١. لقد نشرت من قبل رأيي عن موضوع صحف إبراهيم و موسى، و استخلصت بنتيجة مفادها أن هذه الصحف هي صحف من القرآن و بيّنت العلاقة بين سورة البقرة و طه و النجم و سورة الأعلى. و لمزيد من التفاصيل حول هذه المسألة أدعوكم لقراءة هذه السلسلة:
٢. و نشرت أربعة أجزاء في موضوع ”المخاطب“ في القرآن و بيّنت أن بعض السور و إن كان المخاطب فيها هو الرسول صلى الله عليه و سلم فإن المقصود و المعني بالخطاب قد يكون موسى عليه السلام.
٣. و لمن أراد أن يستزيد في هذا، فأدعوه لقراءة ما نشرت من مواضيع، من مثل علاقة موسى عليه السلام بسورة الشرح:
٤. و في هذه السلسلة أريد أن أسلّط الضوء على سورة الأعلى و هي من السور التي فيها ذكر لصحف إبراهيم و موسى و بما أن فيها ذكر لهذه الصحف فلابد أن المتدبّر للقرآن سيجد عجبا بينها و بين السور المذكورة فيها هذه الصحف. و قد كنت من قبل نويت أن أفرد كتابا لموضوع صحف إبراهيم و موسى
٥. لما وجدت فيه من العجب و الحِكَم العظيمة و الكنوز الدفينة في آيات القرآن، و لكن كثرة المشاغل و تشعّب المواضيع فإني لا أجد فرصة تناسبني لفعل ذلك و لعل في هذا خير و لكني في هذه السلسلة سأبيّن طرفا من تلك العجائب التي لمستها.
٦. إن المتأمل في القرآن الممعن فيه النظر سيلحظ أمرا عظيما قد يغفل عنه كثير من الذين يقرؤون القرآن و هو التشابه بين سورة الأعلى و سورة طه، بالرغم من أننا نقرأ و نحفظ سورة الأعلى منذ أن كنا صغارا و إني أرجّح أن أكثرنا سمعها على الأقل ١٠٠ مرة في حياته،
٧. و لكن لأن الناس ينشغلون في معاشهم فلا أظنّهم قرؤوا سورة طه بقدر كافٍ و إلا إن هم قرؤوا و كانت عندهم قابلية الربط بين المواضيع، سيجدون تشابها عجيبا بين سورة طه و الأعلى و أنا سأسلّط الضوء على ذلك…
٨. بادئ الأمر، أن سورة طه و الأعلى، تنتهي آياتها بالألف المقصورة أو الياء المرسلة. مثلا في سورة طه:
((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5)
((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5)
٩. له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) )) لاحظ (لتشقى) و (يخشى) و (العلى) و (استوى) و (الثرى) كلها ألف مقصورة.
و نفس الشيء مع سورة الأعلى، ستجد التالي:
و نفس الشيء مع سورة الأعلى، ستجد التالي:
١٠. ((سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ))
١١. لاحظ (الأعلى) و (فسوى) و (فهدى) و (المرعى) و (أحوى) و (تنسى) و (يخفى) ستجد الألف المقصورة في خواتيم الآيات إلى آخر السورة.
١٢. و بما أن سورة الأعلى فيها ذكر لصحف إبراهيم و موسى، و بما أن سورة طه فيها ذكر الصحف الأولى، إذن لابد من علاقة بين سورة طه و الأعلى كما بيّنت ذلك من قبل، و لابد هناك علاقة بين موسى عليه السلام و سورة الأعلى و سأبين هذه العلاقة.
١٣. أولا، أقول والله أعلم و كأن سورة الأعلى اختصار للمقاصد العليا لسورة طه. و سندرس سورة الأعلى آية بآية و أبحث عن أختها في سورة طه و لن أكتفي عند هذا الحد بل سأبيّن إن شاء الله كيف لموسى عليه السلام و قصّته علاقة مع سورة الأعلى و هذا الذي لم يقم به أحد من المفسّرين من قبل
١٤. فيما أعلم و هذا من القيم المضافة لهذا المنشور إذ من عادتي إضافة قيمة للقارئ فأثريه بأشياء جديدة في تدبّر القرآن لم يقع عليها من قبل و كل هذا بإذن الله و فضله و نعمته ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
١٥. في سورة طه عندما يسأل فرعون موسى و هارون عليهما السلام: ((قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ)) جاءت إجابة موسى عليه السلام في سورة طه: ((قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ))
١٦. و بداية سورة الأعلى كأنها بداية إجابة فرعون: ((سبح اسم ربك الأعلى (١) الذي خلق فسوى (٢) والذي قدر فهدى (٣) )) و كأنه استفتح بذكر الله ثم الخلق ثم هدى. هذه واحدة.
١٧. و الثانية في قوله سبحانه (سبح اسم ربك الأعلى) نجد في سورة طه هذه الآيات: ((تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (٤) الرحمن على العرش استوى (٥) )) لاحظ أنه ذكر السماوات العلى، و هل عالية غير أنّه ذكر بعده (الرحمن على العرش استوى)
١٨. و كما نعلم من الأخبار أن العرش سقف المخلوقات و الرحمن على العرش، إذن صار الرحمن حقيقة و معنى هو الأعلى. ولاحظ أن في قوله سبحانه و تعالى ”اسم ربّك“ و كأن المقصود اسم الرحمن، هذا الاسم العظيم العالي، الكلام عن اسم الرحمن بحاجة إلى كتاب و لا أبالغ و قد نشرت كتابا بأكمله
١٩. مستلهما هذا الاسم. لكن توقّف قليلا و اهدأ و اقرأ مجددا. قلت بأن لعل المقصود بقوله سبّح اسم ربّك الأعلى أي سبّح الرحمن، هذا الاسم العظيم و للدلالة على هذا أفصّل قليلا.
٢٠. أقول إنه لمن عجيب الأمر أن تجد في سورة الرحمن، هذه السورة التي تحمل اسم الرحمن، آخر آية فيها هي هذه الآية العجيبة: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) فاسم الرحمن ذو الجلال و الإكرام، و الجلال قد يعرف الناس المعنى، و الإكرام من الكرم و الكريم
٢١. و ما في هذا المعنى الذي يدل على العلو و الرفعة و المكانة العالية و ليس كما يظنّ الناس أنه فحسب من الذي يعطي و يكرم الناس (وهذا أيضا صحيح) بل من معانيه هذه المكانة العالية بدلالة قوله في سورة الدخان: ((ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)).
٢٢. و في سورة طه لا نجد فقط هذه الآية: ((الرحمن على العرش استوى)) بل تجد هذه الآية أيضا: ((ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ)) لاحظ أنه ذكر الأسماء الحسنى.
٢٣. إذن فهمنا أن في قوله سبحانه و تعالى: ((سبّح اسم ربّك الأعلى)) و العلاقة بينها و بين سورة طه ما يدل أن المقصود قد يكون هذا الاسم العظيم الكريم، الرحمن… و لذكر الرحمن في سورة طه دلالات و حكم عظيمة سيفهمها من فهم نظريتي و لكن ليس هذا موضوعي الآن.
٢٤. و لاحظ أيضا في سورة طه هذه الآية العجيبة: ((قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ)) هنا يثبّت الله عبده موسى بهذا التثبيت و لاحظ ماذا اختار؟ إنّك أنت الأعلى؟ لماذا؟ لأن الله معه، و كأنه يفهم منه أن من كان معه الرحمن فهو أعلى، لماذا؟
٢٥. لأنه الرحمن الذي استوى على العرش ذو الاسم الأعلى ذي الجلال و الإكرام. عجيب أليس كذلك؟ و لا تتوقّف عند هذا الحد بل أكمل قراءة سورة طه لتجد فيها: ((وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ))
٢٦. انتبه لقوله الدرجات (العلى) هذا لمن؟ للمؤمنين الذين آمنوا و عملوا الصالحات و في نفس السورة أيضا عند ذكر قصة السحرة مع موسى ماذا نجد؟ ((وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ)) لاحظ قوله استعلى و لكن فرعون ضلّ و أضلّ قومه بالرغم من أنه علا في الأرض و كان عاليا
٢٧. كما في سورة الدخان: (مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ) وهو نفسه القائل أنا ربّكم الأعلى فبيّن الله لنا في هذه السورة أنه هو الرحمن ربنا الأعلى.
إذن الآية الأولى ((سبح اسم ربك الأعلى)) وجدنا شيئا من معانيها في سورة طه و أن له علاقة بجواب موسى..
إذن الآية الأولى ((سبح اسم ربك الأعلى)) وجدنا شيئا من معانيها في سورة طه و أن له علاقة بجواب موسى..
٢٨. و أما قوله: ((الذي خلق فسوى (٢) والذي قدر فهدى (٣))) فالعلاقة ظاهرة بينها و بين كلام موسى لفرعون و لست أراني بحاجة إلى التكرار. و لكن أحب أن أضيع بعض الدقائق القرآنية أو التي يسميها أهل التفسير: (اللطائف). في سورة الأعلى يبيّن الله لنا أنه خلق فسوى و قدّر فهدى، و من معانيها
٢٩. أنه هو الذي يهدي و بيده لخير و الهدى للمخلوقات في الدنيا. و يبيّن لنا سبحانه و تعالى في سورة طه أنه الهداية منه و الضلال من دونه، اقرأ قوله: ((وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ)) لاحظ أن فرعون الذي قال للناس أنه ربّهم الأعلى أضلّ قومه و ما هدى.
٣٠. و أيضا في سورة طه نجد أن هناك من أضلّ قوم موسى و هو السامري و ذلك في قوله: ((قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ)) و يبيّن الله لنا في سورة طه أن بيده الهدى، و الدليل قوله:
٣١. ((الَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ)) لاحظ الشرط! و ليس هذا فحسب، بل حتى من جاءه مذنبا فتاب عليه و اجتباه يهديه، اقرأ هذه الآية من سورة طه:
٣٢. (( ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ)) يبيّن الله أنه تاب على آدم من بعد أن نسي، و أيضا هذه الآية من سورة طه: ((وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ)) فإن سأل سائل، و كيف الله هو الذي قدّر فهدى يُقال له لأنه كذلك
٣٣. و لأنه: ((الَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى)). و يخبرنا الله بشيء من تقديره و هدايته، و ذلك من تقديره لموسى في سورة طه، أعني هذه الآية:
٣٤. ((ذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى)) و من تقديره و هدايته قصة أم موسى في سورة طه و كيف أن الله قدّر أنه يعود لها بعد أن ألقته في اليم و في مدين و ما حدث هناك
٣٥. حتى قال الله العزيز الحكيم في نفس السورة، أعني سورة طه هذا: ((ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ )). لاحظ أن هذه الآيات كلّها في سورة طه و الحمدلله استطعت الربط بينها و بين آية من سورة الأعلى و هي: (و الذي قدّر فهدى).
٣٦. أما هذه الآيات: ((والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى)) فنجد شبيهتها في سورة طه في جواب موسى عليه السلام لفرعون:
٣٧. ((ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ (53) كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ)) لاحظ الترابط العجيب،
٣٨. في سورة طه نعلم من جواب موسى أن الله ينزل من السماء ماء فيخرج به أزواج من نبات شتى، و هذا النبات الذي ترعى منه الأنعام، و سبحان الله في هذه الآيات من معاني الحياة و الموت و البعث من الموت ما لا يخفى على متدبّر القرآن. فكما أن الله أحيى الأرض بالماء فانتعشت و أخرجت النبات
٣٩. يجعله الله غثاء يتبدّل من خضرة إلى سواد، من ليونة إلى خشونة، من حياة إلى موت و هذا يبصره الإنسان في حياته بشكل عام، يرى كيف أنه يحرث ثم يزرعه الله بإخراجه و من ثم يرى نهاية أمر ما خرج من الأرض و سبحان الله تجد هذه الآية في سورة طه مباشرة بعد كلام موسى مباشرة:
٤٠. ((مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ))!
أما قوله: ((سنقرئك فلا تنسى)) فنجد أشياء عجيبة تخصّها في سورة طه، لكن قبل ذلك أعود لأول آية من سورة الأعلى و التي قلت أن المقصود اسم الرحمن و الله أعلم،
أما قوله: ((سنقرئك فلا تنسى)) فنجد أشياء عجيبة تخصّها في سورة طه، لكن قبل ذلك أعود لأول آية من سورة الأعلى و التي قلت أن المقصود اسم الرحمن و الله أعلم،
٤١. و لاحظ ثاني آية في سورة الرحمن ما هي؟ ((عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) أي الرحمن من علّم، و في سورة طه بدايتها ماذا؟ ((مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ)) إذن الذي يعلّمه الله يعلّمه قرآنا لا يشقى به ولا ينسى إلا ما شاء الله و لاحظ في سورة طه من الذي علّم موسى وأوحى إليه
٤٢. لدرجة أنه معروف بين العامة، الصغيرة منا و الكبير أنه كليم الله؟ أليس هو موسى؟ بلى، و اقرأ هذا في سورة طه: ((وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ)) سبحان الله شيء عجيب والله! و لمزيد من العجب، تكتشف أنه في سورة طه فيها هذه الآية التي فيها من معاني سنقرئك فلا تنسى
٤٣. و هي في هذه الآية: ((فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا))
و أما قوله: ((إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى)) فنجد ما يشبهها في سورة طه:
و أما قوله: ((إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى)) فنجد ما يشبهها في سورة طه:
٤٤. ((وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى)) و هذه واضحة ليست بحاجة إلى بيان إذ العلاقة بيّنة غير أنّك تجد في سورة طه في أكثر من موضع يبين الله لنا كيف أنه يعلم السر و أخفى من البداية و حتى النهاية، من علمه بما تحت الثرى و في تفاصيل نبأ موسى و فرعون.
٤٥. من ذلك قوله: ((فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ)) لاحظ كيف أخبرنا أنه أسروا النجوى و اقرأ هذه الآية في نفس السورة: ((فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ)) علم سبحانه ما كان في نفس موسى عليه السلام و ما كان من أمر السامري إذ كان يكلّم موسى و
٤٦. أخبره أن السامري أضلّهم ((قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ)) وليس هذا فحسب بل بعدها علم ما كان من موسى: ((فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ)) و غيرها من الآيات التي يُفهم منها (إنه يعلم الجهر و ما يخفى)
٤٧. و أما قوله في سورة الأعلى: ((ونيسرك لليسرى)) فإنك ستجد في سورة طه هذا الدعاء من موسى: ((وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي)) و هذا ما فعله الله سبحانه و تعالى له إذ يسّره لليسرى منذ البداية و إن توقّفت هنا فسيطول الموضوع جدا و لكني أكتفي للدلالة الظاهرة.
٤٨. و أما هذه الآيات: ((فذكر إن نفعت الذكرى (٩) سيذكر من يخشى (١٠) )) فما يقاربها في سورة طه هي: ((إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ)) و ((ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي))
٤٩. و هذه الآية: ((كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا)) و هذه الآية: ((وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ))
٥٠. و أما يخشى ففي الآية الثالثة من سورة طه: ((إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ)) و في نفس السورة: ((فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ)) سبحان الله شيء عجيب!
٥١. و بما أن الخوف و الخشية في نفس الاتجاه نجد هذه الآيات في سورة طه في قصة موسى نجد التالي أولا قول موسى و هارون: ((قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ)) و لكن الله يجيبهما: ((قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ))
٥٢. و في منازلته السحرة أوجس موسى في نفسه خيفة فماذا قال الله: ((قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ)) و عندما أتبعهم فرعون بجنوده عندما خرج موسى و من معه ماذا قال الله له: ((لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ )) و حتى هارون عندما عاد موسى من ميقات ربه نجده يقول:
٥٣. ((قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي (خَشِيتُ) أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي) و في نفس السورة نجد: ((وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا)) عجيب...
٥٤. في سورة الأعلى: ((ويتجنبها الأشقى (١١) الذي يصلى النار الكبرى (١٢) ثم لا يموت فيها ولا يحيى (١٣) )) و في سورة طه نجد: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) و نجد فيها الوعد الإلهي العظيم أنه من اتبع هداه فلا يشقى (فمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ)))
٥٥. و بيّن لنا حال هذا الشقي الذي يعرض عن ذكر ربّه: ((وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ)) و المعيشة الضنك من الشقاء و هذا ما كان من أمر فرعون و قومه. إذ أولا أضلّ فرعون قومه كما في سورة طه و قد ذكرت الآية من قبل
٥٦. و أيضا هذه الآية: ((وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ)) و لهذا من يكذّب بآيات الله و يعرض عن ذكره كان كالأعمى و لهذا يحشر كذلك: ((قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا (125)
٥٧. قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ)) و أيضا في السورة نجد قصة آدم عليه السلام و في خاتمتها (فتشقى) > ((فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ))
٥٨. و أما قوله: (الذي يصلى النار الكبرى (١٢) ثم لا يموت فيها و يحيى)) نجد في سورة طه على لسان السحرة (على اختلاف بين أهل التفسير) نجد هذه الآية: ((إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ))
٥٩. النار الكبرى يقابلها جهنّم، و (ثم لا يموت فيها و يحيى) يقابلها من سورة طه: ((لا يموت فيها و لا يحيى)!
نكم، نجد في سورة الأعلى: ((قد أفلح من تزكى)) و هذا كان حال السحرة أو على الأقل كلامهم بعد أن رؤوا الآيات:
نكم، نجد في سورة الأعلى: ((قد أفلح من تزكى)) و هذا كان حال السحرة أو على الأقل كلامهم بعد أن رؤوا الآيات:
٦٠. قالوا: ((نَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ)) و قالوا فيما قالوا: ((مَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ (75)
٦١. جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ)) و قد أفلح من تزكى، إذ بدخوله الجنة قد أفلح و ذلك برحمة من الله و فضل.
٦٢. في سورة الأعلى: ((وذكر اسم ربه فصلى)) و في سورة طه نجد التالي: ((إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ)) و في سورة الأعلى: ((بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى)) و في سورة طه نجد السحرة بعد أن آمنوا
٦٣. ماذا قالوا: (( قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ )) ففي الأعلى يخبرنا عن الذين يؤثرون الحياة الدنيا و في طه يبيّن أن هناك من لم يبيعوا آخرتهم بدنياهم
٦٤. و لاحظ ماذا قالوا بعدها أعني السحرة: ((إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ)) و الله خير و أبقى! و في الأعلى و الآخرة خير و أبقى! سبحان الله!
٦٥. و لقد قال فرعون في سورة طه: ((وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ)) و بيّن الله أن عذاب الآخرة أشد و أبقى و ذلك في قوله في سورة طه: ((وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ))
٦٦. و هذا كما توعّد فرعون السحرة بعذاب أبقى توعّد الله من أسرف و لم يؤمن بآياته بعذاب الآخرة و ذلك العذاب هو أشدّ و أبقى. و بما أن فرعون كما في سورة طه كذبّ بآيات الله كلّها و كان من المسرفين بدلالة سورة الدخان: ((مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ))
٦٧. فإذن فرعون يدخل في الوعيد بعذاب الآخرة و كأن في سورة طه نفسها يبيّن الله لنا من الذي سيصيبه العذاب الأشد و الأبقى. انتبه لهذه الدقيقة، فإنه عزيز أن تجد هذا الملحظ الجميل و الرائع و الحمدلله رب العالمين…
٦٨. و أخيرا تنتهي سورة الأعلى: ((إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) )) و كذلك نجد في أواخر سورة طه هذه الآية: ((وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَ لَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ))
٦٩. ذكر الله لنا في سورة طه من خبر موسى، و في نهاية سورة طه طالبوا بآية فقال (أولم تأتهم بيّنة ما في الصحف الأولى) و في سورة الأعلى فيها ذكر للصحف الأولى، لكن في الأعلى ذكرها بالضبط ما هي، قال سبحانه: ((صحف إبراهيم و موسى))
٧٠. و بما أنه لا ذكر لإبراهيم في سورة طه، عرفنا أن المقصود بالصحف الأولى سورة البقرة. هذه السورة التي فيها ذكر أخبار موسى و إبراهيم، و فيها من البيّنات ما فيها و قد نشرت سلسلة لبيان ذلك والحمدلله و قد أشرت إليها في بداية هذه السلسلة و الحمدلله.
٧١. إذن كما ترى، و كأن سورة الأعلى تختصر على عظيم ما في سورة طه، و كأنها أختها، و الحقيقة كتبت هذا في جلسة واحدة و أشعر بالتعب، و لولا أني كنت أشعر بهذا التعب و بعض الانشغالات التي انشغلت بها لأطلت في هذا الموضوع كثيرا، أعني بالتحديد العلاقة بين سورة الأعلى و طه و لهذا كنت أنوي
٧٢. كما قلت من قبل أن أفرد كتابا أتناول فيه زوايا و جوانب عديدة تكتشف بها عظمة هذا الكتاب و إن يسّر الله لي فعلت ذلك و حتى يأتي ذلك اليوم أستودعكم الله و أن يهديني رشدي و يجعلني من الذين يتدبّرون كتابه إبتغاء مرضاته…
٧٣. ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يشاء ومن يُضْلِلِ اللَّهُ فما له من هاد))
جاري تحميل الاقتراحات...