الحمدُ لله، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين.
وبعد:
خبرة العالم تأتي مِن جهة تحصيله النظري، وتحصيله العملي، وهذا التحصيل العملي قد يكون ناتجًا عن اجتهادٍ منه، وقد يكون ناتجًا عن إفادات وخبرات تَلَقَّاها عن شيوخه، وهذا كثيرٌ في واقع العلم والعلماء.
وبعد:
خبرة العالم تأتي مِن جهة تحصيله النظري، وتحصيله العملي، وهذا التحصيل العملي قد يكون ناتجًا عن اجتهادٍ منه، وقد يكون ناتجًا عن إفادات وخبرات تَلَقَّاها عن شيوخه، وهذا كثيرٌ في واقع العلم والعلماء.
أَضِف إلى ذلك قضية العُرْف والواقع السائد بين أهل العلم في مسائل أو موضوعات بعينها.
فقد يبني العالم حُكْمه أحيانًا على خبرةٍ سابقةٍ له، أو إفادة تَلَقَّاها عن مشايخه، أو واقعٍ أو عُرْفٍ سائدٍ لأهل العلم في مسألةٍ ما، وقد يصرِّح بذلك كلّه وقد لا يصرِّح.
فقد يبني العالم حُكْمه أحيانًا على خبرةٍ سابقةٍ له، أو إفادة تَلَقَّاها عن مشايخه، أو واقعٍ أو عُرْفٍ سائدٍ لأهل العلم في مسألةٍ ما، وقد يصرِّح بذلك كلّه وقد لا يصرِّح.
وهذا قد يقع مُتَّفِقًا مع أطروحاته وتقريراته النظرية، وقد يقع مخالفًا لها.
ففي مثل هذه الحالات لا يمكن الاقتصار على رمي العالم بالتضارب والتناقض وأمثال هذه الأمور، وإِنَّما الواجب البحث فيما وراء ذلك كلّه مِن أسباب، ومناقشة هذه الأسباب وتحريرها، وتدقيق الاختيارات وإصدار الأحكام بناءً على هذه الدراسات العميقة.
مثال ذلك:
صرَّح الإمام الألباني رحمه الله، برأيه في عددٍ مِن الرواة، ونقلَ أحكام العلماء على أشخاصهم، فصَحَّحَ لهم بعض الأحاديث أو ضعَّفها، لكنه خالف ذلك في مواضع أخرى.
صرَّح الإمام الألباني رحمه الله، برأيه في عددٍ مِن الرواة، ونقلَ أحكام العلماء على أشخاصهم، فصَحَّحَ لهم بعض الأحاديث أو ضعَّفها، لكنه خالف ذلك في مواضع أخرى.
فمِن الخطأ رمي الإمام بالتضارب في أحكامه على مثل هؤلاء الرواة هكذا بإطلاق؛ لأَنَّ المعلوم لدى أهل العلم أَنَّ حال الراوي يختلف مِن حديثٍ لآخر، فقد يكون ثقة مقبولًا في حديثٍ، وقد يكون مردودَ الحديث في روايةٍ أخرى لوقوع الوهم والخطأ له،
وبناءً عليه فلا يمكن تسوية حكم الراوي في حديثٍ أصاب فيه، مع حُكْمه في حديثٍ أخطأ فيه.
والخبرة التراكمية للشيخ الألباني أو غيره مِن أهل العلم قد تدفع به إلى موافقة هذا المنهج في بعض الرواة، ولو دون تصريحٍ منه بذلك؛ أو إقامته الحجة على أسباب صنيعه؛
إِذ الخبرة والمعرفة والدراية وأمثال هذه المسائل والمَلَكَات مِمَّا لا يمكن التعبير عنه أو إقامة الدليل عليه بلفظٍ واضحٍ صريحٍ في كلِّ حالاته.
مثلما يأتي الإنسان إلى الصراف فيعرف الدينار الصحيح، مِن الدينار الزائف؛ لكنه لا يستطيع إقامة الحجة على هذه المعرفة، لا لجهله وإِنَّما لقيام هذه المَلَكة، وتلك المعرفة والخبرة التراكمية على عشرات الوقائع الفردية، حتى اجتمعتْ وتراكمتْ في داخله، وأضحتْ دليلًا قائمًا بنفسه.
فليس مقبولًا حينئذٍ التسوية بين حالات الناس في كلِّ الأماكن، أو الجمود على قولٍ واحدٍ في أحد الرواة لا يمكن الخروج عنه، بل الواجب أَنْ يدور الحكم حسبما دارت الروايات، حِفْظًا وإتقانًا.
ثم العالم أو الإمام إذا ما دار مع الروايات فاختلف حُكمه في راوٍ فعلينا البحث في أسباب هذا الاختلاف ووقائعه وآثاره، لا الجمود والرمي بالتناقض والتضارب، فالجمود ليس أصلًا هنا، بل هو عين الخطأ، وأما الدوران مع الراوي حسب حالته في كلِّ رواية فهو الأصل الصحيح المعمول به لدى أهل العلم.
لكن تجدر الإشارة إلى ضرورة الاحتراز مِن الأخطاء التي قد تكون ناتجة عن تقريرات وأوهام لا صلة لها بهذا المبحث.
والمقصود هنا ضرورة البحث في أسباب اختلاف أحكام الإمام الواحد على الراوي الواحد، للوقوف على أسبابه، فربما كانت ناتجة بناءً على تغيُّر حال الراوي في الرواية حِفْظًا وضبطًا،
والمقصود هنا ضرورة البحث في أسباب اختلاف أحكام الإمام الواحد على الراوي الواحد، للوقوف على أسبابه، فربما كانت ناتجة بناءً على تغيُّر حال الراوي في الرواية حِفْظًا وضبطًا،
وربما كانت ناتجة عن وهمٍ أو خطأ بعيدٍ عن الراوي والرواية.
فلابد مِن البحث والتفتيش، وتحاشي الجمود في هذا الباب.
ورحم الله ابن رجب حين أطلقها قاعدة ملهمة؛ فقال: «ولكلِّ حديثٍ نَقْدٌ خاص».
فلابد مِن البحث والتفتيش، وتحاشي الجمود في هذا الباب.
ورحم الله ابن رجب حين أطلقها قاعدة ملهمة؛ فقال: «ولكلِّ حديثٍ نَقْدٌ خاص».
ومِن جهةٍ أخرى ربما كان اختلاف أحكام الإمام نابعًا مِن درايةٍ ومعرفة وتحرير نظريٍّ وعمليٍّ باختلاف أحوال الرواة، وربما كان ناتجًا عن خبرةٍ ومَلَكَة مكتسبة ومتراكمة مِن خلال الواقع العَمَلِيِّ دون تحريرٍ نظريٍّ لها.
وبعضُ العلماء قد يُبْدِع في الواقع النظريِّ، وبعضُهم قد لا يُقِيم القاعدة النظريَّة؛ رغم امتلاكه المَلَكَات العملية، والتفاصيل الواقعية التي يستطيع مِن خلالها النَّظر والاستدلال، والحُكْم والترجيح.
والمقصود: ضرورة البحث فيما وراء السطور، عن أسباب اختلاف أحكام الإمام على الراوي الواحد، وهل تنتمي أسبابه لخبرته النظرية؟ أم لمَلَكَاتِه وخبراته المكتسبة المتراكمة عمليًّا؟ ونحو هذه المسائل التي تُؤَمِّن للباحث الوصول إلى نتيجة صحيحة، أو قريبة مِن ذلك، دون زللٍ أو شططٍ في الأحكام.
وهذه قاعدةٌ عامة في دراسة تصرُّفات الأئمة والعلماء قديمًا وحديثًا، خاصة تصرُّفات المكثرين مِن الكلام على الروايات في العصور المتأخِّرة، مثل الشيخ الألباني وغيره مِن العلماء.
لكن تبقى لكلِّ عالمٍ خصوصيته التي قد يتَّفِق أو يختلف فيها مع غيره مِن العلماء، وغالبًا ما تنبع هذه الخصوصية وتلك المَلَكَات مِن غَلَبَة بعضِ العلوم على الشيخ أو الإمام، فيختلف حينئذٍ مَن غَلَب عليه الحديث مع مَن غَلَب عليه الفقه، مع مَن غَلَبَت عليه اللغة، وهكذا.
وقد تجد العالم ضليعًا في عِلمٍ دون آخر، أو خبيرًا بصياغة ألفاظ بعض العلوم دون الأخرى، فالواجب البحث عن أسباب ذلك كلّه، وتحرِّي الصواب عند دراسة تصرُّفات أهل العلم، دون الجمود على رأي واحدٍ، لا يتغيَّر، فما تَرَاه صوابًا في موضعٍ قد لا يكون كذلك في موضعٍ آخر.
وتبقى خبرة العالم المكتسبة على طول الأيام؛ إحدى ركائز منهجه اللازمة للتعرُّف عليه، ودراسة تصرُّفاته وأحواله، إلى جوار واقعه وتقريراته النظرية.
والله المُوَفِّق لا ربَّ سواه، هو حسبي ونعم الوكيل
صلاح فتحي هَلَل
والله المُوَفِّق لا ربَّ سواه، هو حسبي ونعم الوكيل
صلاح فتحي هَلَل
جاري تحميل الاقتراحات...