ينتزع نفسه من قلوبهُن دون تخدير، متعمّدًا إثارة فوضى رهيبة من النزيف والعدوى المُصاحبة لعملية جراحية أجريَت دون تعقيم، وهو ما كان يُمكن تجنّبه، ولكنه كان يراه ضروري ليدفعهُن لدفنه بعيدًا في مقبرة النسيان. كان يُكرر دائمًا "نسيان المؤذي أسهل من نسيان الطيب".
لكنه هذه المرة، كان أضعف من أن يؤذيها، بل أنه سعى، وبحث، وبذل من الوقت والمجهود الكثير ليُحقق لها أمنية أخيرة قبل الرحيل.
"نفسي في المستقبل حبيبي يكتب لي جواب بخطّه". قالت له وهي تنظُر بعيدًا وكأنها تُكلّم السماء، فقرر في نفس اللحظة أن يُحقق لها دعواها، وكأن السماء استجابت فورًا.
"نفسي في المستقبل حبيبي يكتب لي جواب بخطّه". قالت له وهي تنظُر بعيدًا وكأنها تُكلّم السماء، فقرر في نفس اللحظة أن يُحقق لها دعواها، وكأن السماء استجابت فورًا.
نظر إلى الورقة الملوّنة، والمؤطرة بأزهار وقلوب، والتي وجدها في مكتبة تمسّكت بماضيها في أحد أزقة الظاهر القديمة. "ياه يا ابني، ورق جوابات؟" قال صاحب المكتبة العجوز بسعادة، وابتسم ابتسامة مَن زار ماضٍ سعيد استحضرته سيرة الجوابات المنسية.
"عاوز ورقة واحدة". قال واضعًا فتاته في…
"عاوز ورقة واحدة". قال واضعًا فتاته في…
قائمة الاستثناءات التي لن يجاورها فيها إلّا وجود القائمة نفسه.
ماذا يكتب في رسالته الأخيرة؟ كيف يُخبر مَن قبضت روح صموده برقّة تليق بعصفورة مثلها، أنه خفّاش يحيا في الظلام، ويتغذى على لحم فصيلتها؟ كيف يُخبرها أنه كان يقتلهُن بدم بارد، وينتزع قلوبهُن، ويحرق خلفه الأرض، ويعود…
ماذا يكتب في رسالته الأخيرة؟ كيف يُخبر مَن قبضت روح صموده برقّة تليق بعصفورة مثلها، أنه خفّاش يحيا في الظلام، ويتغذى على لحم فصيلتها؟ كيف يُخبرها أنه كان يقتلهُن بدم بارد، وينتزع قلوبهُن، ويحرق خلفه الأرض، ويعود…
…لكهفه وينام بضمير ميت؟ كيف يُخبرها أنه كان يفعل هذا حتى ينسونه، ولكنه اليوم يكتب لها كما تمنّت لأنه لا يستطيع أن يقنع نفسه بأن يدفعها لنسيانه؟ كيف يخبرها أنه فعل هذا من أجله هو، لا من أجل إسعادها، لأنه يرغب في أن يبقى في ذاكرتها؟ وكيف يُخبرها أنه أصبح يكره كهفه منذ أحبّها؟
هوى قلبه، وقفزت دموعه عبر قنوات جفّت منذ زمن، وتوتر جسده كله وارتعش، وكأنه وحش فرانكنشتاين يُبعث حيّا بعد أن مسّته صاعقة الحُب.
أمسك القلم، وكتب بخط مرتعش "أنا…" ثم أجبره ارتعاش كفه على التوقف عن الاستمرار. حاول التحكم في تنفسه، وتوتره، ودموعه، ولكنهم عاندوه وزادوا.
أمسك القلم، وكتب بخط مرتعش "أنا…" ثم أجبره ارتعاش كفه على التوقف عن الاستمرار. حاول التحكم في تنفسه، وتوتره، ودموعه، ولكنهم عاندوه وزادوا.
سقطت دموعه، وبلّلت الورقة الوحيدة التي يملكها، فاستسلم لها، وانهار يبكي، وكتب بخط مرتعش، وهو لا يكاد يرى الورقة من فرط دموعه "أنا… أبكي". وابتسم ممتنًا لدموعه لأنها أكملت كتابة رسالته بدلًا منه.
طبّق الورقة بعد أن وضع فيها روحه التي غسّلها وطهّرها بماء دموعه، ثم وضعها بخشوع،
طبّق الورقة بعد أن وضع فيها روحه التي غسّلها وطهّرها بماء دموعه، ثم وضعها بخشوع،
جاري تحميل الاقتراحات...