عندما كانت الألفية الثانية على وشك الانصرام والرحيل، وعند نهاياتها التي سيمضي فيها زمن عتيق بكل ما فيه من قصص وحكايات، وعلى أطراف تلك الحدود الفاصلة التي سيولد فيها عصر جديد، وأرواحٌ جديدة، في حيوات جديدة وقصص جديدة، هناك في أعالى الأرض، في الشمال المتألق الببيج في فصل الربيع،
سيُمنح الوجود قصة جديدة، وستولد في أسرةٍ فقيرةٍ طفلةُ في غاية البهاء، نورٌ من البراءة والصفاء، وقبيل بزوغ الفجر ستستهل صارخة في الوجود، وكأنها ميلاد نورٍ قبل نور الشمس، وسيسمع صرختها في الوجود كل الأشياء إلا أولئك البشر الذي كانوا حولها وقريبين منها؛
لأن صوتها كان مبحوحًا مخحتنقًا، ولدت صغيرة الجسم ضعيفة البيان، لكن كانت تسكنها روح نقية يندر وجودها مثلها في هذا الزمان.
ولدت نوف في أسرة بسيطة وفقيرة، وعاشت طفولتها...(تجاوز عدة صفات)
الممرضة تقف عند مدخل غرفة الانتظار، وتنادي باسمها، وتكرر ذلك.
تقف ببطئ وتردد، وهي تلتفت بعينيها التفاتة خفيفة يمينًا ويسارًا، وتقول بصوت خافت: نعم.
ثم تنسل بهدوء من مقعدها، وتمشي -ونظرتها إلى الأرض- خلف الممرضة.
تقف ببطئ وتردد، وهي تلتفت بعينيها التفاتة خفيفة يمينًا ويسارًا، وتقول بصوت خافت: نعم.
ثم تنسل بهدوء من مقعدها، وتمشي -ونظرتها إلى الأرض- خلف الممرضة.
تسير الممرضة نحو غرفة الطبيبة وهي تنظر في الورقة، وتقول لها: متأكدة اسمك نوف؟ فتهز رأسها لائذًا بالصمت.
تفتح الممرضة الباب، وتدخل وهي معها إلى غرفة الطبيبة، وتغلق الباب، تتقدم نحو الطبيبة التي كانت منشغلة بأوراق معها، ثم ترفع رأسها وتبتسم لها، وتقول لها: فلانة، صحيح؟ فتهز رأسها مرة أخرى بصمت. فتشير إليها الطبيبة بيدها للجلوس على الكرسي.
تجلس وهي تشعر بإجهادٍ عظيمٍ في جسمها ووهنٍ في عظامها، مع أنها لم تبذل جهدًا يذكر، وتحاول أن تستجمع قواها، وأن تلتقط فقاعات الهواء التي يخيل إليها عقلها أنها تهرب من رئتيها، فيسبب لها ذلك الشعور المتخيل خفقانًا سريعًا في قلبها، وتعرقًا ملحوظًا يعلو وجهها.
تلاحظ الطبيبة ذلك، فتحاول بحكمة أن تتدخل من خلال بدء الحديث معها، قائلة وهي تبتسم ابتسامة لطيفة: أعدتُ قراءة الملاحظات التي كتبتُها عند لقائنا الأول. هل تعرفين سبب المشاعر التي تنتابك وتشتكين منها؟
نوف: لا، ولكني أعرف أنها لا تُطاق، ولا يُمكن أن تكون هناك حياة طبيعية معها.
الطبيبة: هذه الأعراض التي تمرين بها تُعرف باسم الرهاب الاجتماعي (social phobia)، وهو خوف غير مبرر، خوف لا يعرف صاحبه سببه على وجه التحديد، أو هو خوفٌ من الخوف نفسه، فبمجرد قلقك من أن تخافي؛
يهجم عليك الرهاب الذي كنت تخافين منه، وتصبحين محاطة به، وتريدين أن تهربي منه إلى لامكان، فقط تريدين أن تختفي من المكان الذي أنت فيه وعلى الفور.
نوف: صحيح، هذه هي مشاعري بالفعل...(تجاوز عدة صفات)
كانت الحياة تمر بالشهور والسنين على الناس، لكن نوف كانت واقفة في لحظتها تلك، توقفت عقارب الساعة، وسكن الكون عند تلك اللحظة المؤلمة بالنسبة إليها، كل شيء كان يدور في عقلها وخيالها عند تلك الحلقة المؤلمة التي توقف الزمان عندها لحظة انكسارها...(تجاوز عدة صفات)
لكن تلك الروح الجديدة التي دخلت إلى حياتها جعلتها تستيقظ من بين الأموات، وبتلك الكلمات الحقيقية الصادقة وهبتها الأمل والتفاؤل، لقد صارت ضاجة بالحياة، بل أكثر حياة وتدفقًا بحيويتها وفرحها من جميع المخلوقات، وأقبلت في شغفٍ وحماسٍ تحث خطاها نحو الناس، بعد أن شجعتها تلك الكلمات
من تلك الروح، وبريق عينيها بالأمل المختلط بمشاعر الحب يظهر لها مواهبها الجديدة، أرادت أن تطير من مكانها، لقد استيقظت بوعيها، وتريد أن تمتحن تلك المشاعر الثائرة على أرض الواقع، وقد خيل لها أن الرهاب الذي كان يسطر عليها قد حطمت قيدوه وهدمت أسواره، وهي الآن حرة طليقة منه.
وأمام تحدي الإلقاء في قاعة الدرس، الذي كان يمثل لها رعبًا حقيقيًّا، تقدمت نوف إلى أستاذتها في ثقة، طالبة أن تسمح لها بإلقاء كلمة تجريبية أمام زميلاتها قبل الدرس، رغم معرفتها بسخرية بعض زميلاتها منها، ومن أطوارها الغريبة بالنسبة لهن، وغيرتهن منها أيضًا!
تقدمت في البداية في ثقة، وعند أول كلمة ابتلعت ريقها، ثم تلعثمت بالكلمات، وبدأ وجهها يتصبب عرقًا، وضحكن منها زميلاتها الساخرات عمدًا لزيادة خوفها وقلقها، واندلق لسان لسان إحداهن القذر بكلمات كالرصاص أو بالأحرى كالقذائف المنطلقة نحوها في كل اتجاه، تُحَطِّمُ نفسيتها وتسخر من شكلها
وتهزأ بمواهبها، إلا أن نوف كانت تتجمل ظاهريًا بالثبات، فلم تظهر جزعها أو شعورها بالخيبة، لكن كلمة من صديقتها، التي كانت تظن أنها صديقة حقيقية، هي التي صدمته من الأعماق، فلم تتوقع أبدًا أن تصدر منها، فوقفت حينها مندهشًا وهي تشعر بالخذلان وابتسامة حزينة منكسرة ارتسمت على وجهها
قد اختلطت بدموعٍ لا تُرى وإنما تنـزف داخلها، فانزلقت في صمتها العميق، وهي نظر في صدمة في وجوه صديقاتها، وبعد ثاوان كأنها الدهر كله عادت أدراجها تنسل في بطئ وهدوء، منكسرة آخذة ذيلها بين رجليها، مطأطأً رأسها، تلتف بخلسةٍ خلفها،
تراقب ملامح وجوههن الساخرة منها، وخصوصًا ملامح وجه صديقتها وهي تقهقه وتضحك معهم، وهي تتوارى بعيدًا عن أنظارهم وعن المشهد كله!
لقد انتهى المشهد بالنسبة لهن الآن، أما بالنسبة إليها فقد بدأ الآن أشد المشاهد اضطرامًا وأوارًا، معركة مع الذات المجروحة؛ لأن النفس المنكسرة المجروحة التي تشعر بالإذلال، إذا خلت بذاتها كانت أشد على نفسها ضراوة من أكثر أعدائها حقدًا وكراهية! ...(تجاوز عدة صفات)
مقتطفات من قصة جديدة بعنوان: (الخروج من الذات!)، لعلها ترى النور قريبًا.
جاري تحميل الاقتراحات...