بعض الأكاديميين الغربيين المعاصرين، من فئة الاستشراق الجديد، حينما يقرأ المراقب كتاباتهم عن تاريخ ما يسمى بالإسلام المبكر وتاريخ المسلمين الأوائل، وفتوحاتهم وعلاقتهم ببيزنطة والروم، ونحو ذلك، يصدم بأساليبهم الغريبة والبعيدة كل البعد عن روح ونمط الكتابات "الأكاديمية" المفترضة.
إذا بها كتابات مشبعة بحماسٍ دينيٍّ مفرط، أو قوميٍّ عنصري يصعب عليهم إخفاء ذلك في ظاهر اللفظ أو لحنه، ويخيل للقارئ أن بعضهم يبطن صراخًا بالفرح والابتهاج مكتومًا -يكاد ينفجر بين الأسطر- عند كل حديث لهم عن هزيمة للمسلمين أو انتصار للروم أو بيزنطة، وكأنها بالنسبة إليهم أحداث جذعة!
يقلبون الأحداث بحسب الحماس والدوافع العميقة والمستقرة في وعيهم، فيمرون على جنايات الروم وبيزنطة العظيمة مرورًا عابرًا أو يتجاهلونها تمامًا، ثم في الوقت نفسه يبحثون "بالمنقاش" أو تحت الرؤية بالميكروسكوب عن كل عيب أو خطأ وقع من بعض المسلمين، أما أخلاقيات المسلمين فيسيؤون تفسيرها!
وإن اضطرتهم الحالة إلى اخترع سياقات تاريخية أو رمي افتراضات بعيدة كل البعد عن روح الأحداث التاريخية أو العادات المستقرة، من باب "التحليل الأكاديمي"، فلا بد إذن من ذلك من أجل خدمة "البحث العلمي الموضوعي"، فعمق التحليل التاريخي يلزم عدم الخضوع للنظرة التراثية التقليدية الرومانسية.
يهونون عظائم الأحداث ويشككون في الكتابات التي جاءت في مصادر التراث الإسلامي؛ لافتراضهم المسبق والمؤدلج أدلجتها وعدم دقتها وحيادية أصحابها، وفي الوقت نفسه يشيدون بالكتابات الأجنبية غير الإسلامية التي كتبت عن الأحداث نفسها، مع أنها بعيدة عن الأحداث زمنًا ومكانًا، وتنقصها الدقة!
فيشهدون بصدقيتها ودقتها، مع ركاكتهم وضعفها، فيما نقلته ضد المسلمين، وحجتهم في ذلك أنها مصادر لا مصلحة لكتبتها من المسيحيين والرهبان في اختلاق الأحداث والوقائع ضد المسلمين والإسلام، أما رويات المسلمين وكتاباتهم فلا ينبغي الثقة بها لوجود مبرر لديهم لتزوير الأحداث لصالح الإسلام!
والقارئ بعد الانتهاء من قراءته لتلك الكتابات الغربية المتوترة، قد يتساءل: هل كان يقرأ لمحارب بيزنطي؟ أم لجندي إفرنجي؟ أم لراهب في دير بجبل، فالنَّفَس هو هو، يحثوا على قارئه غبار سنابك خيول القوم منذ ذلك التاريخ بحماس المحارب، وتسمع خلاله صيحات الثأر والفخر لكن في أوراق أكاديمية!
وربما قد يقول بعض القراء سريعًا إن هذه الصور والأوصاف ستكون حاضرة في عقولهم حين يطالعون بعض كتابات المتعصبين من المستشرقين المعاصرين، كأمثال كثير من كتابات: روبرت هويلاند، والذين يرون في تعجب واستغراب كيف تنشط "دور عربية" في حماس ونشاط في تتبع كتاباتهم وترجمتها إلى اللغة العربية!
جاري تحميل الاقتراحات...