مختار جامل
مختار جامل

@almukhtar24

23 تغريدة 16 قراءة Feb 20, 2023
البحث .. الطوفان القادم
ألمح في الأفق القريب طوفانًا، يحمل في طياته ألوانًا من التدمير، وأشكالًا من الخراب.
وقد كنتُ أُحيل ظني هذا بحالة تشاؤمية اكتسبتها من قراءة بعض أعمال المتشائمين مثل أبي العلاء المعري، وأبي حيان التوحيدي وشوبنهاور
وطبيعتي غير المستقرة، ولكنني تابعت بعض الذين يغلب على ظني صدقهم، فوجدتهم أشد تشاؤمًا مني، وبعضهم وهو من أدقهم وصفًا، وأصدقهم توصيفًا زاد في الوصف بأن "القادم أسوأ مما يتوقعه أكثرنا تشاؤمًا".
أظن أن كل ما في الأمر أن المراجل تعمل عملها، وما هي إلا لحظات ويحصل الفوران، وأول ما ينعكس الأمر على النار التي تسببت بكل هذا الفوران.
لعلي أطلت في التشبيه، وضاع القارئ بين أزقته، وما أريد قوله باختصار أن مستقبل الشباب القريب سوف يكون بركانًا لا ينفع معه إطفاء،
وطوفانًا لا يجدي معه حواجز، إنما هو التقدم والتدمير، ودور البقية المتابعة والحوقلة والحسبلة!
نعم هذا ما ألمسه يومًا بعد يوم، ويتجلى أمام عيني باستمرار، وكل يوم أزداد يقينًا منه، ولعل الأمر لن يتجاوز أعوامًا بجمع القلة.
الأمر لا يعود إلى سوء الشباب، ولا إلى طريقة عيشهم، وإنما إلى الواقع الذي يدفعهم دفعًا لهذه الحالة، والضغط المستمر عليهم الذي سيولد الانفجار الذي لن يرحم.
الشباب حاليًا وقعوا ضحيةً لمجتمع تنكر لهم، بل جعلهم في قفص الاتهام، وكل كبيرة وصغيرة تبدر منهم هي تهمة، أو يمكن أن توصف بأنها تهمة لأنها صدرت منهم.
صار الشباب يشعرون أن دخلوهم في سن الشباب دخول في مرحلة مراقبة المجتمع، واتهامه لهم، وكأن هذه المرحلة تهمة بحد ذاتها، وذنب ذاتي.
ودعوني أقرب المجهر أكثر إلى دورنا نحن المتدينين -وضع تحت كلمة المتدينين خطًا أحمر وأخضر وأزرق وبقية ألوان الطيف؛ لأنها كلمة غير واضحة المعالم!- نحن المتدينين سوف نسهم إسهامًا جبارًا في انفجار الشباب، وفي انحرافهم، وفي إبعاد القريب منهم، وفي زيادة إقصاء البعيد.
سوف نستيقظ يومًا على كثير من الشباب الملتزم وقد تنكر، وانقلب عدوًا لدودًا، ومنظرًا محوريًا لكل ما يمكن أن يُرمى به الدين والمتدينين، وسوف يصير سهمًا علينا، كما كان سهمًا لنا، وهو صادق في الحالين.
والأسباب التي ستجعل الأمر بهذا السوء ليست هزالة الخطاب الديني، وسطحيته التي تكاد تلامس القاع أو تحفر قبر نفسها بنفسها، فهذا صار أمرًا يشكو منه حتى أصحاب الخطاب السطحي، والأطروحات الهزيلة.
وإن كان هذا من الأسباب الشائعة، والأمور المحفزة على زيادة النفور، وترسيخ قناعة شريحة واسعة من الشباب بأن الدين لا يحمل جوابًا، ولا يقدم خطابًا يتلاءم مع العقل والمنطق والعلم.
ولكنه الانحراف الخلقي المتخم به المجتمع المتدين، والأمراض الأخلاقية الفاشية بين أفراده، والحالة البائسة التي تعيشها الجماعات المتدينة، والتي يعلم كل فرد حالها المزري، وطبيعتها المنفرة.
قديمًا ذكر الداعية والعالم والمفكر المصري الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- أن نصف الكفر الموجود على ظهر الأرض يتحمل وزره المتدينون، ولكن لو تقدم به العمر قليلًا، ورأى الانحدار المستمر لعلم أن النسبة قد نافت على التسعين، وهي تجهد نفسها لتطرق باب المئة!
إن دورات التاريخ تتشابه في كثير من جزئياتها، وتماثل غيرها في مفاصلها الأساسية، وفي كل مرحلة يحصل فيها انزياح وهجرة عن الدين، ونشوب حالة من الشك والتساؤل، والتجاوز إلى النقد والهجوم، وما هو أكثر من ذلك،
كانت الدوافع الأخلاقية هي المسؤولة الأولى عن تحريك هذه البوصلة، وتوجيه هذه الموجة هذا الاتجاه.
ولا يظنن ظانٌ أنني أتحدث عن سلفية أو أحزاب إسلامية أو غيرها، فالحالة صارت متشابهة، ومن تختلف نوعية العيوب التي تقدمها الجماعات، والمبررات والدوافع التي تفرضها على الشباب لأجل النفور.
فالأمر لم يعد يتحمل تبعاته فريق ولا جماعة ولا فئة، فكلنا في نفس السفينة، وما يعيبه البعض على الآخر لديه وأحمال من سواه، فلا نغالي في تنزيه أنفسنا، ولنترك النرجسية التي تحملها كل جماعة.
وخير دليل على ذلك أن أعلام الانحراف العقدي في مطلع القرن الماضي كانوا في دوائر مختلفة، فبعضهم كان صوفيًا، وبعضهم سلفي، وآخر حزب، ورابع شيعي، فلم تكن جماعة أحسن حالًا من أخرى، وإنما الحال يحسن ببعض الرموز التي يظهر عليها الصدق والإخلاص.
ولكن يبدو لي -وهذه سنة الله تعالى- أن الأمر لن يطول، بل ستكون هناك يقظة، ورجعة للتدين عن حب ولهف وإخلاص وصدق، ولكن المفاجأة لن نكون نحن المتدينين سببها، ولن نحمل مشعلها، ولن نقود مسيرتها.
نعم؛ هذا الذي يظهر لي، نعم سوف يكون هناك قلة قليلة من الصادقين، من مختلف الطوائف، ممن جمعوا بين نقاء القلب، ورسوخ الأخلاق، وسعة الأفق، ومرونة التعامل، وأصالة العلم، وحسن الخطاب، وقد يقود هؤلاء المرحلة، وسوف يكون الشباب الشاردون هم أهم أسباب عودة الشباب إلى ميادين الإيمان.
سيكون أولئك الشباب قد سئموا من حالتهم، جربوا كل الطرق للخلاص، وسلكوا كل السبل للاستقرار الروحي، وبحث جماعة منهم بصدق، وقرأ بجد، ونقب بإخلاص، ثم بان له الطريق، وانجابت عنه الغمة.
سيكون رجوع أولئك عن قناعة تامة، لا لأنهم ولدوا هكذا، أو أنهم وجدوا أنفسهم يعتمرون عمامة أو شماغًا أو طاقية، لا لأنهم لم يجدوا إلا هذا فهم يغالبون أنفسهم للبقاء عليه، وإنما لأنهم اختاروه، وقرروا الاستماتة في سبيله.
سوف يكون حالهم في التفاني في خدمة الدين كما كانوا يتفانون في خدمة الشهوات والملذات، والإيغال في الوصول إلى غور كل معصية.
يخيل إلي أنهم سيجدون الله تعالى هناك، في قعر معاصيهم، حينما فقدوه على شطئانها؛ بسبب خطاباتنا، كما قال بيكون عن الفلسفة، سيكون هم من يقود الشباب للعودة.
وكما قال شيخنا الحبيب عمر -حفظه الله تعالى- حينما سئل عن حالة البحث والضياع والتساؤل التي يعيشها الشباب: البدر بعد خسوفه أشد ضياءًا.
كلنا يرجو أن يخيب هذا الظن، وأن يبقى الشباب على حالة مستقيمة حسنة، وأن لا نشاهد هذه الحالة تمر بين أعيننا، أو نكون نحن أحد ضحاياها، ولكن لعلى الأولى من الاشتغال بهذا الظن أو ذاك، هو الاشتغال بإصلاح النفس، وصقل الأخلاق، وتجنب أن يكون الواحد منا سببا مؤديًا لهذه الحالة.

جاري تحميل الاقتراحات...