🇧🇭محمد المعلا الهاشمي
🇧🇭محمد المعلا الهاشمي

@MohamedAlmuall2

97 تغريدة 3 قراءة Feb 03, 2023
سيدنا ابوعبيدة بن الجراح الصحابي الجليل وامين هذه الامة رضي الله عنه
هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهَيْب بن ضبَّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة
وهو يجتمع مع النبي محمد ﷺ عند فهر بن مالك
فالنبي ﷺ من أولاد غالب بن فهر، وأبو عبيدة من أولاد الحارث بن فهر، ويُعد أبو عبيدة من السابقين الأولين إلى الإسلام، فهو ممن التقاهم النبيُّ محمدٌ ﷺ في دار الأرقم قبل أن يبلغ المسلمون أربعين رجلاً
إن أبا عبيدة لم يقتل أباه يوم بدر، وليس في هذا خبر صحيح أو حسن أو ضعيف، وهذا الخبر لا يصح سنداً ولا متناً، أما السند فهو معضل، لأن عبد الله بن شوذب بعيد جداً عن زمن الحدث،
أبا عبيدة حضر غزوة بدر الكبرى التي وقعت في 17 رمضان 2هـ، وأبلى مع غيره من المهاجرين والأنصار بلاءً حسناً، وايضاً حضر غزوة أحد التي وقعت في 7 شوال 3 هـ
وأنه كان من الذين ثبتوا في ميدان المعركة عندما بُوغت المسلمون بهجوم المشركين، وأنه كان من المدافعين عن النبي محمد ﷺ. ويُذكر أنه نزع يوم أحد الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة النبي بثنيتيه، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما
وقصة وقوع ثنيتي أبي عبيدة روتها السيدة عائشة: سمعتُ أبا بكر يقول: «لما كان يومُ أحد، ورُمِيَ رسولُ الله ﷺ في وجهه حتى دخلت في أجنتيه (وجنتيه) حلقتان من المغفر، فأقبلتُ أسعى إلى رسول الله ﷺ وإنسان قد أقبل من قِبَلِ المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة أو "طلحة"
فقلت: اللهم اجعله طاعة أو "طلحة" حتى توافينا إلى رسول الله، فإذا أبو عبيدة بن الجراح قد بدرني فقال: أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فأنزعه من وجنة رسول الله ﷺ، قال أبو بكر: فتركتُه، فأخذ أبو عبيدة بثنيةٍ إحدى حلقتي المغفر فنزعها، وسقط على ظهره، وسقطت ثنية أبي عبيدة
ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى، فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم (أهتم: وهو الذي انكسرت ثناياه من أصولها)»
بعث النبي محمد ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة 6هـ.
وسبب السرية هو أنه قد بلغه أن بعض القبائل يريدون أن يُغيروا على سرح المدينة وهو يرعى يومئذ بمحل بينه وبين المدينة سبعة أميال، فصلَّوا المغرب، ومشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأسروا رجلاً واحداً
وأخذوا نعماً من نعمهم ورثة، أي ثياباً خَلِقةً من متاعهم، وقدموا بذلك إلى المدينة، فخمسه النبي محمد ﷺ، وأسلم الرجل، فتركه
أرسل النبيُّ محمدٌ ﷺ سريةَ الخبط في شهر رجب سنة 8 هـ، وجعل أميرَها أبا عبيدة بن الجراح
قالت السيدة عائشة: إن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسُّنح، فقام عمر يقول: «والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم»، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبَّله، قال: «بأبي أنت وأمي، طبتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً»
ثم خرج... واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: «منا أمير ومنكم أمير»، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر
ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: «نحن الأمراء وأنتم الوزراء»، فقال حباب بن المنذر: «لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير»، فقال أبو بكر: «لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء
هم (يعني قريش) أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح»، فقال عمر: «بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ»، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس
ورُوي أن عمر بن الخطاب قال: «لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله»
بعد أن اتخذ أبو بكر القرار بفتح الشام وإرسال الجيوش لمحاربة الروم، أرسل إلى أربعة من الصحابة هم: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، فجاؤوا إليه
فقال لهم: «إني باعثكم في هذا الوجه (الشام) ومؤمِّركم على هذه الجنود، وأنا موجّه مع كل رجل منكم من الرجال ما قدرتُ عليه، فإذا قدمتم البلد ولقيتم الجنود واجتمعتم على قتالهم، فأميركم أبو عبيدة بن الجراح
وإن لم يلقكم أبو عبيدة وجمعَتْكم حربٌ فأميركم يزيد بن أبي سفيان»، فتجهّز الأمراء لهذه المهمة، وراح المسلمون يسعون إلى المعسكر فينضمون إليه، العشر والعشرون والثلاثون إلى المئة في كل يوم، حتى اجتمع منهم جمعٌ
لواء يزيد بن أبي سفيان: بعد أن ازدحم معسكر الجيش بالقادمين للانضمام إلى جيش فتح الشام، عقد أبو بكر أولاً لواءً ليزيد بن أبي سفيان في شهر رجب سنة 12هـ. ويتراوح جيش يزيد ما بين ثلاثة آلاف إلى ستة آلاف، لاختلاف الأقوال في عدده
وقد سار متجهاً إلى الشام عن طريق تبوك، واستقر في البلقاء
لواء شرحبيل بن حسنة: خرج في 27 رجب سنة 12 هـ في جمع من المجاهدين، وسلك الطريق نفسها التي سلكها يزيد
لواء أبي عبيدة بن الجراح: ودّع شرحبيل أبا بكر وسار في جيشه إلى الشام، وبقي معظمُ الجند مع أبي عبيدة بن الجراح بالمعسكر، يَؤمُّهم أبو عبيدة في الصلاة، وينتظرون أمْرَ أبي بكر بالمسير، وكان أبو بكر ينتظر قدومَ مَن استنفر من المسلمين حتى يشحن بهم أرض الشام
وكانت وفود المسلمين تتوافد تباعاً إلى المدينة، أكثرهم من اليمن. وبعد اكتمال العدد والعدة اللازمتين للقاء الروم، ودَّع أبو بكر أبا عبيدة في السابع من شعبان سنة 12هـ
وقال أبو بكر يوصيه: أبو عبيدة بن الجراحاسمع سماعَ مَن يُريد أن يَفهم ما قِيلَ له ثم يَعملَ بما أُمِرَ به... إنك تخرج في أشراف الناس وبيوتات العرب وصلحاء المسلمين وفرسان الجاهلية
كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحميّة وهم اليوم يقاتلون على الحِسبة والنيّة الحسنة... أحسَنْ صُحبةَ مَن صَحِبَك، ولْيَكنِ الناسُ عندَكم في الحق سواءً، واستعن بالله، وكفى بالله معيناً
سار أبو عبيدة من المدينة حتى مرَّ بوادي القرى، ثم طلع إلى الحِجر (وهي مدائن صالح) ثم إلى ذات المنار، ثم إلى زيزا، ومنها سار إلى مآب، فتصدَّت له قوة من الروم التحم بهم المسلمون، حتى أدخلوهم مدينتهم وحاصروهم فيها
فطلب أهل مآب الصلح فكانت أول مدن الشام يُصالح أهلُها المسلمين، ثم سار أبو عبيدة إلى الجابية، ودنا منها
وبلغت أخبارُ هذه التحركات إلى هرقل ملك الروم وهو بفلسطين، ثم خرج هرقل من فلسطين، واتجه إلى أنطاكية بأقصى بلاد الشام واتخذها مقرّاً
وبعث إلى الروم يطلب حشودهم، فجاءته منهم أعدادٌ غفيرةٌ، وبلغت أخبارُ حشود الروم أبا عبيدة، فكتب إلى أبي بكر في منتصف رمضان سنة 12هـ: «فإنه بلغني أن هرقل ملك الروم نزل قرية من قرى الشام تُدعى أنطاكية
وأنه بعث إلى أهل مملكته فحشرهم إليه، وأنهم نفروا إليه على الصعب والذلول، وقد أحببت أن أُعْلِمَكَ ذلك فترى فيه رأيك»، فأجابه أبو بكر: «أما بعدُ فقد بلغني كتابُك... فأما منزلُ هرقل بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه... وأما حَشرُه لكم أهلَ مملكته...
فإنّ ذلك ما قد كُنّا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، وما كان قوم ليَدَعوا مَلِكَهم ويَخرجوا بغير قتال... فالقَهُم بجندك ولا تستوحش فإن الله معك، وأنا مع ذلك ممدُّكَ بالرجال حتى تكتفي».
وفي السادس من شوال سنة 12هـ كتب أبو عبيدة إلى أبي بكر: «إن عيوني من أنباط الشام أخبروني أن أوائل أمداد ملك الروم قد وصلوا إليه، وأن أهل مدائن الشام بعثوا رسلهم إليه يستمدّونه، وأنه كتب إليهم أن أهل مدينة من مدائنكم أكثر ممن قدم عليكم من العرب
فانهضوا إليهم فقاتلوهم فإنّ مددي يأتيكم من ورائكم. فهذا ما بلغني عنهم، وأنفُس المسلمين راضية بقتالهم»
لواء هاشم بن عتبة بن أبي وقاص: في 28 شوال سنة 12هـ، دعا أبو بكر هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وطلب منه أن يسير بمن تبعه من المسلمين للانضمام إلى جند فتح الشام
وخطب في الناس يحضهم على الجهاد والالتحاق بجند الشام، فخرج هاشم إلى أبي عبيدة بمن معه من الجند في 21 ذي القعدة سنة 12هـ، فتباشر المسلمون بمَقدِمِه وسُرُّوا به
لواء عمرو بن العاص: وتتابعت بعد ذلك الإمدادات، كلما اجتمع في المدينة عدد من الجند بعثهم أبو بكر لينضموا إلى واحد من الجيوش التي استقرّت في الشام، وكان آخرهم جيش عمرو بن العاص
فصار للمسلمين أربعة جيوش في الشام: جيش أبي عبيدة، وجيش يزيد بن أبي سفيان، وجيش شرحبيل بن حسنة، وجيش عمرو بن العاص، وكانت قيادتهم العامة لأبي عبيدة بن الجراح. وخصَّ أبو بكر كلَّ جيش بقطاع من أرض الشام: فأبو عبيدة لحمص، ويزيد لدمشق، وشرحبيل للأردن، وعمرو لفلسطين
وقعت في سنة 13هـ، وهي أول معركة صغيرة في تاريخ فتح الشام بعد مؤتة وسرية أسامة بن زيد، وقد بدأت في وادي عربة وانتهت في داثن، فبعد أن نزل يزيد بن أبي سفيان البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة نواحي بصرى
ونزل أبو عبيدة الجابية، دفع الروم بثلاثة آلاف مقاتل إلى وادي عربة من غور فلسطين جنوب البحر الميت، وهذه القوة تهدد جيوش المسلمين التي تقدمت على الطريق الشرقي التي رابطت على امتداده حتى جنوب دمشق بنحو خمسين كيلاً عند الجابية
فهي قوة تأتيهم من خلفهم وفي استطاعتها قطع طريق الإمداد من المدينة والجزيرة العربية، مع وجود قوة رومية أخرى في بُصرى
وقد درات المرحلة الأولى من المعركة في وادي عربة في مكان يسمى «الغَمْر»، ولما انهزم الروم تبعهم المسلمون إلى مكان يسمى «الدُّبيَّة» على بُعد عشرة أميال للجنوب الشرقي من مدينة رفح، ومنها هرب الروم إلى داثن، فلحق بهم المسلمون وانتصروا عليهم، وهرب فلُّهم
وبها سيطر المسلمون على جنوب فلسطين أو منطقة غزة. وكانت هذه المعركة قبل قدوم عمرو بن العاص بجيشه، حيث لم يرد له ذكر في المعركة
قرّر الخليفة أبو بكر الصديق أن يضم جيش خالد بن الوليد في العراق إلى جيوش الشام، فكتب إليه في المحرّم سنة 13هـ: «أما بعد، فإذا جاءك كتابي فدع العراق وامضِ متخففاً في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا العراق معك من اليمامة وصحبوك من الطريق
وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومَن معه من المسلمين وعندئذٍ كتب خالد إلى المسلمين بالشام: «إن كتاب خليفة رسول الله أتاني يأمرني بالمسير إليكم، وقد شمّرتُ وأسرعتُ، وكأن خيلي قد أطلَّت عليكم في رجال، فأبشروا بإنجاز موعود الله وحسن ثوابه»
وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: «لقد أتاني كتابُ خليفة رسول الله يأمرني بالمسير إلى الشام، وبالمقام على جندها والتولّي لأمرها... ووالله ما طلبتُ ذلك ولا أردْتُه ولا كتبتُ إليه فيه، وأنت رحمك الله، على حالك التي كنتَ بها، لا يُعصى أمرُك ولا يُخالف رأيُك
ولا يُقطعُ أمرٌ دونَك، فأنت سيدٌ من سادات المسلمين، لا يُنكر فضلُك ولا يُستغنى عن رأيك»
إن أول مدينة محصَّنة تم فتحها هي مدينة بصرى قصبة حوران، وكان ذلك في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 13هـ، بعد قدوم خالد إلى الشام
وبعد بُصرى توجه أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حصار دمشق، وبقي شرحبيل في بُصرى، ويزيد بن أبي سفيان في البلقاء، وعمرو بن العاص في فلسطين، وبينما كان أبو عبيدة وخالد يُقاتلان مَن بجهة دمشق
جاءتهما العيون بالأخبار تقول: «إن «وردان» الأميرَ الروميَّ على حمص، خرجَ منها في جيش روميٍّ كبير مُتَّجِهاً نحوَ بُصرى لاستردادِها من أيدي المسلمين وقَطْعِ جيش أبي عبيدة وخالد عن بقية الجيوش».
وجاء إلى أبي عبيدة وخالد خبر آخر يقول: «إن جيشاً كبيراً آخر للروم قد نزل بأجنادين من جنوب فلسطين، وعليهم قائد اسمه تذارق»، فالتقى أبو عبيدة وخالد وتشاورا في ذلك، فاستقرّ الرأي أن يتجها إلى أجنادين حيث الجيش الرومي الأكبر
وأن يكتبا إلى الجيوش الأخرى للاجتماع في ذلك المكان، وتمَّ ما اتُّفق عليه، وكان لقاءٌ بين جيش الروم الذي يبلغ عدده حوالي مائة ألف، وبين جيش المسلمين البالغ عدده حوالي ثلاثين ألفاً، فانتصر المسلمون وهُزم الروم شرَّ هزيمة، وانتهى خبر الهزيمة إلى هرقل، فهرب من حمص إلى أنطاكية
وكانت معركة أجنادين يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة 13هـ. ونتيجة لهزيمة الروم في أجنادين، أصبحت فلسطين كلها مكشوفة أمام المسلمين
بعد وفاة أبي بكر الصديق في 21 جمادى الآخرة سنة 13هـ، أمَرَ عمر بن الخطاب بتولية أبي عبيدة أميراً على الجيوش وعلى الشام
فكتب إلى أبي عبيدة: «قد ولّيتك جماعة المسلمين، فبثَّ سراياك... وانظر في ذلك برأيك ومَن حضرك من المسلمين... ومَن احتجتَ إليه في حصارك فاحتبسه، وليكن فيمن يُحتبس خالدٌ بنُ الوليد فإنه لا غنى بك عنه»
وقعت معركة فحل في 28 ذي القعدة سنة 13هـ، حيث أراد هرقل وقفَ زحفِ المسلمين الذين وصلوا إلى دمشق، فحشد نواحي فحل جنداً كثيراً بقيادة «سقلار» أحد خاصته، فقابلهم المسلمون بحشدِ مُعْظَمِ جُندِهم بالشام، وعلى رأسهم كبارُ قوّادِهم
وكانت القيادة العامة لأبي عبيدة بن الجراح، وكان خالد بن الوليد على المقدمة، وكانت كلها من الفرسان، وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة هاشم بن عتبة، فلما رأت الروم تصميم المسلمين على حربهم بثقوا المياه من سدود بيسان التي كانت تحيط بها قنواتٌ كثيرةٌ يُرفِدُها نهر الأردن
بقصد أن تتوحّل الأرضُ وتُعوِّقَ تقدُّمَهم، ولكنّ المسلمين أخذوهم على غرة، فاقتتل الفريقان قتالاً شديداً استمرّ ليلتهم ونهارهم، فلما أظلم الليل التالي دفع المسلمون الروم إلى ذلك الوحل أو ما يُسمى «الردغة» وركبوهم فيها بالرماح
فأصاب المسلمون قائدَهم سقلار والذي يليه، وقتلوا من الروم ألوفاً، ولم ينجُ منهم إلا الشريد، ولذلك عُرفت تلك الواقعةُ بيوم فِحل أو يوم الرّدغة أو يوم بيسان، وقد ترتب على هزيمة الروم محاصرة فحل، فكانت أول المدن المحاصَرة في الشام، فسأل أهلها الأمان على أداء الجزية
فترك عليهم أبو عبيدة فيها الأمير شرحبيل بن حسنة الذي استمر عليها والياً إلى أن هلك في طاعون عمواس، وبعد هذه المعركة لم تَعُد قوات رومية في فلسطين تستطيع الوقوف أمام زحف المسلمين
بعد معركة فحل، توجه أبو عبيدة بن الجراح بجيوش المسلمين من الأردن إلى دمشق فحاصرها من جميع جهاتها أربعة أشهر، استولى المسلمون أثناءَها على غوطة دمشق، ونزل خالد بن الوليد أمام الباب الشرقي، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية غربي المدينة
ونزل يزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير إلى باب كيسان (باب يونس قبل الفتح)، ونزل عمرو بن العاص على باب توما في الشمال، ونزل شرحبيل بن حسنة على باب الفراديس، وتم الفتح يوم الأحد 15 رجب سنة 14هـ
ولما كان فتح دمشق في بواكير فصل الشتاء، فقد أمضى المسلمون بقية الفصل البارد في دمشق، وبعد انقضاء فصل الشتاء توجه أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حمص لفتحها، وسلكوا إليها طريق سهل البقاع مارّاً بمدينة بعلبك ثم جوسية إلى حمص، ففتحوا بعلبك
وكتب أبو عبيدة لأهلها كتاب أمان، ووصلوا إلى حمص فتمّ فتحها دون مقاومة صلحاً
عندما خرج أبو عبيدة من دمشق إلى حمص، استخلف على دمشق يزيدَ بن أبي سفيان، وعلى فلسطين عمرو بن العاص، وعلى الأردن شرحبيل بن حسنة
وعندما كان أبو عبيدة في حمص قدمت إليه العيون والجواسيس فأخبروه أن الرومَ قد جمعوا جموعاً لا حصر لها، وأنهم متجهون إلى جنوب الشام، فجمع أبو عبيدة رؤوس المسلمين لمشاورتهم، واتّخذ القرارَ بالانسحاب من حمص والعودة إلى المناطق المفتوحة من بلاد الشام
وكان أبو عبيدة قد استعمل حبيب بن مسلمة على الخراج، فبعث إليه وقال له: «انظر ما كنتَ جبيتَه من الخراج من حمص، فاحتفظ به حتى آمُرَك فيه بأمري، ولا تجيبَنَّ أحداً ممن بقي من الناس حتى أُحدِثَ إليك في ذلك»
فلمّا أراد أبو عبيدة أن يمضي بجيش المسلمين دعا حبيب بن مسلمة وقال له: «اردُدْ على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا، إذ لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئاً
وقل لهم: نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما ردُّنا عليكم أموالكم أنا كرهنا أن نأخذ أموالكم ولا نحمي بلادكم»، وأصبح الصباح، فأمر أبو عبيدة برحيل جيش المسلمين إلى دمشق، واستدعى حبيبُ بنُ مسلمة القومَ الذين أخذ منهم الجزيةَ
فرَدَّ عليهم مالهم وأخبرهم بما قال أبو عبيدة، فأخذ أهل حمص يقولون: «ردَّكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم... ولو كانوا هم ما ردّوا علينا شيئاً، بل غصبونا وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا... إن ولايتكم وعدلكم أحبُّ إلينا مما كنا فيه من الظلم»
وعاد أبو عبيدة إلى دمشق، وجاءت جحافلُ الروم فدخلت حمصَ، ثم تحركت جنوباً خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم يتجهوا إلى دمشق حيث اجتمع المسلمون وإنما اتجهوا إلى الحولة في اتجاه نحو الجنوب
فرأى المسلمون في مسار الروم حركة التفاف يستهدفون بها قطعَ خط الرجعة على جيش المسلمين وحصرَه بين جيشهم وبين أرض ليست في يد المسلمين، وتشاورَ قادةُ الجيوش الإسلامية، واتفقوا على أن تجتمع الجيوش في الجابية ومنها تتجه إلى اليرموك
وانعقد مجلس الشورى في الجابية، وتعددت الآراء، فمنهم من رأى الرجوع إلى حدود آيلة (العقبة) ومنهم من رأى الثبات في المكان. وقال خالد بن الوليد: «أرى والله إن كُنّا نقاتل بالكثرة والقوة
فهم أكثر منا وأقوى علينا، وما لنا بهم طاقة، وإن كنا إنما نقاتلهم بالله ولله، فما أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً تُغني عنهم شيئاً»، ثم وجَّه كلامه لأبي عبيدة قائلاً: «فولِّني ما وراء بابك وخلِّني والقوم، فإني لأرجو أن ينصرني الله عليهم»، قال أبو عبيدة: «قد فعلتُ»
فولى أبو عبيدة خالداً سلطانه في القيادة العامة على جيوش المسلمين بالشام، ووحّد أبو عبيدة جيوشَ المسلمين تحت قيادة خالد بن الوليد، فوضع خالدٌ خطةَ القتال، ونظَّم جندَ المسلمين بإزاء الروم، وقيل إنه قسّم الجيش ميمنة وميسرة وقلباً
واتّبع أسلوباً جديداً في تعبئة الجيش هو طريقة الكراديس أو الكتائب، وقسّمه إلى كتائب مشاة وكتائب خيالة، فحوّل الجيش إلى ستة وثلاثين كردوساً، وجعل أبا عبيدة وشرحبيل بن حسنة قائدين لكراديس القلب، وعمرو بن العاص على كراديس الميمنة، ويزيد بن أبي سفيان على كراديس الميسرة
ودامت المعارك ستة أيام، وكانت خطة المسلمين فصلَ مشاة الروم عن خيَّالتهم لإبقاء المشاة تحت سيطرة المهاجمين المسلمين، وتقهقر الروم شمالاً باتجاه المخاضة في وادي الرقاد (رافد نهر اليرموك) على المنحدر الشرقي منه
وعندما انتقل مشاة الروم المسلسلين إلى المنحدر الغربي بدؤوا يتهاوون إلى الواقوصة ألوفاً. انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للروم، وبنصر باهر للمسلمين، وكانت أكبر كارثة حلَّت بالإمبراطورية البيزنطية، انهار على إِثْرِها الحكمُ البيزنطي في بلاد الشام
وغادر هرقل أنطاكية وهو يقول: «وداعاً يا سورية وداعَ مَن لا يعود إليكِ». كما عُدَّت معركة اليرموك من أعظم فتوح المسلمين، وباباً إلى ما جاء بعدها من فتوح، وصار المسلمون بعد ذلك يعملون في ميدانين: أحدهما شمالي يضم دمشق وحمص وما والاهما، وثانيهما جنوبي يضم الأردن وفلسطين
كما يسَّر فتح اليرموك فتح العراق، ومدَّ حركة الفتح إلى مصر. ومن المؤكد أن معركة اليرموك كانت في رجب سنة 15هـ
توجّه أبو عبيدة بعد اليرموك إلى دمشق وقسَّم الشام على الأمراء، فاستخلف يزيد بن أبي سفيان على دمشق، وعمرو بن العاص على فلسطين، وشرحبيل بن حسنة على الأردن
وأما خالد بن الوليد فقد كان يطارد فلول الروم بعد اليرموك ووصل إلى حمص، فتبعه أبو عبيدة وتوجّه إلى حمص، وبعث خالداً بنَ الوليد إلى قنسرين، ثم رحل أبو عبيدة إلى حلب، فوجد أهلها قد تحصنوا ثم طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم ومنازلهم فأُعطوا ذلك
واستثنى عليهم موضعاً للمسجد. ثم سار إلى أنطاكية التي ظلت مدة الفتوح مقرّ هرقل ومأمنه، ففتحها أبو عبيدة عام 638م، وقد صالح أبو عبيدة أهلها على الجزية والجلاء، فجلا بعضُهم وأقام بعضُهم
ولمّا فُتحت أنطاكية كتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرتب بها جماعة من المسلمين من أهل النيّات والحسبة، وأن يجعلهم مرابطين بها، ولا يحبسَ عنهم العطاء. وبلغ أبا عبيدة أن جمعاً للروم بين معرة مصرين وحلب، فلقيهم وفضَّ جمعهم وسبى منهم وغَنِم
وفتح معرة مصرين على مثل صلح حلب، وجالت فرسان أبي عبيدة فبلغت بوقة. وفُتحت قرى جُومة وسَرْمين ومَرْتَحْوان (من نواحي حلب) وتيزين
قال البلاذري في فتوح البلدان: وصالحوا أهل دير طايا ودير فسيلة على أن يُضيفوا مَن مرّ بهم من المسلمين. وأتاه نصارى خُناصِرة فصالحهم
وفتح أبو عبيدة جميع أرض قنسرين وأنطاكية. وسار أبو عبيدة يريد قُورُس، فتلقاه راهب من رهبانها يسأل الصلحَ عن أهلها، فبَعَثَتْ به المقدمةُ إلى أبي عبيدة وهو بين جبرين وتل أعزاز فصالحه، ثم أتى قورس فعقد لأهلها عهداً وأعطاهم مثل الذي أعطى أهل أنطاكية
وكتب للراهب كتاباً في قرية له تدعى شرقينا، وبث خيله فغلب على جميع أرض قورس إلى آخر حدّ نقابلس وكانت قورس كالمسلحة لأنطاكية يأتيها كلَّ عام طالعة من جند أنطاكية ومقاتلتها
وأتى أبو عبيدة حلب الساجور، وقدَّم قوة إلى منبج، ثم لحقها وصالح أهلها على مثل صلح أنطاكية، وبعث عياض بن غنم إلى ناحية دُلُوك ورَعْبان فصالح أهلها على مثل صلح منبج
واشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم ويكاتبوا بها المسلمين، وولَّى أبو عبيدة كلَّ كورة فَتَحَها عاملاً وضمَّ إليه جماعة من المسلمين وشحن النواحي المخوفة. ثم سار أبو عبيدة حتى نزل عراجين وقدَّم مقدِّمَتَه إلى بالس، وبعث حبيب بن مسلمة في جيش إلى قاصرين
فجلا أكثر أهلها إلى جسر منبج وبلاد الروم والجزيرة، ورتّب أبو عبيدة حامية في بالس، وأسكنها قوماً من عرب الشام أسلموا بعد قُدوم المسلمين إلى الشام، كما أسكن قاصرين قوماً، وبلغ أبو عبيدة الفرات ثم رجع إلى فلسطين.
واستخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت قبل أن يمضي إلى بيت المقدس، فأتى عبادةُ اللاذقية ففتحها، وفتح بقية الساحل؛ جبلة وطرطوس
بقيت بيت المقدس من آخر المعاقل التي تحصَّن الروم وراء أسوارها، وتم فتحها في خلافة عمر بن الخطاب، وفي أمارة أبي عبيدة بن الجراح على الشام.
وقد كان أبو عبيدة قد فرغ من فتح شمال الشام، ثم عاد إلى فلسطين، وكان عمرو بن العاص يحاصر القدس، حيث صارت جيباً معزولاً محاصراً فوق الجبال، فلما وصل أبو عبيدة طلب أهل القدس أن يصالحهم على مثل صُلح أهل مدن الشام
أن يكون المتوليَ لعقد الصلح عمرُ بنُ الخطاب، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب برغبة أهل بيت المقدس، فلبَّى عمر وحضر إلى الشام، فتمَّ فتح القدس في شهر ربيع الأول سنة 16هـ
روى البخاري عن ابن عباس قال: إن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسَرْغ لقيه أمراءُ الأجناد؛ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: «ادعُ لي المهاجرين الأوَّلين»، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام
فاختلفوا فقال بعضهم: «قد خرجتَ لأمر ولا نرجع أن ترجع عنه»، وقال بعضهم: «معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء»، فقال: «ارتفعوا عني»، ثم قال: «ادعوا لي الأنصار»، فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: «ارتفعوا عني»
ثم قال: «ادعُ لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح»، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: «نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء»، فنادى عمر في الناس: «إني مُصبّح على ظهْر فأصبحوا عليه»، قال أبو عبيدة بن الجراح: «أفراراً من قدرِ الله؟»
فقال عمر: «لو غيرُكَ قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيتَ لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟»
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيِّباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فِراراً منه»، قال: فحمد اللهَ عمرُ، ثم انصرف
ونُقِل عن عمر بن الخطاب بإسناد حسن إلى أبي موسى الأشعري قال: إني كنتُ مع أبي عبيدة بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: «أن سلامٌ عليك، أما بعد: فإنه قد عُرِضَتْ لي حاجةٌ أريد أن أُشافِهَك فيها
فعزمتُ عليك إذا نظرت في كتابي ألا تضعه من يدك حتى تُقبِل إليَّ»، قال: فعَرف أبو عبيدة إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، فقال: «يغفرُ الله لأمير المؤمنين»، ثم كتب إليه: «يا أمير المؤمنين، إني قد عرفتُ حاجتك إليَّ، وإني في جُند من المسلمين، لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم
لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم، فلستُ أريد فراقَهم حتى يقضيَ الله فيَّ وفيهم أمرَه وقضاءه، فحلّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي»، فلما قرأ عمرُ الكتاب بكى. فقال الناس: «يا أمير المؤمنين! أمات أبو عبيدة؟» قال: «لا، وكأن قد»
امين هذه الامة
سبب قلة احاديث سيدنا ابوعبيدة بن الجراح رضي الله عنه:
قال ابن سعد: قال محمد بن عمر الأسلمي: «إنما قَلَّتِ الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يُحتاج إليهم، وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وَلِيَا فسُئلا وقضيا بين الناس
وكلُّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أئمةً يُقتدى بهم، ويُحفظ عليهم ما كانوا يَفعلون، ويُستَفتَون فيُفتون، وسمعوا أحاديث فأدَّوها، فكان الأكابرُ من أصحاب رسول الله ﷺ أقلَّ حديثاً عنه من غيرهم
فكان الأكابرُ من أصحاب رسول الله ﷺ أقلَّ حديثاً عنه من غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وأبي عبيدة بن الجراح ونظرائهم، فلم يأتِ عنهم من كثرة الأحاديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة...

جاري تحميل الاقتراحات...