عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

22 تغريدة 7 قراءة Feb 12, 2023
١. هذه السلسلة تكملة لسلسلة المشارق و المغارب، و هذه المرة مع آية من القرآن و عرض بعض أقوال أهل التفسير.
قال ربنا: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) {سورة الزخرف ٣٨}
٢. و قد استدلّ بعض المعاصرين مثل مصطفى محمود -رحمه الله- أنّ هذه الآية تدلّ على كروية الأرض، إذ لا تكون المسافة على الأرض أبعد ما تكون بين مشرقين إلا إذا كانت الأرض كروية، لكن كان ينبغي قبل محاولة التوفيق بين القرآن والعلم الحديث أن نعرف معنى المشرقين.
٣. ستكون الآية مفهومة جدًّا إن قرأنا في كتب التفسير القديمة، الذين كانوا يفقهون اللسان العربي و استعمالات الكلمة.
قال الطبري في تفسيره: "قال أحد هذين القرينين لصاحبه الآخر: وددت أن بيني وبينك بعد المشرقين: أي بُعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما على الآخر،
٤. كما قيل: شبه القمرين،
وكما قال الشاعر
أخَذْنا بآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ لنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوَالِعُ
وكما قال الآخر
فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنَّا والعِرَاقُ لنَا والمَوْصِلانِ وَمِنَّا مِصْرُ والحَرَمُ
يعني: الموصل والجزيرة، فقال: الموصلان، فغلب الموصل.
٥. وقد قيل: عنى بقوله (بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ): مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، وذلك أنّ الشمس تطلع في الشتاء من مشرق، وفي الصيف من مشرق غيره، كذلك المغرب تغرب في مغربين مختلفين، كما قال جلّ ثناؤه: (رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المَغْرِبَينِ)
٦. وذُكر أنّ هذا قول أحدهما لصاحبه عند لزوم كلّ واحد منهما صاحبه حتى يورده جهنم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن سعيد الجريري، قال: بلغني أنّ الكافر إذا بُعث يوم القيامة من قبره، سفعَ بيده الشيطان، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار،
٧. فذلكم حين يقول: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين، فبئس القرين. وأما المؤمن فيوكَّل به مَلك فهو معه حتى قال: إما يفصل بين الناس، أو نصير إلى ما شاء الله".
٨. قال الزمخشري في تفسيره المسمى ”الكشاف“: "يريد المشرق والمغرب، فغلب كما قيل العمران والقمران. فإن قلت فما بعد المشرقين؟ قلت تباعدهما، والأصل بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق. فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية أضاف البعد إليهما { أَنَّكُمْ } في محل الرفع على الفاعلية،
٩. يعني ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمل أعبائه، وتقسمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كلّ واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته،
١٠. ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله يا ليت بيني وبينك على معنى ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين“.
قال الفخر الرازي: "واختلفوا في تفسير قوله: (بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ) وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الأكثرون: المراد بعد المشرق والمغرب،
١١. ومن عادة العرب تسمية الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، قال الفرزدق: ”لنا قمراها والنجوم الطوالع“ يريد الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللغداة والعصر: العصران، ولأبي بكر وعمر: العمران، وللماء والتمر: الأسودان.
١٢. الثاني: أن أهل النجوم يقولون: الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب، هي حركة الفلك الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق، هي حركة الكواكب الثابتة، وحركة الأفلاك الممثلة التي للسيارات سوى القمر، وإذا كان كذلك فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء آخر،
١٣. فثبت أنّ إطلاق لفظ المشرق على كلّ واحد من الجهتين حقيقة الثالث: قالوا يحمل ذلك على مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم، وهذا بعيد عندي، لأنّ المقصود من قوله: (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ) المبالغة في حصول البعد،
١٤. وهذه المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه، والبعد بين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك، فيبعد حمل اللفظ عليه الرابع: وهو أن الحس يدلّ على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما القمر فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب،
١٥. ثمّ لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق، وذلك يدلّ على أنّ مشرق حركة القمر هو المغرب، وإذا ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس، لكنه مغرب القمر، وأما الجانب المسمى بالمغرب، فإنه مشرق القمر، لكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين،
١٦. ولعلّ هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه، والله أعلم."
قال الآلوسي وهو من المتأخرين في التفسير: "أي بعد كل منهما من الآخر، والمراد بهما المشرق والمغرب كما اختاره الزجاج والفراء وغيرهما، لكن غلب المشرق على المغرب وثنيا كالموصلين للموصل والجزيرة،
١٧. وأضيف البعد إليهما، والأصل بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق وإنما اختصر هذا المبسوط لعدم الإلباس إذ لا خفاء أنه لا يراد بعدهما من شيء واحد لأنّ البعد من أحدهما قرب من الآخر، ولأنهما متقابلان فبعد أحدهما من الآخر مثل في غاية البعد لا بعدهما عن شيء آخر،
١٨. وإشعار السياق بالمبالغة لا ينكر فلا لبس من هذا الوجه أيضاً“
وقال ابن عاشور: "والمشرقان المشرق والمغرب، غلب اسم المشرق لأنه أكثر خطوراً بالأذهان لتشوف النفوس إلى إشراق الشمس بعد الإظلام. والمراد بالمشرق والمغرب إما مكان شروق الشمس وغروبها في الأفق،
١٩. وإما الجهة من الأرض التي تبدو الشمسُ منها عند شروقها، وتغيب منها عند غروبها فيما يلوح لطائفة من سكان الأرض. وعلى الاحتمالين فهو مَثَل لشدة البعد. وأضيف {بعد} إلى {المشرقين} بالتثنية بتقدير بعد لهما، أي مختص بهما بتأويل البعد بالتباعد وهو إيجاز بديع حَصل من صيغة التغليب
٢٠. ومن الإضافة. ومُسَاواته أن يقال بُعْد المَشْرق من المغرب والمغربِ من المشرق فنابت كلمة {المشرقين} عن ست كلمات“.
وقال الشعراوي: " بُعْد المشرق من المغرب، وهذا الأسلوب يُسمَّى في اللغة التغليب، لأنّ المشرق يقابله المغرب، والعرب في المتقابلات تُغلب أحدهما على الآخر،
٢١. كما يقولون مثلاً في الشيخين أبي بكر وعمر يقولون العمرين. وحينما نتأمل في المشرق والمغرب من الناحية الفلكية الجغرافية نجد أنّ المشرق مغرب آخرين، والمغرب مشرق آخرين، إذن: كلاهما مشرق، وكلاهما مغرب.".
٢٢. فإذن كما قرأت، المُفسّرون فهموا المشرقين و المغربين بغض النظر عن منظورهم لشكل الأرض. الآن تريد أن توفّق فهذا شأنك، لكن أذكّرك أن توفيقك هذا لا تلزمه على الآخرين، فإن عندهم ما يسعهم، ما ضقت أن تستوعبه يسعهم...

جاري تحميل الاقتراحات...