19 تغريدة 14 قراءة Apr 19, 2023
فيه أزمة ثقة بين السودان ومصر بقالها سنوات وأتخيل إننا في مصر لدينا مسؤولية أكبر ومحتاجين نغير تصوراتنا عن السودان.
أحد أسباب الأزمة إننا دائماً ننظر إلى السودان باعتباره مهم لأمننا المائي والجغرافي دون إدراك إن مفيش علاقة بين شقيقين تعتمد فقط على مراعاة مصالح شقيق واحد فقط منهم!
ومن المؤسف إن جزء من بعض التصورات الشعبية لدى المصريين تجاه السودان بيجد صداه لدى بعض أفراد النخبة السياسية والثقافية المصرية.
خلينا نبدأ بأكثر التصورات شيوعاً واللي بتسبب حساسيات كبيرة رغم إنها مبنية على مجموعة من الضلالات التاريخية.
فعدد من المصريين يرددون إن السودان كان مصرياً
على سبيل المثال يبقى مدهش ومفزع لما تلاقي محامي وحقوقي مصري بيظهر في كل المنصات الإعلامية للحديث عن حقوق الإنسان وهو مش قادر يتقبل إن السودان أعلن استقلاله وفق استفتاء حق تقرير المصير عام 1955 وشايف إن مصر كدة فرطت في أراضي تملكها وكان المفروض تفرض سيادتها بالقوة على السودان!
أو لما تلاقي البعض يذكر سيرة فاروق باعتباره ملك مصر والسودان وهو عمره ما زار السودان أو مارس أي سيادة على السودان، وكان بيطلق على نفس لقب ملك مصر والسودان علشان يستفز الإنجليز.
طبعاً الحاجات دي بتقابل بحساسية بالغة لدى أهلنا في السودان وبعتبروا دي وصاية مصرية على بلدهم المستقل.
أولاً كان السودان نتيجة حملة من والي مصر محمد علي والذي خسر قائد حملته العسكرية وابنه الأمير اسماعيل كامل هناك عام 1822. ولما دخل جيش محمد علي السودان أزال الممالك التي كانت قائمة وهي مملكة السينار، مملكة الفونج، مملكة كوردوفان ومملكة دارفور.
حصلت ثورة المهدي في 1881 والقوات المصرية الموجودة في السودان كان موقفها ضعيف، فأمرت بريطانيا الخديوي توفيق بسحب القوات المصرية ثم قررت بريطانيا إلى إرسال قوة عسكرية بقيادة الجنرال جوردون واللي اتقتل على يد رجال المهدي في 1885.
نهاية السيادة المصرية بشكلها الفعلي في السودان حصلت عام 1896 عندما قاد اللورد هربرت كتشنر قوات مصرية بريطانية لاستعمار السودان ووضعها تحت الحكم البريطاني فعليًا والمصري اسميًا.
فوفق اتفاقية 1899 ترشح الحكومة البريطانية حاكمًا عامًا إنجليزيًا للسودان لكن يتم إصدار فرمان تعيينه من قبل خديوي مصر. نظام شبيه بتعيين بريطانيا خديوي مصر ولكن إصدار فرمان تعيينه من الباب العالي في اسطنبول علشان منح شرعية اسمية للحاكم.
في هذه الفترة كان الحاكم العام الانجليزي في السودان هو الآمر الناهي في البلاد. وكان الميزانية التي تنفق على القوات البريطانية الموجودة في السودان أو على المرافق العامة التي يديرها الإنجليز تأتي من الخزانة المصرية ولكن بدون أن يعني ذلك أن يشترك المصريون في إدارة السودان!
ظل ملف السودان، ورقةً يتم إثارتها من قبل الجانب البريطاني في وجه الحكومات المصرية اللي كانت بتثير قضية استقلال مصر الفعلي. في الشهور الأولى من عام 1952 كانت الفكرة البريطانية هي منح السودان حكمًا ذاتيًا لفترة انتقالية ثم حق تقرير مصيره، وبذلك نقل مشكلة السودان الى الجانب المصري.
بسبب المشاكل بين فاروق والإنجليز واللي بلغت ذروتها في أزمة فبراير 1942، كان فاروق يتعمد أن يلقب بملك مصر والسودان علشان يستفز الإنجليز، بينما كانت السلطة الفعلية في السودان هي لإنجلترا وتحديداً وزارة الخارجية البريطانية وليست وزارة المستعمرات.
مثلاً في 1947 الإنجليز عينوا حاكم عام للسودان اسمه السير "روبرت هاو" وطبعاً أمر تعيينه طلع من القصر الملكي المصري وباسم فاروق رغم إن "السير هاو" اللي كان موظف في وزارة الخارجية البريطانية كان معروف برفضه لأي تطلعات مصرية في السودان وكان بيرتبط بعلاقة قوية مع عبد الرحمن المهدي.
بعد 1952 بدأت مصر مفاوضات مع بريطانيا من أجل إجلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية، ولم تكن مصر قادرةً على إعلان احتفاظها بالسودان من جانب واحد، خاصةً في ظل لحظة “ما بعد استعمارية” تشهد صعوداً لحق الشعوب في الاستقلال وتقرير مصيرها بعيدًا عن الوصاية الأجنبية.
زعيم حزب الأمة السوداني عبد الرحمن المهدي راح هو ووفد يمثل زعيم الجبهة الوطنية التي يترأسها علي الميرغني، راحوا إلى بريطانيا للاجتماع بوزير الخارجية أنتوني إيدن وبحث مصير السودان.
هيكل التقى عبد الرحمن المهدي وسأله معاتبًا عن التوجه إلى بريطانيا بدلًا من التحدث مع مصر أولًا. رد المهدي: "إذا الإنجليزي جالنا إلى السودان راكبًا عربة مصرية تجرها خيول مصرية وتدفعها من خلف أيدٍ مصرية فأنا طبيعي هكلم السيد الجالس في العربة ومش هكلم الأحصنة ولا اللي بيزقوه".
بعد كل دة تلاقي ناس، المفروض إن لديها قدر من الإطلاع والثقافة يتكلموا إن السودان مصري!
السودان هو أكثر الدول قرباً لمصر وأكثرها أهمية لمصر والسودانيين والمصريين يمكن اعتبارها شعب واحد، ولكن احترام سيادة استقلال الأشقاء أمر ضروري لأي علاقة قوية ومتينة بين بلدين يربطهم تاريخ واحد.
لذلك أنا لا أشعر بالزعل من أي كلام غاضب أو عتاب قاسي من السودانيين لأشقائهم في مصر. ينبغي أن لا يكون هناك تعالي في العلاقة بين الأشقاء وينبغي فهم طبيعة السودان وتاريخه وفهم أزماته ومحاولة الوقوف معاهم من أجل أن ينالوا من يستحقوه من حياة كريمة في بلدهم الذي يعيش في محنة منذ عقود.
مهم أن تدرك النخبة السياسية المصرية أن الحكم المدني في السودان هو الضمانة لأمن ومصالح مصر. الحكم العسكري في السودان لن يؤدي إلى خير السودان ولن يؤدي إلى تحقيق أمن مصر. ما عمر البشير كان عسكري وكان السبب في انفصال الجنوب وفي الجرائم ضد الإنسانية في دارفور وفي أزمة السودان الحالية.
كان استقلال السودان عام 1956 نتيجة رغبة بريطانية في الانسحاب من بعض مستعمراتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية مع تصاعد مد حركات التحرر الوطني، وليس منحةً من المصريين أو تفريطًا في أراضٍ يمارسون السيادة عليها تاريخيًا
almanassa.com

جاري تحميل الاقتراحات...