مرحبا يا أصدقاء. من النادر النادر جدا في حياتي أن يسألني أحدهم، من هو ملهمي الأوَّل في هذه الحياة. الجميع يفترض بشكل ما أو بآخر أنَّه كاتب من الكتاب، أو أديب من الأدباء، بينما الحقيقة تختلف بشكل كبير. اليوم أخبركم عن الشخص الذي أقول له #منك_نستلهم
وهو والدي العزيز سالم الرواحي
وهو والدي العزيز سالم الرواحي
لقد أخذ مني الأمر ثلاثين عاماً حتى أفهمَ أي إلهامٍ صنعه هذا الإنسان في حياتي! الذي يثير دهشتي! كيف لأبٍ أن يفكر بهذه الطريقة في عام 1993! كيف أوتي له أن يسبق الزمان ليفكر بهذه الطريقة! قبل عالم النت، قبل عالم التطبيقات، وحتى قبل اليوتيوب، وثورة تطوير الذات!
الآن فقط وأنا في عمر الأربعين أدرك الأبعاد التربوية الفذَّة لهذا الإنسان المُلهم! أدركها فقط بعد أن تجاوزت عمرَه وقتذاك، كان سالم الرواحي أصغر مني سنا، في عهد بلا إنترنت عندما كان يطبق على أبنائه الأربعة هذه التقنيات التربوية! والآن صرتَ أفهم قليلا الدهشة في سبقه لزمنه!
لم يكتفِ أبي بحثنا على القراءة! قد فعل ذلك بسهولة بشراء عدد كبير من الكتب، لا يعبأ أن ينفق المال في أي عدد من الكتب، لكنه لم يكن سهلاً، تريد مكافأة في هذه الحياة؟ ألعاب؟ كرة؟ حذاء كرة، طريقك لكل ألعاب الطفولة مفروش بالكتب التي تقرؤها. ومن هنا، أحببنا القراءة حبا جما.
لم نصل لسن العاشرة عندما تفتق عن ذهن أبي العبقري أن التحبيب في القراءة لا تكفي، كان طموحاً، لم يرد أن نقرأ فحسب، أرادنا أن نقرأ أسرع! وهنا جلب لنا من الأردن مجموعة من الملفات بها دورتين، الأولى هي دورة الذاكرة التصويرية، والثانية دورة للقراءة السريعة! عام 1994 تقريبا!
أي سبق هذا؟
أي سبق هذا؟
وأيضا لم يكتفِ، كثَّف مدة عمله في مصر ووطد علاقته بمختلف الأكاديميين، كنت أجلس معهم وكان يشركني في النقاش، لم يكتف بأن نقرأ، أراد أيضا أن نطور ذاكرة قوية! وأضيفت للكتب التي تُقرأ مكافآت مالية لحفظ القرآن، ولحفظ الشعر! احفظ معلقة ولك عشرة ريالات!
ثروة في عام منتصف التسعينيات!
ثروة في عام منتصف التسعينيات!
تعلمت من أبي خصلة فعل الأشياء دفعة واحدة، فهو لا يقرأ كتابا على دفعتين! دائما في جلسة واحدة، يغلق على نفسه باب المجلس ويقرأ الكتاب كاملا. هكذا تكون وعيي عن القراءة. كان يختبرنا في الكتب التي نقرؤها، وبعد نجاحنا في الإختبار نحصل على ثروتنا المالية.
كأي طفل أذهب لأبي لطلب المال،يقول لنا: تريد مكافأة؟ ماذا عن حقي؟ ألا أستحق مكافأة أنا أيضا؟
يبدأ التفاوض، عشر أبيات للمتنبي، كتاب من مائتي صفحة، أو مكافأة بضعف المبلغ لكتاب تراثي، العقد الفريد، أو جزء من جمهرة قصص العرب. هذه المكافآت التي كان يطلبها لنفسه، نأخذ مرتين معرفة ومالا!
يبدأ التفاوض، عشر أبيات للمتنبي، كتاب من مائتي صفحة، أو مكافأة بضعف المبلغ لكتاب تراثي، العقد الفريد، أو جزء من جمهرة قصص العرب. هذه المكافآت التي كان يطلبها لنفسه، نأخذ مرتين معرفة ومالا!
تعلمت من أبي أشياء كثيرة جدا، وحتى هذه اللحظة أتعلم من أبٍ متجددٍ، كنت طفلا صعب المراس، متمردا، وفي سنوات لاحقة أطلق علي لقب #الملف_الصعب. لقد تعبَ في إعدادي وتجهيزي للحياة، فهو الذي أدين له بمهاراتٍ كثيرة، حتى هذه اللحظة أستغرب كيف كان يفكر وهو في عام 1994!
مرت سنوات، وتقلبات، رحمني الله باليوم الذي رضي فيه أبي عني، فعل المستحيل لأعود لعمان سالما، وقف معي، وما يزال يقف معي. لي ملهمون كثر في هذه الحياة ورغم كل شيء وأي شيء، هو ملهمي الأوَّل في هذه الحياة. لقد سبق عصره، وحتى هذه اللحظة أستغرب!
كيف فكر بكل تلك الأفكار في ذلك الوقت!
كيف فكر بكل تلك الأفكار في ذلك الوقت!
ألهمني أبي كثيرا، تعلمت منه أنَّ العقل له عضلات، ويمكن تمرينه. كان يقول لي: بذاكرة قوية، ستتعب أقل، وفعلا! أتمرن وأحفظ وأمرر قطعة الكرتون في تلك الدورة على سطور الأرقام والكلمات، وأكتشف أن كلامه صحيح.
لقد كانت طفولة ساحرةً بمعنى الكلمة، في هذا العمر أدرك جيدا اختلافها وسحرها!
لقد كانت طفولة ساحرةً بمعنى الكلمة، في هذا العمر أدرك جيدا اختلافها وسحرها!
لقد تركت هذه التربية آثارها في نفسي. كنت أتدرب وأقرأ لأجل الحياة، وحتى هذه اللحظة أفعل ذلك، ولكن تغيرت الأهداف، أطبق مناهج الذاكرة، والقراءة السريعة، وأضفت لها الكتابة السريعة، والشطرنج، والبيانو والعود والجيتار. الهدف: مقاومة آثار تقدم العمر على سرعة الذهن.
بدأ كل شيء من سمائل.
بدأ كل شيء من سمائل.
أكابر أحيانا، وأركب رأسي أحيانا، لكن الحقيقة أعلمها في قلبي. لقد ألهمني أبي لسنوات طويلة جداً، وكما ألهمني عقله الفذ في بداية حياتي، يلهمني الآن قلبه الفذ، وقدرته على الغفران، والتجاوز، وصفحه، وحلمه بعد سنوات جنوني، وتمردي، وشطحاتي الكبيرة والكثيرة. صبر ثم غفر، فطوبى له.
في طفولتي تعلمت كسب المال بحفظ الشعر. ومع الوقت، تعلمت التفاوض المالي مع أبي، كم بيتا من النهراونية أو النونية أحفظ لأحصل على عشرة ريالات؟
يبدأ التفاوض، وعندما تتم الصفقة، أعلم أنني جهزت لنفسي في الصيف خمسين ريالا أشتري بها ما أريد، وما أحب. كانت صفقة رابحة جدا!
يبدأ التفاوض، وعندما تتم الصفقة، أعلم أنني جهزت لنفسي في الصيف خمسين ريالا أشتري بها ما أريد، وما أحب. كانت صفقة رابحة جدا!
في كل صيف، لا مكافآت للتفوق الدراسي فلا دراسة، تمسك أمي دفتراً وبه درجة يوميا، نصف درجة للسلوك، ونصف درجة للقراءة. حتى هذه اللحظة يجن جنوني كيف لأب في التسعينيات أن يفكر بهذا الشكل!
وفعلا، استطاع أن يحمسنا لنقرأ كتابا كبيراً كل يوم، أو خمس روايات صغيرة!
وفعلا، استطاع أن يحمسنا لنقرأ كتابا كبيراً كل يوم، أو خمس روايات صغيرة!
أدرك الآن في عمر الأربعين أن ما فعله كان صعبا للغاية، واحتاج منه سنوات من المتابعة، والبحث عن المعلومات، واستثمار علاقته بكل الأكاديميين، والمثقفين الذين تعرف عليهم في رحلة عمله الدبلوماسي!
الآن أدرك، أن ما فعله كان مدهشا!
بظروف العصر الحالي هو صعب، فكيف فكر بذلك في ذلك الوقت!
الآن أدرك، أن ما فعله كان مدهشا!
بظروف العصر الحالي هو صعب، فكيف فكر بذلك في ذلك الوقت!
مر العمر،وحان يومه الذي أقول فيه: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.
الآن أعي جيدا أي أب كان أبي،وأي طموح كان يدخره لأبنائه.قد أكابر، وأنكر الجميل،وأجنُّ أحيانا وأغضب عليه، لكن في أي لحظة وعي وهدوء أعرف أن هذه هي الحقيقة التي عشتُها، والتي يجب أن أشكره عليها.
شكرا الرفيق سالم بن حميد.
الآن أعي جيدا أي أب كان أبي،وأي طموح كان يدخره لأبنائه.قد أكابر، وأنكر الجميل،وأجنُّ أحيانا وأغضب عليه، لكن في أي لحظة وعي وهدوء أعرف أن هذه هي الحقيقة التي عشتُها، والتي يجب أن أشكره عليها.
شكرا الرفيق سالم بن حميد.
جاري تحميل الاقتراحات...