غِياث
غِياث

@Mme_3455

80 تغريدة 493 قراءة Feb 23, 2023
استيقظت عاتكة عمة النبي ﷺ في وهنٍ من الليل، تختنق وكأنها لا تجد نسمة هواء تكاد تصرع مما رأت في منامها، رؤيا هزت مكة وأقسموا أسيادها أن لم تتحقق هذه الرؤيا أن يشنوا على بني هاشم حرب
وما هي إلا ثلاث ليالٍ حتى تحققت
"غزوة بدر"
انتهى عصر الاضطهاد في مكة
وغادر المسلمون منها وبدأ عصرٌ جديد للإسلام من الهجرة، وترك البلد والبيت والفراش
ترك المسلمون بيوتهم وأموالهم وخرجوا بكل ما قدروا عليه وهي أنفسهم
واستحلت قريش أموالهم وأخرجتها في التجارة
وقرر النبي ﷺ أن يرد أموال المسلمين، وعلم أن أبا سفيان قد أتى من الشام في عيرٍ عظيمة فيها أموالٌ وتجارةٌ وفيها أربعون رجلاً وكان في العير ألف بعير تحمل أموال قريشٍ بأسرها.
ندب الرسول المسلمين وقال:
هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعلّ الله ينفّلكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقل بعضٌ؛ وذلك أنّهم لم يظنوا أنّ رسول الله ﷺ يلقى حربًا
وأما أبو سفيان، حين دنا من الحجاز، كان يتحسّس الأخبار، ويسأل من لقي من الرّكبان: حتى جاءهُ الخبر أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فبعث رجلًا يقال له ضمضم بن عمروٍ الغفاري إلى مكة لينذرهم
"في مكة"
الدنيا أظلمت والناس نيام لا أحد في أزقتها يمشي
وأمّا عاتكة فقد جافاها النوم ترتجف مما رأت، من رآها ظن أن دلو ماء سُكب عليها وماهو إلا عرقها
رأت رؤيا في المنام وعلمت أنها حق فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب
فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت رؤيا أفظعتني، وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومصيبةٌ، فاكتم علي ما أحدّثك.
فقال العباس: وما رأيت ؟
قالت: رأيت راكبًا أقبل إلى بعيرٍ له، حتى وقف بالأبطح -موضع في مكة- ثم صرخ بأعلى صوته:
ألا أنفروا يالغدر لمصارعكم في ثلاثٍ
كان العباس يسمع وقد تهيب مما تقول أخته
فأكملت:
فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله، مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها ألا أنفروا يالغدر لمصارعكم في ثلاثٍ ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيسٍ -جبل في مكة-، فصرخ بمثلها.
وسكتت قليلاً ثم أكلمت وقد تملكها الخوف:
ثم أخذ صخرةً فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت -أي تكسرت- فما بقي بيتٌ من بيوت مكة ولا دارٌ إلا دخلتها منها فلقةٌ
فما أن انتهت قال العباس:
والله إنّ هذه لرؤيا، وأنتِ فاكتميها، لا تذكريها لأحدٍ
فخرج العباس وقد أهمه الأمر وما استطاع أن يكتمه
وما يخفف الهم بالقلب إلا البوح به، فأخبر العباس الوليد بن عتبه وكان صديقًا له واستكتمه أياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، فانتشر الخبر في مكة كلها وما بقي بيتٌ في مكة إلا وتحدثوا في رؤيا عاتكة عمة النبي ﷺ
وذهب العباس يطوف بالكعبة وأبو جهل لعنه الله في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآه قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا
فلما فرغ العباس أقبل حتى جلس معهم
فقال أبو جهل بصوتٍ يملؤه الخبث:
يا بني عبدالمطّلب متى حدثت فيكم هذه النّبيّة؟
فتعجب العباس وقال:
وما ذاك؟
قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة
فأنكر العباس وقال: وما رأت؟
فقال أبو جهل:
يابني عبدالمطّلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم ؟! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: أنفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكُ حقًا ما تقول، فسيكون، وأن تمض الثلاث ولم يكن شيءٌ، نكتب عليكم كتابًا ؛ أنكم أكذب أهل بيتٍ في العرب
كان هذا التهديد من أبو جهل ثلاث ليالٍ
أن لم تتحقق رؤيا عاتكة ويأتي الراكب ينذرهم الحرب فإنهم يكتبون عليهم كتابًا أنهم أكذب أهل بيتٍ في العرب، وما كان من العباس إلا جحد ما كان وأنكر أن تكون رأت شيء.
وبلغ ذلك نساء بني عبد المطلب فما أمسى العباس إلا ولم يتبقى امرأةٌ منهن إلا وهي عنده فجمعن ما في نفوسهن على لسان واحدةٍ منهن فقالت:
أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم تناول النّساء وأنت تسمع؟ ثم لم يكن عندك غيرة لشيءٍ ممّا سمعت؟
فقال والنساء من حوله:
قد والله فعلت، ما كان منّي إليه من كبيرٍ، وأيم الله لأتعرّضن له، فإذا عاد لأكفيكنّه
وفارق النوم مضجع العباس ذلك اليوم وقلبه على نار مما قال أبو جهل وسكوته عنه ومما قالن نساء بني عبدالمطلب حتى طلع الصبح
"صبح اليوم الثالث من رؤيا عاتكة"
الكل في مكة يترقب ماسيحدث هل تصدق رؤيا عاتكة ويأتي ذلك الراكب أم لا تصدق رؤيتها ويكتبون على بني عبد المطلب كتابًا أنهم أكذب أهل العرب
خرج العباس من بيته وهو حديدٌ مغضبٌ لا يفكر بما يفكرون به أهل مكة، ما يشغل باله أن يعود إلى أبي جهل ويتعرض له ويعود عما قال عن نسائهم ودخل العباس المسجد ورأى ابو جهل ومشى نحوه فإذا به يخرج من المسجد مسرعًا!
فوقف العباس وهو يقول في نفسه:
أكل هذا فرقٌ منّي أن أشاتمه
فإذا المسجد كله يخرج
فإذا بصوت ضمضم بن عمروٍ الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي وهو الرجل في رؤيا عاتكة والذي أرسله أبو سفيان
وأما ضمضم فقبل أن يدخل مكة جدع أنف بعيره وشق قميصه وحول رحله أي ركب بالاتجاه المعاكس وجهه على ذنب الناقه حتى يضيف للمشهد رعبًا ويصرخ بأعلى صوته:
يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ في أصحابه، لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث
وشاهد الناس رؤيا عاتكة عين الحق وخافوا من ذلك الحجر الذي لا يبقى بيت في مكة إلا ويدخله فلقة منه، فخرجوا على الصعب والذلول وكانوا بين رجلين إمّا خارج وإما باعثٍ مكانه رجلاً
فتجهز ذلك الجيش المهيب قوامه تسمعئةٍ وخمسين مقاتلاً، معهم مئتا فرسٍ يقودونها، ومعهم القيان يضربن بالدف، ويغنّين بها المسلمين
ولما كان رسول الله ﷺ في وادٍ يقال له: ذفران أتاه خبر قريشٍ ومسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس واخبرهم عن قريشٍ، فقام أبو بكرٍ الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام الصحابي المقداد بن عمروٍ فقال:
يا رسول الله، أمض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بِرك الغُماد، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه
فقال رسول الله خيرًا ودعا له ثم قال:
"أشيروا عليّ أيّها الناس" .وأنّما رسول الله ﷺ يريد الأنصار وذلك أنهم أكثر الناس، وأنّهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنّا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلى ديارنا فأنت في ذمتنا، نمنعك ممّا نمنع منه أبناءنا ونساءنا
فكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممّن داهمه بالمدينة من عدوّه
وكان من بين الجالسين صحابيٌ اسمه سعد بن معاذ سيد الأنصار رجلٌ بعد سنوات هُز عرش الرحمن لموته
قال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله
قال ﷺ: أجل
فقام معاذ وقال:
فقد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فأمض يارسول الله لما أردت فنحن معك،
فوالذي بعثك بالحقّ، ومانكره أن تلقى بنا عدُونا غدًا، إنّا لصبُرٌ في الحرب، صدُقٌ عند اللقاء، لعل الله يريدك منا ما تقرّ به عينك، فسر على بركة الله
فسر رسول الله وابتهجت أسارير وجهه الكريم
ثم قال: "سيروا وابشروا، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم
وأمّا أبو سفيان وقد رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله، فارجعوا.
فلماء جاءهم الرسول وأخبرهم بما قاله أبو سفيان
وأنصتوا له جيدًا فنظر أبو جهل بالقوم وقد كان أوسطهم في المجلس.
فلماء جاءهم الرسول وأخبرهم بما قاله أبو سفيان
وأنصتوا له جيدًا فنظر أبو جهل بالقوم وقد كان أوسطهم في المجلس.
فقال بصوتٍ عالٍ مرتفع:
والله لا نرجع حتى نرد بدرًا -وكان بدرٌ موسم من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوقٌ كل عامٍ-
فنقيم عليها ثلاثًا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا
وكان لأبي جهلٍ الكلمة التي لا تعصى فبخبثه ومكره يجد طريقًا ليثير الرجال
فذاك عتبة بن ربيعة كان ينظر لجسامة الأمر أنها ليست حربًا مثل الحروب ففي الحروب تقتل عدوك وأما هذه يقتلك فيها أخوك وابن عمك وولدك وكان ولد عتبة مع النبي ﷺ وكان رجلًا حكيم فجمع القوم وقال:
يا معشر قريشٍ، إنّكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه؛ لا يزال الرجل ينظر الى وجه رجلٍ يكره النظر إليه قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته،
فارجعوا وخلّوا بين محمدٍ وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعدموا منه ما تريدون.
فلما سمع أبو جهل ما قاله عتبة قال: انتفخ والله سحره -يقال ذلك للجبان- حين رأى محمدًا وأصحابه فلا والله لا نرجع حتى يحكُم الله بيننا وبين محمدٍ، وما بعتبة ما قال ولكنّه رأى محمدًا وأصحابه أكلة جزورٍ وفيهم ابنه فقد تخوّفكم عليه.
وما توقف هنا أبو جهل بل ذهب إلى عامر بن الحضرمي وهذا الرجل قد أخذ المسلمين عيره وقتلوا أخوه
فقال أبو جهل: هذا حليفك -يقصد عتبة- يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقام عامر فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعمراه
ثم حميت الحرب واشتد أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر.
ليلة بدر
نزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي
والمسلمين بالعدوة الدنيا من الوادي
"إذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ "
في تلك اليلة بعث الله السماء فأصاب المسلمين طشٌّ من المطر والطش هو المطر الخفيف
فانطلق الصحابة تحت الشجر يستظلون بها من المطر، وبقي رسول الله ﷺ تحت المطر يدعو ويصلي ويكثر في سجوده " يا حي ياقيوم" فطال الليل ونام الصحابة كلهم إلا رسول الله ﷺ يصلّي ويبكي حتى أصبح.
فأما المطر الذي أصاب المسلمين لبّد لهم الأرض وجعلها لا تسوح بها الأقدام وأصاب قريشًا منها ماءٌ لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
وانزل في ذلك: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ)
"يوم المعركة "
جاءت قريش ومعها الموت
جاءت بأصنامها تريد إنهاء التوحيد
جاءت بوأدها تريد محي "بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ"
جاءت ومعها عبيدها تريد طمس "لا فرق بين عربي ولا أعجمي و لا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى"
جاءت بكل شر تريد أن تطفئ كل خير
ولما رآهم رسول رسول الله ﷺ قال:
"اللهمّ هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهمّ أحنهم الغداة"
ثم رأى في الجيش عتبة بن ربيعة وهو على جملٍ أحمر وقد كان يعلم رسول الله ﷺ وسع نظره وحكمة رأيه فقال: "إن يكن في أحدٍ من القوم خيرٌ فعند صاحب الجمل الأحمر وأن يطيعوه يرشدوا"
ولكن ما أطاعوه لأن الشرك قد أعمى بصائرهم
وعاد رسول الله ﷺ يعدّل الصفوف فعلم ذلك الصحابي الجليل "سواد بن غزية" فأسرع الى الصفوف
فنظر إلى قدميه فوجدها متساويةً مع الآخرين فتقدم عليهم حينما اقترب رسول الله ﷺ
وكان في يده الكريمة ﷺ قدح فلما جاء عند سواد وقد تقدم على من في الصف وأفسد تنظيمه نكزه رسول الله ﷺ بالقدح في بطنه وقال "استوِ يا سواد".
فقال سواد وقد مثل الألم وعصر ملامحه ليتقن الدور وصاح "يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحقّ والعدل فأقدني -أي يريد أن يقتص من رسول الله ﷺ -
لا يستطيع التاريخ أن يذكر لنا ما في صدور الرجال ولكن نقدر أن نجزم أن كلًا منهم كان يود لو أن يُقتص منه بدل رسول الله ﷺ.
أما رسول الله فأول ما سمع الذي قيل: التفت ثم كشف عن بطنه الكريم وقال "استقد" -أي اقتص-
فأقبل يمشي سواد إلى رسول الله ﷺ والقدح في يده ولعلي ببعض الصحابة قد همو به ليضربوه ولو أن رسول الله ﷺ أمره ولا يستطيع أحد مخالفة أمر رسول الله ﷺ
مشى سواد ثم وقف أمام رسول الله ﷺ ثم سقط القدح واعتنقه فقبل بطنه فرفعه رسول الله وقال: ما حملك على هذا يا سواد؟
فقال يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك
فدعا له رسول الله بخيرٍ
لقد كانت خطة محكمة أجاد فيها الدور فهو لا يعلم أبعد دقائق يكون حيًا أو ميتا
هو لا يعلم أن يكون رسول الله ﷺ حيًا أو ميتّا فكان يريد اقتراب الحبيب بكل ما يملك
وعاد رسول الله ﷺ للعريش وعاد معه صاحبه أبو بكر وكان رسول الله يكثر الابتهال والتضرع والدعاء
ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابةُ لا تعبد بعدها في الأرض"
وجعل رسول الله ﷺ يهتف بربه:
اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ نصرك ويرفع يديه للسماء حتى سقط الرداء عن منكبيه
فاقترب منه صاحبه وقد شقّ عليه ما رأى من كثرة ابتهال النبي ﷺ فالتزمه من ورائه وسوى رداءه وقال مشفقًا: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك
خرج رسول الله ﷺ من العريش واستوى الجيشان وتقابل الخصمان، في مشهدٍ لا تكاد العقول تصوره، وأول ما رأى الجيش ﷺ استغاث بربه وضجَ الصحابة بصنوف الدعاء
فخرج عتبة بن ربيعة بين أخية شيبة وابنه الوليد
عتبة الذي ردَّ القوم أول الأمر
عتبة الذي كان أوسع الرجال عقلًا
والذي شهد له بذلك النبي ﷺ
ولكن هذا مايفعل الكفر والكبر بالناس
وخرج لهم من المسلمين
حمزة بن عبدالمطلب
وعلي بن أبي طالب
وعبيدة بن الحارث
رضي الله عنهم
كل هؤلا الرجال يعلمون أن موتهم أقرب من أي وقت كلٌ منهم يعلم أن هذه الأرض ستشرب الدم اليوم ماهي إلا لحظات حتى نظر عتبة إلى مصرع ابنه على يد علي رضي الله ومصرع أخيه على يد حمزة رضي الله
لا نعلم ما كان يجول في خاطره تلك اللحظة
أشعر بالحزن؟ بالغضب؟ بالقهر؟
ما نعلمه أنه ضرب عبيدة بالسيف حتى أثبته ثم مكنهُ عبيدة وضربه فأثبته فجاء حمزة وعلي رضي الله عنهم فأخذوا صاحبهم وقتلوا عتبة
وأما عبيدة لما جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فاضجعوه إلى جانب رسول الله فوضع خده على قدم رسول الله ﷺ وقال والموت يزاحم صوته:
يا رسول الله، لو رآني أبو طالبٍ لعلم أنّي أحقّ بقوله:
ونُسِلمه حتى نُصَرَّع حوله .. ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل
ثم مات فقال رسول الله: أشهد أنّك شهيدٌ
وبدأت المعركة ووتزاحم الناس، ودنا بعضهم من بعضٍ، والصحابة بصوتٍ واحد يقاتلون للحق يصرخون بـ أحدٌ أَحدٌ
واشتدت المعركة وظهر المشركين لكثرتهم وجعل رسول الله يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم، لا تعبد.
وأبو بكرٍ يقول: يانبيّ الله، بعض مناشدتك ربّك، فإن الله منجزٌ لك ما وعدك، فإذا برسول الله ﷺ يرتجف ويأتيه ما يأتيه حينما ينزل عليه الوحي وأبو بكرٍ معه ثم فاق وقال:
أبشر يا أبا بكرٍ، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه يقوده، على ثنايا النّقع
وخرج رسول الله إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمدٍ بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ، فيقتل صابًرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبرٍ؛ إلاّ أدخله الله الجنة.
"التمرات"
كانت بيد صحابيٍ اسمه عمير بن الحمام
كان يأكل منها حتى سمع ماقال رسول الله ﷺ
أنه يرى الجنة يرى النعيم وكل الثمن أن يقاتل ويقتل
فقال: بخٍ بخٍ أفما بيني وبين أن أدخل الجنّة، إلاّ أن يقتلني هؤلاء فقذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل
"أم حارثة"
ما كانت في المعركة وما حملت السيف قط
لكنها كانت "أم" علمت أن أبنها بينه وبين الموت كما بين مآقي عينها وبين محاجر دموعها التي سالت حينما جاءها الخبر
"استشهد حارثة بن سراقة أصابه سهمٌ فقتله"
جاءها الخبر فجاءت إلى رسول الله ﷺ ودمعها في عينها فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنَّة صبرت، وإلا فليرينّ الله ما أصنع -يعني من النياح- "وكانت لم تحرَّم بعد"
فقال رسول الله: "ويحك، أهبلت، إنّها جنانٌ ثمانٍ، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى"
"نزول الملائكة"
هذا رجلٌ من بني غفار لم يحفظ لنا التاريخ حتى اسمه ولكن حفظ لنا ما شهد وهو لم يحضر المعركة ولم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل ولكن أخذ بيد ابن عمه وذهبا ليشاهدا المعركة من الجبل لا يهمهم أمر من في المعركة يريدون معرفة على من تكون الهزيمة
وإذا بهم ينظرون إلى ماهو أعظم من المعركة
سحابةٌ كبيرةٌ أقبلت ودنت من الجبل الذي هم فيه
فإذا بهم يسمعون من هذه السحابة حمحمة خيل وفارسًا يقول:
أقدم حيزومُ
فأما ابن عمه فانكشف قناع قلبه ومات مكانه
وأما هو فكاد يهلك ثم انتعش بعد ذلك وأسلم
أمدّ الله نبيّه ﷺ والمؤمنين بألفٍ من الملائكة، وكان جبريل في خمسمئةٍ مجنبةٍ، وميكائيل في خمسمئةٍ مجنّبةٍ ورأوا من ذلك ما يصعب وصفه أفصح البلغاء لقد كان المسلم يتبعُ المشركَ ليضربه فيقعٍَ رأسِه قبل أن يصل إليه سيفه.
"إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ"
فلم يكن دور الملائكة قتالٌ فقط بل كانوا يثبتون المسلمين وتثبيتهم أن الملك يأتي في صورة رجلٍ يعرفه المسلم فيقول له:
"أبشرُوا فإنّهم ليسوا بشيءٍ، والله معكم، كُرُّوا عليهم"
واشتدت المعركة ودخل الرعب قلوب المشركين من تأييد الله لرسوله ﷺ والمسلمين ورسول الله ﷺ يقاتل المشركين ببسالةٍ حتى أنه أقرب الناس إلى العدو والناس يلوذون به ﷺ
"أبي البختري بن هشام"
كان من المشركين وكان في المعركة ولكن رسول الله نهى عن قتله، لأنه كان أكفّ القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة، كان لا يُؤذيه ولا يبلُغُه عنه شيءٌ يكرهُه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة الظالمة في حق بني هاشم في الحادثة المشهورة
فكان يقاتل ومعه صديقه جُنادةُ بن مُليحة، كانوا يحمون ظهور بعض وما تفارقا في المعركة، فلقيهم الصحابي المُجذّرُ بن ذيادٍ البلويُّ فلما رآه أبي البختري اشتد قبضه لسيفه جاهزًا للقتال فقال له الصحابي: إنّ رسول الله ﷺ نهانا عن قتلك
فقال البختري: وزميلي؟
فقال الصحابي: لا والله، ما نحنُ بتاركي زميلك، ما أمرنا رسولُ الله إلا بك وحدك.
فقال: لا والله إذًا لأمُوتنّ أنا وهو جميعًا، لا يتحدّثُ عنّي نساء قريش مكّة أني تركتُ زميلي حرصًا على الحياة فارتجل أبيات وهو شاهرًا سيفه مستقبل الموت:
لن يّتْرُكَ ابنُ حُرّةٍ زميلَهُ
حتى يمُوتَ أو يرى سبيلهُ
فاقتتلا، فقتله الصحابي
وانتهت الغزوة ونصر الله النبي ﷺ والمؤمنين وغفر الله لمن شهد بدرًا ما تقدم لهم وما تأخر من ذنب ومكّن الله النبي ﷺ والمؤمنين وشهد مصرع رؤوس الكفر في هذه المعركة.
أبو جهل، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأميّة بن خلف، وغيرهم كثير
ولما انتهت المعركة جعل رسول الله ﷺ يمشي هو وصاحبه بين القتلى وهو يقول:
نُفلّق هامًا …..
فيكمل صاحبه رضي الله عنه
…… من رجالٍ أعزّةٍ
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
وأمر رسول الله بطرح رؤوس الكفر في بئر بدرٍ
ثم جاء للبئر وقال:
يا أهل القليب -البئر-، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم؛ كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًا؟
فإني قد وجدت ما وعدني ربّي حقًّا"
- غياث

جاري تحميل الاقتراحات...