١/قبل أكثر من عشرين سنة، وقبل وجود وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت في الأفق بارقة شفاءٍ شامل، سعى لها القريب والبعيد، المتعلم والجاهل، الصغير والكبير.
٢/حتى أن الزحام كان على أشده على هذه البارقة، حيث أعلنت امرأة من شرق عمان أن بين اصابعها ترياق لكل داء، اجراه الله على يديها، نهرا رقراقا، ككوثر الجنة، يشفي أي مرض، ويهب العافية لكل مريض.
٣/استجابت الناس لروايتها،وسعت لها زرافات ووحدانا، شيبا وشبانا، رجالا ونساءا، لتحصل على علبةٍ مملوءة من هذا الترياق، علَّها يكون فيها الشفاء الذي لا يغادر سقما. حتى أن هنالك أطباء ودكاترة جامعة ممن وقف في طوابير الانتظار ليحصلوا على جرعة من الدواء العجيب
٤/في ثلاجة "العزبة" التي كنت اتشارك السكن فيها مع زملاء الجامعة، والكليات، تعرفت على هذا الترياق، كان لونه يميل للاخضرار، موضوع في علبة ماء فارغة تم اعادة تعبئتها بهذا الترياق. كان قد سعى أحد الزملاء لجلبه، يريده دواء لأحد أقاربه أو لنفسه لا أذكر
٥/كانت تتناقل روايات عبر المنتديات، والمجالس، أن فلانا شفي به من السرطان، وفلانة شفيت من العقم، وآخر شفي به من الشلل، لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي والواتسب [وربعه] متوفر، إما النقل الشفهي أو عبر المنتديات، ومنتدى سبلة العرب كان اشهر منتدى عماني، فالاخبار كانت تسدح هنالك.
٦/كنتُ اعتبرها من الهرطقات، والدجل، والنصب، فكيفَ لماءٍ واحدٍ يشفي كل شيء، ويساعد على أي شيء، ولكن "الترند" كان على هذا الماء، فمهما قلت أو نصحت فلن يسمعك أحد، فضجيج الدهماء كان أعلى. حتى أن المتعلمين "بتوع المدارس" كانوا ممن جلب هذا الترياق لنفسه أو لأحد أقاربه
٧/الدول تعاني من الأمراض مثلما تعاني الأجساد، فتسعى الدول كذلك إلى البحث عن ترياق يعافي مرضها، ويشفي دائها، ومن الأمراض المستعصية مرض الإقتصاد، واعراضه المعروفة، وتجلياته التي لا تخفى على أحد. فانبرا من بيده العلاج الشامل، ليعرضه على كل الدول، ويسوِّق له أنه العلاج الوحيد الناجع
٨/هو ذات "الفنكوش" الذي سوَّقت له المرأة أنه شفاء لكل داء، وعافية من كل بلاء، فعلاج الإقتصاد سوَّق له صندوق النقد الدولي بالعصا والجزرة، أما العصا فيهش بها على الدول وهي التصنيف الإئتماني، والجزرة ممثلة في القروض الملغومة
٩/تتمثل "روشتة" العلاج الذي يصرف لكل الدول على السواء، في وقف التوظيف في القطاع العام، وتجميد الأجور، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، ورفع الدعم الحكومي عن المواد الغذائية والمحروقات والطاقة وغيرها
١٠/كما تشمل الروشتة كذلك تخصيص القطاعات الخدمية كالكهرباء والطيران والصحة والتعليم، وإلغاء الدعم لقطاعات الزراعة والأسماك والحرفي،وبعض الوصفات المرافقة كتعديل مناهج التعليم،للحد من التدين،والقبول بنسبية "الأخلاق" كالمثلية والإجهاض والنثوية والفردانية بحجة فتح الأسواق ودعم الحريات
١١/تلقفتها الدول وأخذتها على أنها "إصلاحات" مؤلمة لابد منها، وسقتها كالماء الأخضر في العلب المعاد تدويرها إلى شرايين شعبها، حتى وإن لم يستسغها، فالعلاج كلما كان "مرّ" المذاق كان أكثر نجاعة
١٢/تلك الوصفة المسمومة،قدمها الصندوق لكل الدول التي استهدفها، ولكن يا للنتائج التي لا يريد أن يراها أحد،كانت نتائج مهلكة لكل الدول، فتدمر اقتصادها، وتشتت شعبها، وغادرها الرفاه،ولم تستطع الفكاك منها مطلقا،فتلبستها الديون،وخيَّم عليها البؤس،وانهارت حتى حكوماتها، واضطرب حبل أمانها
١٣/تلك الوصفة المشؤومة التي يصر الصندوق سقيها الدول المستهدفة ما هي إلا نظرية نظام نيو ليبرال (Neoliberalism) الذي تبنته دول الغرب مثل بريطانيا وأمريكا وكندا واستراليا، في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي، على أنه حل للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية التي ظهرت من الرأسمالية
١٤/يعتقد أنصار نظام نيو ليبرال Neoliberalism أن الخصخصة، والتحرير الاقتصادي، وتحقيق الاستقرار المالي، والتمويل الخاص، عبر الأسواق العالمية، سيكون لها آثار إيجابية على الاقتصاد.والسوق هو الذي يجب أن يتحكم في تخصيص الموارد وتحديد الأسعار. وهو السبيل الوحيد للإستدامة المالية
١٥/ولكن هذا النظام سبب انحيازًا واضحا للأغنياء والشركات الكبيرة والمستثمرين، وترك الفقراء والطبقات الأقل حظاً يعانون بشكل أكبر. وترك الشركات الصغيرة تتقاذفها رياح السوق العاتية
١٦/وهذا النظام الاقتصادي لم يحقق العدالة الاجتماعية، ولا حماية المستهلكين والعاملين، ويركز على النمو الاقتصاد الكلي، بغض النظر عمّن المستفيد من هذا النمو. فزاد الفقر، وانتشر المشردون، وانسحقت الطبقة المتوسطة، واصبح البون شاسعا بين الأغنياء جدا، وبين الفقراء
١٧/تلقف الماليون و"الاقتصاديون"العرب نظام Neoliberalism وتبنوه كأن لا بديل عنه،وهذا قصور فهم،والسبب أنهم لم يدرسوا غيره،وإن عرفوا عن انظمة ونظريات أخرى ولكن المناهج الغربية التي درسوا على يديها درستهم أن النظام الغربي هو النظام المستنير وما عداه هو ظلام وهرطقات لا طائل منها
١٨/وإن نظرنا بزاوية منفرجة ونحن نقف بين الغرب والشرق، دول الشرق الصاعدة اقتصاديا كالصين وروسيا وفيتنام لا تتبنى الأنظمة الإقتصادية الغربية وحتى كوريا واليابان وسنغافورة وماليزيا. ولكن لها أنظمة خاصة بها كالصين وروسيا،وإما أنها دمجت عدة انظمة لتتوافق معها ككوريا واليابان وسنغافورة
١٩/جدير بالمجتمعات أن تنظر لمصلحتها أولا، ولا تنظر بالمقياس الضيق الذي يقيمها به الآخرين، فمقاييس الآخرين ليست بالضرورة هي مقاييس صالحة لنا، سواء كانت تلك المقاييس صالحة عندهم أم لا
٢١/والآن مثلا في بريطانيا أمُّ الغرب، وأمريكا عصا الغرب، وفرنسا ثقافة الغرب، هنالك أزمة عميقة بين الشعب (العمال) والساسة (الاغنياء) والمظاهرات والاضرابات مستمرة وانهيار البنوك، وتذبذب المالية العامة على أشده
٢٢رمضان١٤٤٤هـ
١٣أبريل ٢٠٢٣م
#صالح_العبري
٢٢رمضان١٤٤٤هـ
١٣أبريل ٢٠٢٣م
#صالح_العبري
جاري تحميل الاقتراحات...